نبه المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي إلى هزالة خدمات الرعاية العمومية، بحيث لا تتجاوز 4.5 في المائة من مجموعة خدمات الرعاية والمساعدة التي يلجأ لها المغاربة، ودعا إلى ضرورة اعتماد استراتيجية وطني لاقتصاد الرعاية، وإحداث آلية وطنية للحكامة مخصّصة للرعاية، تتولى قيادة وتنسيق وتتبع وتقييم الاستراتيجية الوطنية لاقتصاد الرعاية.
وقال رئيس المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، عبد القادر اعمارة، خلال تقديم مخرجات رأي للمجلس حول موضوع: “اقتصاد الرعاية في المغرب: رهانات الاعتراف القطاعي والتنظيم المؤسساتي”، إن المغرب يواجه اليوم تحولات ديموغرافية واجتماعية عميقة.
ومن هذه التحولات، يقول اعمارة، ارتفاع أمد الحياة عند الولادة ، وتسارع وتيرة شيخوخة الساكنة، وتزايد انتشار الأمراض المزمنة، والمنحى التصاعدي نحو نمط بنية الأسر النووية والأسر المكونة من شخص واحد، وهو ما “يضع ضغوطاً متزايدة على آليات التضامن والرعاية الاجتماعية، ويستدعي إرساء منظومة قادرة على مواكبة هذه التحولات”.
وأضاف المتحدث أن البنيات والخدمات المتوفرة، سواء في القطاع العام أو الخاص، لا تزال غير كافية للاستجابة للاحاجيات المتنامية، بحيث إن عروض الرعاية تظل محدودة، وتعرف تفاوتاً مجالياً كبيراً، كما أن البرامج الموجهة للأطفال، وللأشخاص المسنين، وللنساء، وللأشخاص في وضعية إعاقة، ما تزال في الغالب مجزأة.
وأوصى تقرير المجلس بضرورة اعتماد لاستراتيجية وطنية لاقتصاد الرعاية، منظمة ومندمجة وطموحة، بإمكانها تحويل الرعاية إلى رافعة حقيقية للتنمية البشرية والاجتماعية والاقتصادية، دون أن يعني ذلك التخلي عن التضامن الأسري، الذي يظل ركيزة أساسية من ركائز التماسك الاجتماعي.
كما حث على إحداث آلية وطنية للحكامة مخصّصة للرعاية، وتتولى قيادة وتنسيق وتتبع وتقييم الاستراتيجية الوطنية لاقتصاد الرعاية، وإرساء إطار قانوني موحّد خاص باقتصاد الرعاية، يؤطّر مختلف المقتضيات القانونية القائمة المرتبطة بأعمال الرعاية بالمغرب.
ودعا إلى إدماج اقتصاد الرعاية ضمن الاستراتيجيات القطاعية والترابية، باعتبارها رافعة عرضانية واستراتيجية لتحقيق التنمية البشرية الدامجة، وضمان التنزيل الترابي للاستراتيجية الوطنية للرعاية، عبر تحويل الأهداف الوطنية إلى مخططات عمل تراعي الخصوصيات الجهوية وحاجيات الساكنة.
وطالب بتثمين مهن الرعاية والاعتراف بالمهنيين باعتبارهم القائمين على استدامة هذا القطاع الحيوي، مع ضمان شروط العمل اللائق والحماية الاجتماعية الشاملة لكافة مهنيي الرعاية. والرفع من وتيرة الاستثمار في البنيات التحتية الاجتماعية الأساسية، على غرار دور الحضانة ورعاية الأطفال وغيرها.
كما حث على تشجيع الابتكار التكنولوجي في مجال خدمات الرعاية الاجتماعية، من خلال ملاءمة الأدوات الرقمية (الرعاية الصحية عن بعد، منصات رقمية، أنظمة منزلية ذكية) مع الحاجيات المحلية من أجل تيسير الولوج إلى الخدمات وضمان جودتها وفعاليتها.
وبخصوص خلاصات الاستشارة المواطنة التي أطلقها المجلس في الموضوع على منصته الرقمية “أشارك”، كشفت أن 51 في المائة من المشاركات والمشاركين أفادوا أنهم يلجؤون بانتظام إلى خدمات المساعدة أو الرعاية، و31٪ بشكل عرضي، بينما لم يلجأ إليها 14٪ منهم مطلقاً. هذا الارتفاع يوضح وجود حاجيات متزايدة للدعم والرعاية في الحياة اليومية.
وفيما يتعلق بمَن يقدمون هذه الخدمات، فإن 44 بالمائة المساعدين مهنيون مأجورون، و30 بالمائة من أفراد الأسرة أو الأقارب، و21 بالمائة ينتمون إلى المتطوعين أو الجمعيات، بينما تمثل الخدمات العمومية 4.5بالمائة فقط، و”هذه المعطيات تؤكد الدور المركزي للقطاع الخاص في تقديم الرعاية للآخرين”.
في السياق ذاته تتركز المجالات التي أشار إليها المشاركون والمشاركات في الاستشارة على المساعدة الطبية أو شبه الطبية المنزلية (61%)، والدعم النفسي والعاطفي (38%)، والمساندة في الأعمال المنزلية (22%).
ومن أبرز العقبات التي تواجه المستعملين في الولوج إلى هذه الخدمات، نجد نقص العاملين المؤهلين أو المتوفرين (47%) ، ارتفاع كلفة الخدمات (29%)، ونقص بنيات الرعاية (21%)، يضيف المصدر ذاته.
في السياق ذاته يرى 60 بالمائة من المشاركات والمشاركين أن المساعدين الأسريين، سواء كانوا مهنيين أو من الأقارب، لا يحظون بالاعتراف الكافي، ومن أبرز المقترحات الواردة لتحسين وضعيتهم.
من جانبها، قالت مقررة موضوع الإحالة الذاتية، زهرة الزاوي، إن النواقص التي يعرفها مجال الرعاية بالمغرب تشكل ضغطا على المنظومة الصحية، وتسبب عجزا لمنظومة التغطية الصحية، و”هذا كله يتطلب إعادة نظر وإعادة هيكلة الخدمات الرعاية:
وشددت على أن اقتصاد الرعاية ملازم لوضعية الإنسان، بحيث لا يمكن لأي فرد أن يعيش بدون رعاية الآخر، فـ”الناس المسنين ليسوا في حاجة فقط إلى تغذية وتطبيب، فهم في حاجة كذلك رعاية، لذلك نعتبر أن اقتصاد الرعاية هو اقتصاد الرفاه الذي أصبح حق أساسي للإنسان”.
واعتبرت أن المغرب في حاجة إلى إعادة النظر في كل السياسات العمومية بصفة عامة، والذهاب إلى سياسات تغييرية، إلى سياسات تمنح المساواة، تحاول أن توفر توزيع الثروة بطريقة عادلة وجدية، مشيرة إلى أن هذا الاتجاه هو الذي ذهب في تقرير المجلس.
المصدر:
العمق