هبة بريس – ياسين الضميري
لم يكن اجتماع العمل الذي ترأسه الملك محمد السادس حول مشروع ميناء الناظور غرب المتوسط حدثا تقنيا معزولا، بل لحظة سياسية واقتصادية بامتياز، تؤكد مرة أخرى أن المغرب ماض بثبات في خيار البناء الهادئ والاشتغال بعيد المدى، مهما ارتفعت أصوات التشويش من هنا أو هناك.
فالميناء الجديد ليس مجرد رصيف بحري أو أرقاما استيعابية، بل تجسيد لرؤية ملكية عميقة ترمي إلى ربط الاقتصاد الوطني بسلاسل القيمة العالمية، وتحويل الموقع الجغرافي للمملكة من معبر تقليدي إلى عقدة استراتيجية في التجارة والطاقة والصناعة.
استثمارات تناهز 51 مليار درهم، منصة صناعية ولوجستية وطاقية، أول محطة للغاز الطبيعي المسال، ومناطق أنشطة تمتد على مئات الهكتارات، كلها مؤشرات على أن المغرب لا يراهن على الشعارات، بل على الوقائع الملموسة التي تغير حياة الناس وتعيد رسم خرائط النفوذ الاقتصادي.
الأهم من ذلك أن هذا المشروع العملاق يستهدف الشرق المغربي، منطقة ظلت لعقود رهينة التهميش بفعل إغلاق الحدود وعداء غير مبرر، ليعلن بوضوح أن الدولة المغربية قررت تحويل الهامش إلى قلب نابض، والحدود المغلقة إلى بوابة ازدهار.
في الجهة المقابلة، وبعد ساعات فقط من إعلان الديوان الملكي عن هذا الورش الاستراتيجي، خرجت وزارة الدفاع الجزائرية ببلاغ تعلن فيه مقتل ثلاثة مواطنين مغاربة، ووصفتهم بمهربين مسلحين، في حادث يثير أكثر من علامة استفهام، ليس فقط حول التوقيت، بل حول الخلفيات والدلالات.
التزامن الزمني بين الحدثين لا يمكن أن يكون بريئا، فحين ينجح المغرب في إطلاق مشروع سيغير موازين التنمية بالمنطقة الحدودية، ويكشف الفارق الشاسع بين نموذج يبني ونموذج يبدد، يصبح منطق الانتقام الأعمى لغة مألوفة لدى نظام لا يجيد سوى الهروب إلى الأمام.
بيان العسكر الجزائري، بصياغته الجافة وتبريراته الجاهزة، يعكس عقيدة أمنية ترى في الإنسان رقما زائدا، وفي الحدود مسرحا للاستعراض، بدل أن تكون مجالا للتكامل والتعاون كما هو حال الدول العاقلة.
المؤلم في الأمر أن الضحايا، كيفما كانت ملابسات الحادث، يظلون مغاربة عزل وجدوا أنفسهم في منطقة ملغومة بسياسات التوتر، ضحايا انسداد أفق صنعه حكام قصر المرادية بعنادهم ورفضهم لأي منطق حسن جوار.
بينما يختار المغرب الاستثمار في الموانئ والطرق والطاقة وفرص الشغل، تختار الجزائر الاستثمار في المتاريس والخطابات العدائية، والبحث الدائم عن عدو خارجي لتبرير فشل داخلي مزمن.
مشروع ميناء الناظور غرب المتوسط سيخلق واقعا جديدا على الأرض، حيث ستتحول المناطق الحدودية الشرقية إلى فضاء جذب اقتصادي، ومركز لوجستي وصناعي، يوفر الأمل للشباب ويكسر منطق التهريب واليأس.
وهذا بالضبط ما يرعب كابرانات العسكر، لأن المقارنة ستكون قاسية بين جنة مغربية تبنى بالصبر والتخطيط، و قبالتها بأمتار جهنم جزائرية قاحلة صنعها الفساد وسوء التدبير، بين دولة تراهن على المستقبل، ونظام عالق في عقد الماضي.
الرد الحقيقي على هذه الاستفزازات لا يكون بالانجرار إلى نفس المنطق، بل بمزيد من العمل والإنجاز، وهو ما يجيده المغرب منذ سنوات، تحت قيادة ملك جعل من التنمية خط الدفاع الأول عن السيادة والاستقرار.
التاريخ يعلمنا أن الموانئ لا تبنى فقط لاستقبال السفن، بل لإرساء معادلات جديدة في القوة والازدهار، وميناء الناظور سيكون شاهدا على أن من يزرع التنمية يحصد الاحترام، ومن يزرع الحقد يحصد العزلة.
إن مقتل مواطنين مغاربة في هذا السياق المؤلم يفرض على الرأي العام أن يقرأ الأحداث بعمق، لا بعاطفة عابرة، وأن يدرك أن الصراع الحقيقي اليوم هو بين مشروع دولة ومزاج ثكنة.
وفي النهاية، سيبقى المغرب متمسكا بخيار البناء، غير معني باستفزازات من لا يحتمل رؤية جار يتقدم، لأن عجلة التنمية حين تنطلق لا توقفها بيانات عسكرية، ولا يثنيها حقد نظام اختار العزلة بدل الشراكة.
في المحصلة، يواصل المغرب شق طريقه بثبات كجنة حقيقية للتنمية، لا بالخطابات ولا بالأوهام، بل بمشاريع ملكية كبرى ورؤى استراتيجية بعيدة المدى، تجعل من كل ورش لبنة في بناء دولة حديثة تعرف ماذا تريد وأين تتجه، من الموانئ إلى الطاقات، ومن البنيات التحتية إلى الرأسمال البشري، تتجسد رؤية دولة اختارت العمل الصامت بدل الضجيج العقيم، وربطت التنمية بالسيادة والاستقرار والعدالة المجالية.
هذا النموذج المغربي، القائم على الاستباق والتخطيط ووضوح الأهداف، يفرز واقعا جديدا في المنطقة، واقع تقاس فيه قوة الدول بقدرتها على خلق الفرص لا على صناعة الأعداء، وعلى ضمان الكرامة لمواطنيها لا على تخديرهم بالشعارات، إنها سياسة تنموية تجعل من الجغرافيا رافعة، ومن الزمن حليفا، ومن الثقة في المؤسسات أساسا للاستمرار.
في الجهة الأخرى، تمتلك الجزائر ثروات هائلة من الغاز والبترول، كان يفترض أن تجعلها نموذجا تنمويا قاريا، غير أن السلطة اختارت مسارا آخر، مسار الإيهام وتسويق الوعود الكبرى، غار جبيلات قدم للشعب الجزائري على أنه بوابة العيش كالقطري والإماراتي والسعودي والأمريكي، لكن الواقع ظل أسير الانتظار، حيث لم يلمس المواطن سوى مزيد من الخيبات وتأجيل الأحلام.
بدل الانكباب على بناء اقتصاد منتج وتنمية شاملة، وجهت البوصلة نحو الخارج، وجعل من المغرب هاجسا دائما، فصاروا يفرحون بهزيمة منتخب مغربي ويحزنون لرؤية طريق يشق، أو ميناء ينجز، أو مشروع ملكي يرى النور، وكأن نجاح الجار صار مصدر إزعاج أكثر من كونه فرصة للتكامل والتعاون وبناء فضاء إقليمي قوي.
وهكذا، بينما القافلة المغربية تسير بثقة نحو المستقبل، يعلو صوت النباح و النواح وراء الحدود، ضجيج لا يوقف مسارا ولا يعطل قدرا، فالتاريخ لا يرحم من اختار العداء بدل التنمية، ولا يكافئ من عادى النجاح بدل أن يصنعه، والمغرب ماض في طريقه، لأن من يبني لا يلتفت، ومن يؤمن برؤيته لا ينشغل بالحساد.
المصدر:
هبة بريس