آخر الأخبار

خطبة الجمعة هذا اليوم.. منهج النبي عليه الصلاة والسلام في أداء أمانة القرآن

شارك

هبة بريس – الدار البيضاء

عممت وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية خطبة الجمعة لنهار اليوم على مختلف خطباء المساجد في المملكة، و هي الخطبة التي اختير لها موضوع منهج النبي صلى الله عليه و سلم في أداء أمانة القرآن، و جاءت كالتالي:

الخطبة الأولى

الحمد لله الذي خلق الإنسانَ، وعلمه البيان، وأنزل من كتبهِ ما أبان له الطريق إلى الجنان، نحمده تعالى على أن هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، ونشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، ونشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله، وحبيبه من خلقه وخليله، صلى الله وسلم عليه وعلى آله الطيبين الأطهار، وصحابته الغُرِّ الميامينِ الأخيار، وعلى التابعين لهم بإحسانٍ ما تتابع الليل والنهارُ.

أما بعد؛ أيها الإخوة والأخوات في الإيمانِ، فيقول البارئ جل وعلا في محكم تنزيله:

﴿يَٰٓأَيُّهَا اَ۬لنَّاسُ قَدْ جَآءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَآءٌ لِّمَا فِے اِ۬لصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِّلْمُومِنِينَ﴾[1].

عباد الله؛ في إطار “خُطَّةِ تَسْدِيدِ التَّبلِيغِ” وطِبقًا لِتوجيهاتِ “الرِّسَالَةِ المَلَكِيَّةِ السَّامِيَةِ” الدَّاعيةِ إلى العنايةِ بأمانات الرسول صلى الله عليه وسلم، المذكورة في قوله سبحانه:

﴿هُوَ اَ۬لذِے بَعَثَ فِے اِ۬لُامِّيِّـۧنَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمُۥٓ ءَايَٰتِهِۦ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ ا۬لْكِتَٰبَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِے ضَلَٰلٍ مُّبِينٍ﴾[2]،

تَأْتِي هذه الخُطبة للحديث عن منهج النبي صلى الله عليه وسلم، في أداء هذه الأمانات؟ وكيف تَلَقَّاهَا عنه الصحابةُ الكرام رضوان الله عليهم؟ وذلك من أجل الاقتداء والاهتداء بهم في الجَمْعِ بين العلم والعمل، بَدْءًا بأُولى هذه الأماناتِ كتاب الله تعالى “القرآن الكريم”.

ومن المعلوم أن القرآن الكريم بدأ يَتَنَزَّلُ على رسول الله صلى الله عليه وسلم، شيئا فشيئا، والحكمة من ذلك أن يكون الصحابة قادرينَ على استيعابهِ والعمل به، يقول الله تعالى:

﴿وَقُرْءَاناً فَرَقْنَٰهُ لِتَقْرَأَهُۥ عَلَى اَ۬لنَّاسِ عَلَىٰ مُكْثٍ وَنَزَّلْنَٰهُ تَنزِيلاً﴾[3].

كما ضَمنَ الله تعالى حِفْظَهُ وبَيَانَهُ للرسول صلى الله عليه وسلم، فقال جل جلاله:

﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِۦ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِۦٓ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُۥ وَقُرْءَانَهُۥ فَإِذَا قَرَأْنَٰهُ فَاتَّبِعْ قُرْءَانَهُۥ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُۥ﴾[4].

روى البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم، كان يُعَالِجُ (أي يُعَاني) مِنَ التَّنزِيلِ شِدَّةً، مخافةَ ضياعِ القرآن منه، فأنزل الله تعالى هذه الآية، ومعنى

﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُۥ﴾

أي؛ جمعه لك في صدرك وتقرأه، ومعنى

﴿فَاتَّبِعْ قُرْءَانَهُۥ﴾

أي؛ فاستمع له وأنصت، فكان النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك يستمع لجبريل عليه السلام، بإنصات المتلقِّي، وخُشوع المتعبِّدِ، حتى يفرغ من التلاوة، فيقرأه النبي صلى الله عليه وسلم، كأنما نقش في صدره نقشا[5]، ثم يدعو أحد كتاب الوحي وهم كثر يقاربون الأربعين، فيمليه عليهم فيكتبوه.

ثم بعد ذلك تكون هذه الآيات النَّازِلَةُ مَوْضِعَ نشرٍ وتطبيقٍ وعملٍ، فما تَنْزِلُ عليه آياتٌ أُخر إلا وقد بَادَرَ الجميع إلى العمل بما نزل، فجمعوا بين العلم والعمل، والحفظ والفهم، والتِّلاوة والتزكية..

ويُجسدُ هذا المنهجَ الصحابيُّ الجليل عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: إذ يقول «لقد عشنا دهراً طويلاً وأحدنا يؤتى الإيمان قبل القرآن، فتنزل السورة على محمد صلى الله عليه وسلم، فيتعلم حلالها وحرامها وآمرها وزاجرها وما ينبغي أن يقف عنده منها. ثم لقد رأيت رجالاً يؤتى أحدهم القرآن قبل الإيمان، فيقرأ ما بين فاتحة الكتاب إلى خاتمته، لا يدري ما آمرُه ولا زاجرُه، ولا ما ينبغي أن يقف عنده منه، وإنما ينثره نثر الدَّقْلِ»[6]. أي؛ يرميه كما تُرمَى الثمرة الرديئة.

فهذا الصحابي الجليل، يحكي حالهم مع القرآن؛ وأنهم يؤتون الإيمان قبل القرآن، يعني أنهم آمنوا بربهم وخضعوا لأمره ونهيه، وتحرروا من أهوائهم، فكانوا على استعداد تام لتلقي الوحي والعمل به، آية آية، وسورة سورة. ويشكو عبد الله بن عمر رضي الله عنه من قوم في آخر عمره، وقد توفي سنة ثلاث وسبعين من الهجرة، أنهم يؤتون القرآن قبل رسوخ الإيمان في قلوبهم، فيحفظون القرآن كله، ولكنهم لا يتعلمون حلاله ولا حرامه، ولا يقفون عند أوامره ونواهيه.

وهكذا عباد الله؛ يبين سيدنا عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، أن العبرة بالعمل والتطبيق، لا بمجرد حفظ للآيات وتِرْدَادِهَا على اللسان. علما بأن للحفظ والتلاوة فضلا عظيما وثوابا كريما.

بارك الله لي ولكم في القرآن الكريم، ووفقنا للعمل بما فيه من الآيات والبينات والذكر الحكيم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

عباد الله؛ هكذا عاش النبي صلى الله عليه وسلم وصحابتُه الكرامُ مع القرآن وتعاملوا معه تِلاوة وتدبرًا وعملاً ونشرًا، وهم في غاية السعادة والإحساسِ بالعنايةِ القرآنية بهم، منتظرين تَنَزُّلاَتِهِ في سائر أحوالهم، فرحين بما يأتي به من حلولٍ لمشاكلهم، وفتاوى لأسئلتهم، وتقويم لسلوكهم، طوال ثلاث وعشرين سنة من التنزيل، فلما نزل قوله تعالى في موقف عرفاتٍ:

﴿اِ۬لْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِے وَرَضِيتُ لَكُمُ ا۬لِاسْلَٰمَ دِيناً﴾[7]،

بكى جَمْعٌ من الصحابة الكرامِ، فقيل لهم: لما تبكون وقد أتم الله علينا نعمته؟ قالوا نبكي لانقطاع خبر السماء.

عباد الله؛ إذا كان القرآن الكريم تاما من حيث النزولُ، فإنه حبل الله الممدودُ ما بين السماء والأرض إلى يوم الدين، وهو الهدى والنور المبين، والشفاء لما في الصدور، من عمل به نجا، ومن دعا إليه هُدي إلى صراط مستقيم، ولا تزال الأمة بخيرٍ ما استمسكت به، وإن بلادنا والحمد لله بلادُ الدين والقرآن، حافظةٌ للقرآن محفوظةٌ به، وقد دعا مولانا أمير المؤمنينَ حفظه الله إلى مزيدٍ من العناية بهذه المَكْرُمَةِ والمنقبة، اقتداء بالآباء والأجداد، وامتدادا للخير من خير سلف إلى خير خلف.

هذا، وصلوا وسلموا على مَنْ نزل القرآن على قلبه ليكون للعالمين بشيرا ونذيرا، المبعوث رحمة وسراجا منيرا، سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، فاللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد، كلما ذكرك وذكره الذاكرون، وغفل عن ذكرك وذكره الغافلون، وارض اللهم عن الخلفاء الراشدين الجامعين للقرآن حفظا وعملا، والحافظين لحروفه صحفا ومصحفا، أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن باقي الصحابة من المهاجرين والأنصار، وعن التابعين لهم في القول والعمل إلى يوم الدين.

وانصر اللهم من وليته أمر عبادك، واخترته للعناية بكتابك وسنة نبيك، وجعلته من الشاكرين لنعمك وآلائك، مولانا أمير المؤمنين صاحب الجلالة الملك محمدا السادس، نصرا عزيزا تعز به دينك، وترفع به راية أوليائك من عبادك، اللهم بارك له في الصحة والعافية وأرِه من وطنه وشعبه ما يسره وتَقَّرُّ به عينه، وأقر عين جلالته بولي عهده المحبوب صاحب السمو الملكي، الأمير الجليل مولاي الحسن، مشدود الأزر بصنوه السعيد، الأمير الجليل مولاي رشيد، وبباقي أفراد الأسرة الملكية الشريفة، إنك سميع مجيب.

وتغمد اللهم بواسع رحمتك، وعظيم فضلك وجودك الملكين الجليلين مولانا محمدا الخامس، ومولانا الحسن الثاني، اللهم طيب ثراهما، وأكرم مثواهما، واجعلهما في مقعد صدق عندك.

اللهم إنا نسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا، ونور صدورنا وشفاء قلوبنا، وجلاء أحزاننا، وذهاب همومنا وغمومنا، يا رب العالمين.

اللهم ارحمنا برحمة القرآن، واهدنا بهداية القرآن، ونور قلوبنا بنور القرآن، وأدخلنا الجنة بشفاعة القرآن، وارحم به موتانا وموتى المسلمين، وداو به مرضانا ومرضى المسلمين.

ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشدا.

ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.

هبة بريس المصدر: هبة بريس
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا