سينما الثروات ليست شاشة تُعرض عليها الرفاهية، فهي مرآة قاسية تعكس جوع الروح خلف وفرة المال. هناك، حيث تلمع القصور وتُخفي الجدران السميكة ارتجاف القلوب، تَولَد أسئلة تحبس الأنفاس قبل أن تجد لها إجابات شافية. وماذا يبقى من الإنسان حين يمتلك كل شيء ويخسر نفسه؟ وهل المال خلاص أم قيد ذهبي يلتف ببطء حول الضمير؟ ولماذا يبدو الصعود دائمًا أسرع من السقوط، فيما يكون الثمن دائمًا إنسانيًا؟ في هذا النوع من السينما، لا تُقاس الثروة بالأرقام، وإنما بالخسارات غير المرئية، بالحب المؤجل، وبالكرامة التي تُقايَض تحت ضوء الثريات.
وتضعنا سينما الثروات أمام اختبار أخلاقي مفتوح، حيث يصبح النجاح ساحة صراع، والترف قناعًا، والسلطة امتحانًا قاسيًا للنفس. وكأنها تهمس بما قاله غوردون غيكو: “الجشع، لغياب كلمة أفضل، أمرٌ جيد” في فيلم “Wall Street” (1987) من إخراج أوليفر ستون. وهي عبارة لا تُقال لتُصدَّق، بل لتُدان، وتظلّ معلّقة في الذاكرة كجرس إنذار لا يتوقف عن الرنين.
يتأكد عمق سينما الثروات حين نعود إلى تاريخ تطور السينما ونقرأ مسارها عبر الأفلام التي جعلت من المال والنفط والذهب والفضة… محركًا دراميًا وفلسفيًا. ويتكشف هذا المسار منذ البدايات الأولى، حيث ظهرت الثروة بوصفها حلماً وخديعة في آن واحد. ويتجلى ذلك مبكرًا في فيلم “حمّى الذهب” لتشارلي تشابلن، حين يتحول البحث عن المعدن النفيس إلى مأساة هزلية، ويقول المتشرد في لحظة سخرية جارحة: “كنا نظن أننا سنأكل الذهب، فاكتشفنا أنه يأكلنا”. وتؤسس هذه العبارة المبكرة وعياً سينمائياً يرى في الثروة قوة ساخرة لا رحيمة.
ويتعمق هذا الوعي في السينما الكلاسيكية الأميركية مع أفلام الغرب، حيث يرتبط الذهب بالأرض والعنف، كما في فيلم “كنز سييرا مادري” للمخرج جون هيوستن، الذي يحوّل الطمع إلى مرض نفسي، ويجعل الشخصيات تنقلب على بعضها بعضًا. ويُختصر منطق الفيلم في جملة لا تُنسى: “الذهب لا يلمع في العيون فقط، بل يعميها”. وتكشف هذه السينما أن الثروة لا تُخرج أسوأ ما في الإنسان صدفة، وإنما تضخم ما كان كامنًا فيه.
وينتقل الخطاب في خمسينيات وستينيات القرن العشرين إلى مقاربة أكثر سياسية، حيث تظهر الثروة بوصفها بنية سلطة. ويبرز ذلك في فيلم “المواطن كين” لأورسون ويلز، الذي يجعل من المال والإعلام وجهين لعملة واحدة. ويقف كين في قصره الفارغ قائلاً: “كنت أملك كل شيء، لكنني لم أكن أملك نفسي”. وتتحول هذه العبارة إلى مرثية مبكرة لرأسمالية تصنع العظمة ثم تبتلع صاحبها.
ويتخذ النفط مكانته المركزية في سينما السبعينيات مع تصاعد الوعي بالصراعات الجيوسياسية، ويبلغ ذروته السينمائية في فيلم “سيكون هناك دم” لبول توماس أندرسون. ويُقدَّم النفط هنا بوصفه مادة سوداء تلوّث الروح قبل الأرض، ويقول دانيال بلاينفيو في اعتراف مرعب: “لديّ منافسة في داخلي، أريد أن أفوز وحدي”. وتُكثف هذه العبارة جوهر سينما الثروات الحديثة، حيث لا يعود الصراع على المال فقط، بل على محو الآخر.
يتواصل هذا المسار في سينما المال الخالص مع أفلام وول ستريت، حيث تتحول الأسواق إلى ساحات حرب ناعمة. ويصرّح غوردون غيكو في «وول ستريت» لأوليفر ستون بجملته الشهيرة: «الجشع، لغياب كلمة أفضل، هو أمر جيد». وتُصبح هذه العبارة بيانًا ايديولوجيًا لمرحلة كاملة، بينما يعيد سكورسيزي تفكيك هذا المنطق في “ذئب وول ستريت”، حين يقول البطل: “المال لا يغيرك، بل يكشفك”. وتنتقل السينما هنا من الإدانة المباشرة إلى التشريح الداخلي.
تتوسع سينما الثروات عالميًا، فتصور أثر المال في مجتمعات الهامش، كما في “الطفيلي” للمخرج الكوري بونغ جون هو، حيث لا يكون الصراع على الثروة مجرد طموح فردي، فهو بنية اجتماعية خانقة. ويقول أحد الشخصيات بمرارة: “الغني لا يكون طيبًا، بل الطقس الجيد هو الذي يجعله يبدو كذلك”. وتكشف هذه العبارة كيف تُستخدم الثروة لإخفاء اللامساواة لا لمعالجتها.
وتستثمر السينما الأوروبية بدورها هذا الموضوع، كما في “روكو وإخوته” أو “اليد الحمراء”، حيث يُربط المال بتفكك العائلة، ويُقدَّم الصعود الاقتصادي بوصفه خيانة صامتة للجذور. وهنا تُقال عبارة موجعة: “حين صعدنا، تركنا بعضنا في الأسفل”.
وتُعيد سينما الألفية الثالثة طرح سينما الثروات في سياق العولمة، حيث تصبح الثروة غير مرئية، رقمية، بلا وجه. ويظهر ذلك في أفلام مثل “الشبكة الاجتماعية”، حيث لا يُصوَّر المال ماديًا وإنما بوصفه سلطة خفية، ويُقال: «لم أكن أحتاج المال، كنت أحتاج أن أربح». وتتحول الرغبة في الربح إلى رغبة في الهيمنة الرمزية.
وتؤكد هذه النماذج الفيلمية أن سينما الثروات ليست تيارًا عارضًا، فهي خط عميق في تاريخ الفن السابع، يعيد طرح السؤال الأخلاقي نفسه بصيغ متجددة. وتُقنعنا السينما بأن الثروة، مهما اختلف شكلها، تظل اختبارًا قاسيًا للقيم، وأن السينما، عبر هذه الأفلام، لم تتوقف عن تذكيرنا بأن أخطر ما في المال ليس ما يفعله بالعالم، وإنما ما يفعله بالإنسان حين يظن أنه أصبح أقوى من الحاجة إلى المعنى.
تتجلى سينما الثروات بأقصى قوتها في مشاهد جمالية تتحول فيها الثروة من فكرة مجردة إلى صورة لا تُمحى. وتُبنى هذه المشاهد لا على الحوار وحده، وإنما كذلك على التكوين البصري، وعلى لحظة انكشاف يتقاطع فيها الطموح مع السقوط. وتُصبح المشاهد هنا اختزالًا لمسار كامل، حيث نرى في ثوانٍ ما استغرق عمرًا من الجشع أو الحلم أو الخيبة.
وتتأسس التعبيرات الجمالية للمشاهد في هذه السينما مبكرًا في السينما الأميركية مع فيلم “The Gold Rush” / “حمّى الذهب” (1925) من إخراج وبطولة تشارلي تشابلن، في المشهد الشهير الذي يطبخ فيه المتشرد حذاءه ويأكله كأنه وليمة فاخرة. ويحوّل تشابلن الجوع إلى كوميديا سوداء، ويجعل الذهب حلماً يقود إلى الإذلال لا الثراء. وتُختصر المفارقة في قول ساخر يتردد صداه: “ظننا أن الذهب سينقذنا، فاضطررنا لأكل أحذيتنا”.
ويتعمق البعد المأساوي لهذه المشاهد الجمالية في فيلم “The Treasure of the Sierra Madre” / “كنز سييرا مادري” (1948) من إخراج جون هيوستن، حيث يقف الأبطال أمام أكياس الذهب التي تتحول إلى غبار في مهب الريح. وتُصبح هذه النهاية من أكثر المشاهد قسوة في تاريخ السينما الأميركية، لأنها تُفرغ الثروة من معناها في لحظة واحدة. ويقول أحد الشخصيات ضاحكًا بمرارة: “تقاتلنا من أجل التراب، والآن عاد إلى التراب”. وتتحول الضحكة هنا إلى اعتراف فلسفي بانتصار العبث.
وتبلغ هذه المشاهد ذروتها النفسية في “Citizen Kane” / “المواطن كين” (1941) من إخراج وبطولة أورسون ويلز، في المشهد الختامي داخل القصر المليء بالتحف، حيث يُحرق غرض صغير بلا قيمة مادية، لكنه يحمل معنى الذاكرة. ويُصبح مشهد «روزبد» إعلانًا سينمائيًا عن فشل الثروة في شراء الطفولة أو المعنى. ويقول كين في أحد المشاهد السابقة: “المال يشتري الكثير، لكنه لا يعيد الزمن”. وتتحول هذه العبارة إلى مفتاح قراءة كامل للفيلم.
تأخذ سينما النفط بعدًا جماليًا عنيفًا في فيلم “There Will Be Blood” / “سيكون هناك دم” (2007) من إخراج بول توماس أندرسون، في مشهد تدفق النفط الأول الذي يشبه انفجارًا بدائيًا. ويُصوَّر النفط كقوة همجية تخرج من باطن الأرض، بينما يقف دانيال بلاينفيو مدمى لكنه منتصر. ويقول بصوت مبحوح: “هذه أرضي، وأنا استخرج منها ما أريد”. وتتحول اللقطة إلى بيان بصري عن ولادة الرأسمالية من العنف.
وتُعيد سينما المال الحديثة صياغة الجماليات التعبيرية بأسلوب أكثر صخبًا كما في “Wall Street” / “وول ستريت” (1987) من إخراج أوليفر ستون، في مشهد الخطاب الشهير لغوردون غيكو أمام المساهمين. ويُقدَّم الجشع بوصفه فضيلة لا رذيلة، حين يقول: “الجشع، لغياب كلمة أفضل، هو أمر جيد”. وتتحول القاعة إلى مسرح ايديولوجي، ويصبح المشهد وثيقة عن روح الثمانينيات.
وتتخذ المشاهد الجمالية شكلاً احتفاليًا فاسدًا في فيلم “The Wolf of Wall Street” / “ذئب وول ستريت” (2013) للمخرج مارتن سكورسيزي، في مشاهد التبذير الجنوني داخل المكاتب واليخوت. وتُراكم اللقطات الفائضة لتُنتج إحساسًا بالدوار الأخلاقي، ويقول جوردان بلفورت متحديًا: “أرني خطأً واحدًا وأنا أكسب المال”. وتفضح هذه العبارة منطقًا يرى في الربح مبررًا لكل شيء.
وتُظهر هذه المشاهد الجمالية كيف استخدمت السينما الأميركية الثروة بوصفها اختبارًا بصريًا وأخلاقيًا. وتكشف أن المال حين يدخل الكادر لا يبقى محايدًا، فهو يعيد ترتيب العلاقات والفضاءات وحتى الإضاءة. وتُثبت هذه اللقطات أن السينما لا تحتاج إلى خطاب مباشر لإدانة الثروة أو تمجيدها، لأنها تفعل ذلك بالصورة وحدها.
وتُختتم هذه المشاهد الجمالية بالتأكيد على أن أقوى مشاهد سينما الثروات ليست تلك التي تُظهر المال مكدسًا، وإنما تلك التي تُظهر ما يتبقى بعده. وتُقنعنا بأن السينما الأميركية، عبر تاريخها، لم تتوقف عن طرح السؤال نفسه بصيغ متجددة: ماذا يبقى من الإنسان حين تصبح الثروة هي البطل الحقيقي؟
يتحوّل البطل في سينما الثروات إلى كائن تُعاد صياغته بقدر ما يُراكم، إذ لا يدخل الثروة كما يدخل مغامرة، وإنما تُعيد الثروة تشكيل ملامحه وأخلاقه ونبرته الداخلية. ويظهر البطل غالبًا بوصفه صانع نفسه، لكنه سرعان ما يكتشف أن ما صنعه بدأ يصنعه بالمقابل. ويتقدم هذا البطل محكومًا بثنائية الطموح والعزلة، حيث يربح العالم ويخسر الانتماء. ويختصر هذا المأزق في لازمة: “لم أعد أعرف إن كنت أملك المال، أم أن المال هو الذي يملك اسمي”.
ويتجسد هذا النموذج بوضوح في فيلم “المواطن كين”، حيث يتحول تشارلز فوستر كين من شاب حالم إلى قطب إعلامي محاط بالفراغ. ويُقدَّم البطل لا بوصفه شريرًا تقليديًا، وإنما بوصفه إنسانًا ابتلعه فائض الإمكان. ويقول في لحظة عابرة: “كنت أريد أن أُسمَع، لا أن أُشترى”. ويكشف هذا الاعتراف عن جوهر البطل في سينما الثروات، بطل يبحث عن الاعتراف عبر الامتلاك.
ويتكرر هذا التحول في فيلم “سيكون هناك دم”، حيث يُبنى دانيال بلاينفيو كبطل مضاد يولد من الأرض القاسية والنفط الأسود. ويُعاد تعريف البطولة هنا بوصفها قدرة على الإقصاء لا على المشاركة. ويصرّح بلاينفيو في عبارة غير مألوفة: “أنا لا أكره الناس، أنا فقط أفضّل ألا أحتاجهم”. وتُحوّل هذه الجملة الثروة إلى أداة قطيعة نفسية مع العالم.
يتحوّل المكان في سينما الثروات من إطار جغرافي إلى خزان دلالي، حيث لا يكون المنجم أو الحقل أو المكتب مجرد موقع، وإنما ذاكرة صراع. ويُصاغ المكان بوصفه جسدًا يُستنزف، سواء كان أرضًا تُحفر، أو مدينة تُستنزف بالصفقات، أو بيتًا فخمًا يبتلع أصحابه. ويُقال في هذا السياق: “الأماكن التي تُخرج الثروة، لا تحتفظ بالطمأنينة”.
ويتجلى هذا البعد في فيلم “كنز سييرا مادري”، حيث تتحول الجبال من فضاء وعد إلى فضاء جنون. ويُصوَّر المكان كقوة امتحان تكشف ما في الداخل، لا كمسرح محايد للأحداث. وفي فيلم “حمّى الذهب”، يتحول الثلج والبرد إلى شرك بصري، يجعل المكان شريكًا في السخرية من الطموح الإنساني.
وتتكشف الأبعاد الاجتماعية لسينما الثروات عبر رصد التفاوت الطبقي، حيث يُبنى الصراع بين من يملكون ومن يعملون، وبين من يحلمون ومن يدفعون الثمن. ويُصوَّر المجتمع كمنظومة تبرر التراكم باسم الاستحقاق. ويبرز هذا النقد في فيلم “وول ستريت”، حيث تتحول البورصة إلى مسرح أخلاقي معكوس. ويقول أحد الشخصيات الثانوية بمرارة: “الأرقام لا تشعر، لذلك نثق بها”.
ويتعمق البعد النفسي في تصوير القلق الملازم للثروة، حيث لا يأتي الثراء بالسكينة بل بالخوف من الفقدان. ويُعاد رسم الداخل النفسي عبر الإدمان على العمل، والأرق، والعلاقات الهشة. ويظهر هذا التوتر بوضوح في فيلم “ذئب وول ستريت”، حيث يصرّح البطل في لحظة انكسار: “لم أكن أخاف السقوط، كنت أخاف التوقف”. وتكشف العبارة أن الحركة الدائمة هي قناع الفراغ.
وتتجلى الرمزية في سينما الثروات من خلال أشياء بسيطة تتحول إلى علامات، كالعقود والحقائب والأبراج والقصور. ويُصبح القصر رمزًا للعزلة كما في قصر كين، ويغدو البرج رمزًا للهيمنة، وتتحول الأرض إلى أمّ مستباحة. ويُعاد تعريف المال بوصفه لغة صامتة تحكم العلاقات دون أن تُنطق.
وتُختتم هذه القراءة بالتأكيد على أن سينما الثروات لا تُدين المال بقدر ما تُدين الوهم الذي يرافقه. وتُقنعنا بأن البطل، مهما بلغ، يظل هشًا أمام سؤال المعنى، وأن المكان، مهما لمع، يحتفظ بآثار العنف الذي بُني به. وتُرسّخ هذه السينما وعيًا نقديًا يرى في الثروة مرآة قاسية، لا تعكس ما نملك فقط، وإنما ما أصبحنا عليه.
لا يبقى المال في سينما الثروات، بطلاً ولا يُدان وحده، وإنما يُعرّى كقوة اختبار تكشف هشاشة الإنسان أمام الإغراء. وهذه السينما لا تُدين الثراء بقدر ما تُحاكم المعنى، وتضعنا أمام سؤال أخلاقي مفتوح: ماذا نفعل حين يصبح الامتلاك بديلاً عن الانتماء؟ وحينما يتحوّل الثراء إلى قلق وجودي، وإلى عزلة مزيّنة بالنجاح. وكأن الشاشة تقول إن الثروة بلا وعي ليست إنجازًا، بقدر ما هي متاهة. ويتردّد صدى ذلك في قول تايلر ديردن: “الأشياء التي نملكها، تمتلكنا في النهاية” في فيلم “Fight Club” / “نادي القتال” (1999)، إخراج ديفيد فينشر، بعبارة لا تُغلق النقاش، وإنما تفتحه على هاوية أعمق من مناجم الذهب.
المصدر:
هسبريس