عبد الحكيم العياط
لم يعد الحديث عن إصلاح المنظومة الصحية في المغرب نقاش تقني معزول، بل تحول إلى سؤال وجودي يمس جوهر الحق في العلاج ويضع الدولة أمام اختبار حقيقي لقدرتها على حماية أحد أكثر القطاعات حساسية. فبين شعارات “التغطية الصحية الشاملة” وواقع المستشفيات العمومية، يتمدد نزيف صامت لكنه خطير: هجرة الأطباء والممرضين.
تشير المعطيات المتداولة داخل المؤسسات الرسمية نفسها إلى أن ما بين 600 و700 طبيب مغربي و مئات الممرضين يغادرون البلاد سنويا ، في وقت يعاني فيه المغرب أصلا من خصاص بنيوي في الموارد البشرية الصحية. هذه الهجرة لا تمثل مجرد أرقام في تقارير بل تعني عمليا عشرات المراكز الصحية بدون أطباء مستشفيات بلا اختصاصيين، وأقاليم كاملة بلا أطباء إنعاش ومواطنين يتركون لمصير الانتظار أو السفر أو الاستدانة للعلاج.
المفارقة الصادمة أن المغرب يكون أطباءه بكلفة عمومية مرتفعة، ثم يعجز عن الاحتفاظ بهم داخل منظومته الصحية. سنوات طويلة من التكوين، تمولها الدولة من المال العام، تنتهي غالبا بعقود عمل خارج الحدود، وكأن النظام الصحي أصبح محطة عبور لا أكثر.
عجز هيكلي لا أزمة عابرة
وفق المعايير الدولية، يحتاج المغرب إلى ضعف عدد أطبائه الحاليين على الأقل للاقتراب من المعدلات الدنيا الموصى بها. اليوم، لا يتجاوز المعدل الوطني حوالي 7 إلى 8 أطباء لكل 10 آلاف نسمة مع تفاوت مجالي صارخ: تركّز شبه كلي في المدن الكبرى مقابل فراغ طبي شبه تام في مناطق واسعة من البلاد.
هذا العجز لا يقتصر على الكمّ، بل يمتد إلى النوع. التخصصات الحيوية، مثل الإنعاش والتخدير، طب الطوارئ والطب النفسي أصبحت نادرة داخل القطاع العمومي. ومع كل طبيب يغادر تتقلص قدرة المستشفى العمومي على أداء وظيفته الأساسية ويتحول من فضاء للعلاج إلى فضاء لإدارة الخصاص.
لماذا يهاجر الأطباء والممرضين؟
الهجرة هنا ليست نزوة فردية ولا “خيانة مهنية” كما يحلو للبعض تصويرها، بل نتيجة منطقية لسلسلة من الاختلالات المتراكمة:
أولا، الضغط المهني الخانق. طبيب واحد أو ممرض واحد قد يجد نفسه مسؤولا عن عشرات المرضى يوميا، في ظروف تفتقر أحيانا لأبسط التجهيزات مع تحميله مسؤوليات طبية وقانونية جسيمة.
ثانيا، ضعف التحفيز المادي والمهني. الأجور في القطاع العمومي لا تعكس حجم المسؤولية ولا سنوات التكوين ولا تواكب غلاء المعيشة، في مقابل عروض خارجية مغرية توفر الاستقرار والاعتراف المهني.
ثالثا، غياب أفق مهني واضح. مسارات الترقي، البحث العلمي، والتخصص الدقيق تبقى محدودة داخل المستشفى العمومي، ما يدفع الطبيب للبحث عن بيئة تُثمّن كفاءته بدل استنزافها.
رابعا، ارتباك السياسات العمومية. بدل معالجة جذور الأزمة، تم اللجوء أحيانا إلى حلول ترقيعية، من قبيل تقليص مدة التكوين أو تغيير أنماط الدراسة، وهي اختيارات زادت من الاحتقان داخل الجسم الطبي دون أن توقف النزيف.
عندما ينهار العمومي… يزدهر الخاص
أحد أخطر تداعيات هجرة الأطباء هو تعميق الفوارق الاجتماعية في الولوج للعلاج. فكل ضعف في المستشفى العمومي يقابله توسع في القطاع الخاص، حيث تتحول الصحة إلى خدمة مرتبطة بالقدرة على الدفع. وهنا، لا يصبح الحق في العلاج مضمون دستوريا بل امتياز طبقي.
الأخطر من ذلك أن الدولة تجد نفسها مضطرة بشكل غير مباشر إلى شراء خدمات طبية من القطاع الخاص أو التعاقد مع أطباء بتكلفة أعلى، بعدما فشلت في الحفاظ عليهم داخل القطاع العمومي بشروط عادلة.
كيف تحوّل الخصاص إلى فرصة استثمارية
في موازاة هذا التراجع المتسارع للقطاع الصحي العمومي عرف المغرب ازدهار لافت وسريع للمؤسسات الصحية الخاصة ليس فقط داخل التراب الوطني، بل حتى خارجه. خلال السنوات الأخيرة، انتقلت مجموعات صحية مغربية كبرى من مجرد عيادات محلية إلى شبكات من المصحات المتعددة التخصصات، مستفيدة من فراغ واضح تركه ضعف المستشفى العمومي. هذا التوسع لم يقتصر على المدن الكبرى بل امتد ليشمل مدن متوسطة وصغيرة حيث أصبحت المصحات الخاصة تحل عمليا محل المرفق العمومي في عدد من الخدمات الحيوية.
الأكثر دلالة أن بعض هذه المجموعات الصحية شرعت في التوسع خارج المملكة المغربية خاصة في بلدان إفريقية وعربية، مُصدّرة نموذج صحي تجاري يعتمد على نفس الكفاءات الصحية التي عجز القطاع العمومي عن الاحتفاظ بها. وهنا تبرز مفارقة صارخة: أطباء وممرضين تم تكوينهم في الجامعات والمعاهد والمستشفيات العمومية المغربية، وبتمويل عمومي يجدون أنفسهم إما داخل قطاع خاص محلي مرتفع الكلفة أو خارج الحدود، في حين يظل المواطن البسيط داخل المغرب أسير خصاص مزمن في الخدمات الصحية العمومية.
هل من مخرج؟
إيقاف نزيف الأطباء والممرضين لا يحتاج إلى شعارات جديدة، بل إلى قرار سياسي واضح يعتبر الموارد البشرية الصحية استثمار استراتيجي لا عجز مالي. المطلوب اليوم ليس فقط تحسين الأجور، بل إعادة الاعتبار للمستشفى العمومي كفضاء مهني محترم، مجهز، وآمن.
كما أن أي إصلاح حقيقي يجب أن يمر عبر:تحسين جذري لظروف العمل داخل المستشفيات ،تحفيز خاص للعمل في المناطق النائية، إشراك الأطباء في صياغة الإصلاح بدل فرضه من فوق ،ربط إصلاح التكوين بإصلاح بيئة الممارسة لا العكس.
الخلاصة
نزيف الأطباء ليس مشكلة قطاعية بل مؤشر بالغ الخطورة على اختلال العلاقة بين الدولة وكفاءاتها. وحين يختار الطبيب والممرض الهجرة، فهو لا يغادر المستشفى فقط بل يغادر عقد اجتماعي لم يعد يشعر أنه منصف أو قابل للاستمرار.
إن استمرار هذا النزيف يعني شيئا واحدا : أن أزمة الصحة في المغرب لن تكون مستقبلية… بل هي قائمة بالفعل، وتدفع ثمنها يوميا فئات لا تملك خيار الهجرة ولا القدرة على العلاج في القطاع الخاص.
المصدر:
هبة بريس