آخر الأخبار

رسالة تهدئة وتحذير في آن واحد.. دلالات البلاغ الملكي بعد نهائي “الكان”

شارك

شكّل البلاغ الملكي الصادر بمناسبة اختتام فعاليات كأس أمم إفريقيا لحظة سياسية ودبلوماسية بالغة الدقة، نجح من خلالها المغرب في تطويق تداعيات أحداث المباراة النهائية، وإبقائها في حدودها الانفعالية العابرة، ومنع انزلاقها نحو أزمة دبلوماسية مع السنغال، رغم محاولات أطراف معادية توظيفها لإثارة التوتر والاصطدام بين بلدين تجمعهما علاقات تاريخية واستراتيجية متينة.

ففي سياق إقليمي ودولي تتزايد فيه محاولات تسييس الرياضة وتحويلها إلى أداة صراع، جاء البلاغ الملكي ليعيد ضبط البوصلة، مؤكدا أن المنافسة الرياضية، مهما بلغت حدّتها، لا ينبغي أن تتحول إلى مدخل لتغذية الضغينة أو المساس بروح الأخوة الإفريقية.

الرياضة كقوة ناعمة لا كساحة صراع

في هذا الإطار، أكد إدريس لكريني، خبير في العلاقات الدولية، أن إصرار بعض الأطراف على تحويل كرة القدم من مناسبة للفرجة وترسيخ الروح الرياضية والتواصل بين الشعوب إلى أداة للتوتر السياسي، يعكس “إفلاس هذه النظم وغياب انخراطها في معارك حقيقية مرتبطة بالتنمية وتعزيز الرفاه والديمقراطية”.

وأوضح لكريني، ضمن تصريح لهسبريس، أن هذه الممارسات ليست جديدة، مستحضرا ما عرف بـ“واقعة أم درمان” سنة 2009، حيث جرى توظيف حدث رياضي لإشعال التوتر بين دول، معتبرا أن البلاغ الملكي “أعاد الأمور إلى مجراها الطبيعي، وبرز من خلاله أن الرياضة تمثل قوة ناعمة يمكن توظيفها في التقارب بين الشعوب وتعزيز العلاقات بينها”.

وأضاف أن الرسالة الملكية شددت على حرص المغرب على عدم تحويل التظاهرات الرياضية إلى مناسبات لتكريس الكراهية والاحتقان، خاصة في ظل ما شهدته بعض منصات التواصل الاجتماعي، بل وحتى قنوات إعلامية رسمية في محيط إقليمي معروف، من خطابات تحريضية حاولت استغلال أجواء النهائي.

وسجل المتحدث أن مختلف السلطات الإفريقية، ومن ضمنها السنغالية، تدرك جيدا أن نجاح المغرب في تنظيم “الكان” يعكس “الوجه المشرق لإفريقيا”، ويقدم صورة إيجابية عن قدرة القارة على تنظيم تظاهرات كبرى، ويؤكد دور الرياضة كرافعة دبلوماسية وجاذبة للاستثمار، وأداة لتعزيز التقارب بين الشعوب.

رسالة تهدئة وتحذير في آن واحد

ويرى لكريني أن البلاغ الملكي حمل بعدين متكاملين؛ أولهما التهدئة وإعادة التأكيد على متانة العلاقات المغربية الإفريقية، وثانيهما التحذير الواضح من محاولات خلط السياسة بالرياضة، مشددا على أن المغرب “لن ينجر إلى تكريس الصراعات والكراهية المجانية بناء على اعتبارات وهمية وبعيدة عن الواقع”.

وأشار إلى أن السياسة الخارجية المغربية تجاه إفريقيا تقوم على ثوابت راسخة، في مقدمتها تعزيز الشراكات الاقتصادية، وتقاسم التجارب والخبرات، والدفاع عن القضايا الإفريقية داخل الاتحاد الإفريقي والأمم المتحدة، معتبرا أن أي توتر عابر لا يمكن أن يشوش على هذه العلاقات الاستراتيجية.

كياسة ملكية وإفشال للمخططات المعادية

من جانبه، اعتبر عبد الفتاح الفاتحي، مدير مركز الصحراء وإفريقيا للدراسات الاستراتيجية، أن الملك حسم من خلال البلاغ الأخير سجالات ما بعد “الكان” بالتأكيد على أن غايات المملكة “تبقى استراتيجية”، وأن الحماس الرياضي، مهما بلغت حدته، قد حقق أهدافه في إبراز النهضة المغربية والتنظيم الباهر الذي أشادت به مختلف الفعاليات الدولية.

وأوضح الفاتحي، ضمن تصريح لهسبريس، أن “الكياسة الملكية ورباطة الجأش” في تدبير الرهانات الكبرى مكّنتا من تحقيق أهداف جيو-استراتيجية “لا تطالها المؤامرات الخفية والظاهرة”، مشيرا إلى أن البلاغ الملكي جاء تتويجا لجهود مختلف الفعاليات المغربية التي أنجحت العرس الإفريقي، دون الانسياق وراء المزايدات ومحاولات الإفساد.

وأضاف أن البلاغ شكّل تقييما دقيقا لحصيلة تنظيم كأس إفريقيا، معلنا النتائج الإيجابية على المستويات الاقتصادية والمالية والرياضية والثقافية، ممهدا لاستثمار هذه المكتسبات في أفق تنظيم نهائيات كأس العالم، مما يعزز مكانة المغرب قاريا ودوليا.

إفريقيا في قلب الرؤية المغربية

وأكد مدير مركز الصحراء وإفريقيا للدراسات الاستراتيجية أن ما بعد “الكان” جعل من المغرب “مفخرة بين الأمم” ووجها لامعا للنهوض بالقارة الإفريقية، ليس فقط عبر الرياضة، ولكن من خلال رؤية شاملة تعزز قيم الوحدة والاستقرار والتنمية، مبرزا أن البلاغ الملكي “أنهى أحلام المتآمرين” الذين راهنوا على الإيقاع بين الأشقاء الأفارقة.

وختم الفاتحي بالتأكيد على أن انعقاد اللجنة المغربية السنغالية في القريب العاجل يمثل دليلا عمليا على فشل المخططات المعادية، ورسالة واضحة بأن العلاقات المغربية السنغالية أقوى من أي توتر ظرفي، وأن ازدهار إفريقيا يظل جزءا لا يتجزأ من الرهانات الاستراتيجية للمغرب.

هسبريس المصدر: هسبريس
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا