آخر الأخبار

أحكام قضائية و”جريمة” في مشروع ملكي.. الاختلالات تلاحق مجموعة “العمران”

شارك

تواجه مجموعة العمران، التي تُقدَّم باعتبارها الذراع التنفيذي للدولة في مجال السكن والتهيئة الحضرية، انتقادات متزايدة بسبب اختلالات بنيوية في التدبير والحكامة جعلت عددا من مشاريعها موضوع مساءلة قضائية وبرلمانية.

هذه الاختلالات، التي تتوزع بين سوء التسيير وتراكم الديون وتعثر المشاريع والانحراف عن الأدوار الاجتماعية، أضحت تطرح علامات استفهام كبرى حول قدرة المؤسسة على الاضطلاع بالمهام التي أُحدثت من أجلها، حيث كشفت مجموعة من الملفات أن عددا من الشركات الجهوية التابعة للعمران تعاني ضعفا واضحا في آليات المراقبة الداخلية وتتبع الصفقات العمومية.

وأفضى هذا الوضع إلى تسجيل تجاوزات خطيرة، من قبيل التلاعب في المساطر، وضعف مراقبة الجودة، وتأخر إنجاز المشاريع رغم رصد اعتمادات مالية مهمة لها، كما سجل مهنيون ومستفيدون غياب التواصل والوضوح في تدبير المشاريع، ما أدى إلى فقدان الثقة بين المؤسسة وعدد من الفاعلين المحليين والمواطنين.

كما تواجه مجموعة العمران أزمة مالية خانقة نتيجة تراكم الديون وتأخر الأداءات لفائدة المقاولات المكلفة بإنجاز الأشغال. وحسب معطيات متطابقة، فإن عددا من الشركات الجهوية، من بينها العمران بجهات مراكش والشرق وفاس، أصبحت عاجزة عن الوفاء بالتزاماتها المالية في الآجال القانونية، ما تسبب في توقف أوراش وإفلاس أو شبه إفلاس مقاولات متوسطة وصغرى، وتسريح عمال، ما يتناقض مع المقتضيات القانونية المؤطرة لآجال الأداء ومع التوجيهات الحكومية الرامية إلى حماية النسيج المقاولاتي.

أحكام قضائية يبرز حجم الاختلالات

شكّل الحكم الصادر عن غرفة الجنايات الابتدائية المكلفة بجرائم الأموال بمحكمة الاستئناف بفاس، والقاضي بإدانة المدير العام السابق لشركة “العمران الشرق” بثماني سنوات سجنا نافذا، مؤشرا خطيرا على حجم الاختلالات التي يمكن أن تصل إليها بعض فروع المجموعة.

وتعود تفاصيل الواقعة إلى السنة الماضية حيث تقدم المدير العام لعمران الشرق بشكاية للنيابة العامة بمحكمة الاستئناف، يتهم فيها المدير العام السابق للفرعية والمدير المالي ومهندس وصاجب شركة ومسير شركة، باختلاس ما مجموعه 61 مليار سنتيم، على خلفية التلاعب بصفقات عمومية وبيع أراضي تابعة للدولة لفائدة أشخاص بمبالغ بخسة ثم إعادة بيعها بمبالغ ضحمة لفائدة أقرباء المدير، كما كشفت التحريات أن المدير العام السابق قد تلاعب في جودة بعض المشاريع التي خصصت لها مبالع كبيرة ولم يتم إنجازها على ارض الواقع.

وقررت النيابة العامة متابعة المتهمين المعتقلين الثلاثة والإثنين الآخرين الموجودين في حالة فرار، بتهم جنائية خطيرة تضمنت حسب صك الاتهام، “تبديد واختلاس أموال عمومية والمشاركة في ذلك، والتزوير واستغلال النفوذ وإقصاء أحد المتزايدين من المنافسة باستعمال التواطؤ واساليب احتيالية”.أزمة مالية خانقة.

كما شملت القرارات القضائية الـ14 مسؤولا في شركة العمران بهرهورة، المتهمين بتبديد واختلاس أموال عامة واستغلال النفوذ، علما أن هذه القضية شهدت منعطفات جديدا في سنة 2025 مع قرار المحكمة إجراء خبرة قضائية جديدة لتقييم صفقات تفويت عقارات في منطقة “الهرهورة” تمت بأسعار بخسة بلغت حوالي 193 درهما للمتر المربع.

وكشفت مصادر مطلعة لجريدة “العمق” أن الخبرة الجديدة التي أمر بها القاضي المكلف بجرائم الأموال بمحكمة الاستئناف بالرباط خلال جلسة 21 أبريل الجاري، تهدف إلى تحديد القيمة السوقية الحقيقية لقطعتين أرضيتين متنازع عليهما في منطقة سيدي العابد التابعة لجماعة الهرهورة (الرقمين 51908 و88785) في عام 2006، وهو تاريخ تفويتهما.

يذكر أن خبرة سابقة أمر بها قاضي التحقيق قد أوضحت وجود فجوة كبيرة بين سعر التفويت والقيمة الحقيقية للعقارين. فبينما تم تفويتهما في عام 2006 بمبلغ إجمالي قدره 3.1 مليون درهم (أي ما يعادل 193.97 درهما للمتر المربع)، قدرت قيمتهما السوقية آنذاك بحوالي 9.7 مليون درهم، وهو ما يمثل فرقا يقارب 6.6 مليون درهم اعتبرته المصادر تبديدا للمال العام.

تعود تفاصيل القضية إلى عام 2009، عندما قام 9 مدراء و5 أطر داخل شركة “العمران” بتأسيس جمعية (ودادية سكنية) شكلت واجهة لاقتناء هذين العقارين في منطقة تعتبر من أغلى المناطق الساحلية في المغرب بثمن رمزي يقل بكثير عن سعر السوق.

وقد أثار هذا التفويت انتباه المجلس الأعلى للحسابات، الذي أدرج ملاحظاته حولها ضمن تقريره الصادر عام 2016، ليتم إحالتها على القضاء بعد الكشف عن معطيات تؤكد استغلال النفوذ وتضارب المصالح، حيث تبين أن نفس الأشخاص الذين اقتنوا العقارات كانوا ضمن لجنة التقييم التي حددت ثمنها.

وفي طنجة، قررت النيابة العامة بالمحكمة الابتدائية، متابعة شركة التهيئة العمران البوغاز بتهمة النصب، حسب الأفعال المنصوص عليها وعلى عقوبتها في الفصل 540 من القانون الجنائي، بعد شكاية من مواطن، حيث قضت هيئة الحكم بعد البث في التهم، بأداء شركة العمران تعويضا ماليا للمطالب بالحق المدني مبلغا قدره 75 مليون سنتيم.

وحسب الوقائع، فإن المشتكي “ع.ب” تقدم بشكاية في مواجهة شركة العمران البوغاز، مفادها أنه سبق له أن استفاد من قطعة أرضية مساحتها 260 متر مربع مستخرجة من تجزئة المنار النوينويش جماعة وقيادة البحراويين، واسندت له من طرف اللجنة الإقليمية المكلفة بعملية إحصاء ذوي الحقوق وغير ذوي الحقوق المنزوعة ملكية أراضيهم ومنازلهم في إطار المشروع السياحي المنتجع الملكي “كاب مالاباطا”، مقابل هدم منزله البالغ مساحته 100 متر مربع المقام على مساحة أرضية تبلغ 2700 متر مربع، كان يستغلها بصفته من ذوي حقوق الجماعة السلالية المنار.

وأكد المشتكي أنه تفاجئ بقيام شركة العمران بالتصرف في القطعة الأرضية التي استفاد منها وبيعها للغير في ظروف غامضة، بحيث لم يتم إشعاره ولا مطالبته بأي وسيلة من الوسائل بأداء أي مبلغ مالي أو وثائق لاستكمال إجراءات تملكه، خاصة وأن شهادة الاستفادة المسلمة له من طرف شركة العمران لم تتضمن أداء أي مقابل مالي أو أي التزامات أخرى على عاتقه، مع العلم أنه من ذوي حقوق الجماعة السلالية الذين استفادوا أنذاك من بقع أرضية مجانية، إضافة إلى مبلغ مالي لقاء تخليهم عن استغلال أراضيهم وهدم مساكنهم لفائدة المشروع المذكور.

“جريمة” في مشروع ملكي

أثار نواب برلمانيون مسألة تشويه مشاريع دشنها الملك محمد السادس، كما هو الحال بمشروع برج الناظور بمدينة آسفي، حيث اعتُبر أن العمران حادت عن الهدف الأصلي للمشروع، وأفرزت بنايات مشوهة لا تستجيب للمعايير الجمالية والعمرانية المنتظرة، كما أُثير ملف الصويرية القديمة، التي تحولت، حسب تعبير برلمانيين، إلى “مدينة شبح” رغم مرور أكثر من عقدين على إنجازها.

وفي هذا الصدد، سبق للنائب البرلماني عن حزب الحركة الشعبية، عادل السباعي، خلال اجتماع لجنة الداخلية والجماعات الترابية والسكنى وسياسة المدينة والشؤون الإدارية بمجلس النواب أن اعتبر أن مجموعة العمران “ارتكبت جريمة” في حق مشروع دشنه الملك محمد السادس بمدينة آسفي في سنة 2023.

وأضاف السباعي أن مجموعة العمران التي “كان ينتظر منها حل أزمة البناء العشوائي، أحدثت بناء عشوائيا من خلال تشييد بنايات مشوهة” في مشروع برج الناظور بمدينة آسفي، قائلا إن فريقه طالب خلال الولاية السابقة بفتح تحقيق في الموضوع، أما الصويرية القديمة التي شيدتها العمران قبل 25 سنة، يقول النائب البرلماني، فإنها لا تعدو أن تكون “مدينة شبح”، بحيث تضم 2230 بقعة أرضية، 60 في المائة منها تقريبا سكنية ومبنية، بدون تجهيز ولا طرق ولا إنارة عمومية ولا مرافق ولا تطهير سائل.

وأوضح النائب البرلماني أن المواطنين الذين اشتروا عقارات في هذا المشروع “يلومون المنتخب المحلي”، مع العلم أن “الصويرية هي المتنفس والوجهة السياحية بالنسبة لسكان جهة مراكش آسفي، والعديد من الأشخاص اقتنوا عقارات هناك حتى يتمكنوا من توفير مكان للاستجمام في الصيف على الواجهة البحرية”.

من جهته قال النائب البرلماني عن حزب التقدم والاشتراكية، يوسف بيزيد، إن هناك تفاوتا بين الجهات من حيث الاستفادة من دعم السكن، مشيرا إلى أن عددا من الجهات لا يتوفر فيها عرض سكني كاف مثل درعة تافيلالت، متسائلا: “فهل هي إشكالية العرض العقاري والمضاربات أم منطق الربح و(النوار)؟”.

النائب البرلماني عن حزب التقدم والاشتراكية تساءل أيضا عن دور مجموعة العمران في برنامج دعم السكن باعتبارها ذراع الدولة في ما يتعلق ببرامج السكن، قائلا إن بإمكانها أن تلعب دورا في التوازن الترابي وفي توفير العرض السكني المدعم.

انتقادات برلمانية متواصلة

ما فتئ البرلمانيون أن وجهوا، كلما أتيحت الفرصة خلال مساءلة فاطمة الزهراء المنصوري، وزيرة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، انتقادات إلى مؤسسة “العمران” المتخصصة في مجال الإسكان والتهيئة الحضرية، بسبب عدم وفائها بالتزاماتها مع المستفيدين.

وفي هذا الصدد، كشف البرلماني محمد الزكراني عن الفريق الاستقلالي للوحدة والتعادلية، أن عددا من المشاريع التي تشرف عليها المؤسسات الجهوية للعموان، تعرف عددا من المشاكل، مسجلا عدم التزامها بتعهداتها، مبرزا أن المؤسسة الجهوية للعمران بجهة بني ملال خنيفرة، على سبيل المثال، بدأت عدة مشاريع مع الجماعات الترابية، والتزمت مع الستفيدين دون أن تفي بالتزاماتها، متسائلا بالقول: “كيف سيكون العمل مندمجا وفعالا بهذا الشكل؟”.

وفي موضوع متصل، أثارت نائبة برلمانية أخرى، ملف الوحدات السكنية الجاهزة لمؤسسة “العمران” وغير المسلمة لأصحابها، مشيرة إلى أن جهة الداخلة تتوفر على أكثر من 1500 سكن جاهز كلف الدولة مبالغ طائلة.

وأضافت أنها لن تعرف أسباب عدم تسليم تلك الوحدات السكنية، مشددة على أنه يمكن بها حل عدة مشاكل كبيرة للفئات الهشة والشباب المتزوج والعاطل عن العمل والأرامل والمطلقات، علما أن السومة الكرائية جد مرتفعة بمدينة الداخلية وتتجاوز 3000 درهم، وفق تعبيرها.

وأشارت النائبة الصحراوية إلى أن مدينة الداخلية تضم حاليا حوالي 15 تجزئة غير مجهزة، مشيرة إلى إشكالية تشويه النسق العمراني وجمالية المدينة بسبب هذه الظواهر، ملتمسة من الوزيرة الوصية ورئيس الحكومة التدخل لحلحلة هذه المشاكل.

تأخر في أداء مستحقات مقاولات

وجه بعض النواب انتقادات حادة لمؤسسة العمران بسبب عدم وفائها بالتزاماتها تجاه المستفيدين من مشاريعها السكنية إذ تعاني المؤسسة من تحديات مالية وتراكم الديون المستحقة للمقاولات المنفذة للأشغال، والتأخر في تسليم المشاريع، حيث تُعدّ الشركة الجهوية العمران بمراكش، والشركة الجهوية العمران بالشرق، والشركة الجهوية العمران بفاس، من بين أكثر الشركات الجهوية التابعة لمجموعة العمران تأثرا بهذه الأزمة المالية.

وتأخرت مجموعة العمران بجهة الشرق لسنوات، في أداء أكثر من 15 مليون درهم من مستحقات مقاولة متخصصة في البناء والأشغال العمومية، رغم أنها قامت بالتسليم النهائي للمشاريع التي أنجزتها، وهو ما تسبب في إرباك عمل المقاولة ووضعها على حافة الإفلاس.

من جهة أخرى، دعت النائبة البرلمانية نادية القنصوري، وزيرة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، فاطمة الزهراء المنصوري، إلى الكشف عن المرجعية القانونية التي اعتمدتها مؤسسة العمران لفرض مبلغ مالي كشرط للسماح لمالكي القطع الأرضية بالبيع.

وقالت برلمانية حزب العدالة والتنمية إن شركة العمران (الوكالة الوطنية لمحاربة السكن غير اللائق ANHI سابقا)، أنجزت تجزئة الرشاد بمدينة صفرو خلال التسعينات من القرن الماضي، وضمنت عقد البيع شرط منع التفويت، إلا بأداء مبلغ مالي لم تحدد قيمته، مما قد يعد عيبا في العقد.

وأشارت في سؤال وجهته للوزيرة، إلى أن العمران تطلب مبلغ 40 ألف درهم من كل راغب في الحصول على وثيقة رفع اليد، دون أن تدلي الشركة بالمرجعية القانونية التي تم الاستناد إليها لفرض هذا المبلغ.

كما طالت الانتقادات أداء العمران من زاوية الوفاء بالتزاماتها تجاه المستفيدين من السكن، فقد سجل برلمانيون وجود مشاريع سكنية جاهزة لم يتم تسليمها لأصحابها رغم كلفتها المرتفعة، وتأخر مشاريع إعادة الإسكان، إضافة إلى تجزئات غير مجهزة تفتقر إلى الطرق، والإنارة، وشبكات التطهير، واعتُبر هذا الوضع مساسا بحق المواطنين في السكن اللائق، وتشويها للنسق العمراني بعدد من المدن.

العمق المصدر: العمق
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا