آخر الأخبار

مغربية الصحراء.. الاتحاد الأوروبي يتجاوز التذبذب ومنطق الابتزاز إلى الدعم الصريح

شارك

“حكم ذاتي حقيقي قد يمثل أكثر الحلول قابلية للتطبيق”؛ هكذا اختار الاتحاد الأوروبي، في بلاغ مشترك مع المملكة المغربية، دعم مبادرة الحكم الذاتي المغربية كأساس ومنطلق لحل النزاع المفتعل بالصحراء، في موقف ينسجم مع التوجه الذي سار فيه مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة في قراره الأخير بشأن الصحراء.

وتبنت الدول الأعضاء الـ27 في الاتحاد الأوروبي، أمس الخميس 30 يناير 2026، في اختتام الدورة الـ15 لمجلس الشراكة بين المملكة المغربية والاتحاد الأوروبي، الدعوة التي وجهها مجلس الأمن إلى جميع الأطراف “للمشاركة في المحادثات دون شروط مسبقة، وعلى أساس مخطط الحكم الذاتي الذي اقترحه المغرب، من أجل التوصل إلى حل سياسي نهائي”.

استقرار في محيط مضطرب

وفي قراءته لهذه الخطوة، اعتبر أستاذ القانون الدولي والعلاقات الدولية بجامعة محمد الخامس، عبد النبي صبري، أنها تشكل تحولا في موقف الاتحاد الأوروبي لصالح المغرب، كما تنطوي على دلالات أبرزها أن “المغرب هو بلد مستقر في محيط مكهرب ومضطرب”.

وأشار صبري، في تصريح لـ”العمق”، إلى التغيير الذي حدث في الموقف الأوروبي بعد القرار الأممي 2797، فبعدما كان تأييد مقترح الحكم الذاتي يتم من قبل دول في الاتحاد، صار اليوم يتبناه الأخير، منظمة اندماجية أوروبية قارية، و”قبله كان مجلس التعاون الخليجي، وكانت منظمات أخرى”.

وخلص إلى أن الأمر ينطوي على دلالات سياسية وجيوسياسية عميقة تؤكد على شرعية ومشروعية الحل المغربي تحت السيادة المغربية، وهو الحكم الذاتي، بالإضافة إلى دلالة أخرى تتمثل في أن المملكة المغربية “بلد مستقر في محيط مكهرب ومضطرب”، مضيفا أن شراكة المغرب مع الاتحاد الأوروبي انتقلت من “العادية” إلى “المتقدمة”، ثم إلى “الاستراتيجية المتعددة الأبعاد”.

وعلى مستوى مستقبل الشراكة مع الاتحاد الأوروبي، يضيف المتحدث، فهذا الموقف “أنهى التكهنات والتأويلات المحتملة والدلالات الظنية؛ فالشراكات الاقتصادية، سواء الثنائية أو مع الاتحاد الأوروبي، ستشمل كافة التراب المغربي، لأن السيادة واحدة ولا تقبل التجزئة ولا تتقادم”.

“وبالتالي سينعكس إيجابا على الشراكة، وستكون شراكة مريحة، وحتى المؤسسات الأخرى التابعة للاتحاد الأوروبي (قضائية، سياسية، قانونية، اقتصادية) ستأخذ هذا المنحى وهذا الأثر”، يضيف الأستاذ الجامعي في العلاقات الدولية، عبد النبي صبري، في حديثه لـ”العمق”.

نقطة تحول مفصلية

من جهته، اعتبر أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية بالمعهد الجامعي للدراسات الإفريقية، رئيس مركز إشعاع للدراسات الاستراتيجية والأمنية وتحليل الأزمات، محمد الكيحل، أن الموقف الأوروبي يعكس “عمق ومتانة العلاقات الاقتصادية والتجارية القائمة بين الطرفين”.

وأضاف الكيحل، الذي يرأس مركز إشعاع للدراسات الاستراتيجية والأمنية وتحليل الأزمات، أن الشراكة المغربية الأوروبية طالما ظلت شراكة نموذجية منذ تأسيسها في منتصف الثمانينيات من القرن المنصرم، وظلت مستمرة وصامدة في وجه التحولات السياسية الداخلية لكلا الطرفين، والمتغيرات والتحولات الإقليمية والدولية الطارئة.

كما يجد هذا الموقف تفسيره، بحسب الكيحل، في العلاقات التاريخية بين المغرب والاتحاد الأوروبي، المحكومة بالجوار الجغرافي ومنطق تقاسم القيم والمبادئ الديمقراطية والمصالح الاقتصادية المشتركة، وكذا التنسيق الدائم لمواجهة التحديات المحدقة بالمنطقة، وفي مقدمتها قضايا الهجرة والأمن والجرائم العابرة للحدود، كالتجارة غير النظامية بمختلف أنواعها، والتصدي للإرهاب والحركات المتطرفة والانفصالية المتنامية بمنطقة الساحل والصحراء الكبرى المحاذية للمنطقة المغاربية.

وعلى المستوى القانوني والسياسي، يشكل الموقف الجديد للاتحاد الأوروبي “تحولا مهما له مزايا سياسية ودبلوماسية في غاية الأهمية”، بحسب محمد الكيحل، “فطالما ظلت العلاقات الأوروبية المغربية تعرف فتورا من حين لآخر، نتيجة للمواقف المتذبذبة لهياكل ومؤسسات الاتحاد الأوروبي التي ظلت تتخذ موقفا سياسيا لا يعكس متانة العلاقات الاقتصادية بين الطرفين”.

ومن شأن الموقف الجديد للاتحاد الأوروبي، يقول المتحدث، أن يشكل نقطة تحول مفصلية في مسار العلاقات السياسية والدبلوماسية مع المملكة المغربية، حتى ترقى إلى مستوى العلاقات الاقتصادية والتجارية الممتازة التي ظلت تجمع الطرفين، “بل إن من شأن هذا الموقف أن ينهي الجدل القانوني الذي ظل يطرح بشأن تطبيق بنود الاتفاقية التجارية الموقعة بينهما على منطقة الصحراء المغربية”.

وتوقع الخبير في العلاقات الدولية أن يساهم هذا الموقف في تدفق الاستثمارات الأوروبية في الأقاليم الجنوبية للمملكة، خاصة وأن هناك العديد من الاتفاقيات الاقتصادية الثنائية التي تجمع المملكة بكل بلد على حدة من بلدان الاتحاد الأوروبي، و”هو ما من شأنه أن يدعم مستقبل الشراكة الاستراتيجية بين الطرفين، والتي ظلت قوية من الناحية الاقتصادية، ولكنها هشة من الناحية السياسية”.

مسار التسوية

كما توقع الكيحل أن يكون لهذا الموقف الجديد للاتحاد الأوروبي تأثير إيجابي على مسار التسوية الأممية لقضية الصحراء، باعتباره توجها لا يمكن فصله عن المكتسبات القانونية والسياسية والدبلوماسية التي كرسها القرار الأممي الأخير حول الصحراء، “فهذا الاعتراف سيمنح المملكة زخما سياسيا ودبلوماسيا في غاية الأهمية، بلادنا في أمس الحاجة إليه”.

واسترسل: “خاصة وأنه جاء في سياق تنزيل الحكم الذاتي بالأقاليم الجنوبية، تنزيلا وتفعيلا لمقتضيات القرار رقم 2797، الذي كرس الحكم الذاتي كإطار وأرضية وحيدة للتفاوض بين الأطراف المتنازعة، لإنهاء هذا النزاع المفتعل، الذي هو من مخلفات الحقبة الاستعمارية والحرب الباردة، وعمر نصف قرن من الزمن”.

وخلص إلى أن الاتحاد الأوروبي قد يكون قد فهم بأن منطق الابتزاز السياسي قد ولى، في ظل المكتسبات السياسية والدبلوماسية التي راكمها المغرب في ملف وحدته الترابية، خاصة بعد الاعتراف الأمريكي، وفي ظل تحول المملكة إلى قوة اقتصادية فاعلة ومؤثرة في محيطها الجهوي والقاري، خاصة في ظل المشاريع التي أطلقها الملك محمد السادس، وفي مقدمتها المبادرة الأطلسية ومبادرة ولوج دول الساحل إلى المحيط الأطلسي، وهو ما منح المغرب موقعا هاما في المعادلات الجيواقتصادية والجيوسياسية قيد التشكل بالمنطقة.

أما عبد النبي صبري، فاعتبر أن تسوية ملف الصحراء المغربية الآن على طاولة الأمم المتحدة، مؤكدا أن مفاوضات الأطراف لن يخرج سقفها عن الحكم الذاتي، معتبرا أنه لا مفر للأطراف الأخرى من القبول بذلك، لأن “المشكلة اليوم لم تعد بين المغرب والخصوم، المشكلة انتقلت الآن بين الخصوم ومنظمة الأمم المتحدة ومجلس الأمن”.

وأشار إلى عدد من التطورات المتسارعة، قائلا: “لاحظنا كيف أن ممثل البوليساريو أكد، في تصريح لقناة أوروبية، أن قبول الحكم الذاتي يعني أن المغرب سيطالب بأجزاء أخرى (الصحراء الشرقية ومناطق أخرى من الجزائر)، وهذا يؤكد بشكل ملموس على أن البوليساريو مجرد بوق، وطريقة لمحاولة حصول الجزائر على منفذ على المحيط الأطلسي، أو على الأقل لاستدامة هذا النزاع حتى لا يطالب المغرب بمساحات أخرى”.

العمق المصدر: العمق
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا