تتجه التوقعات المرتبطة بأسعار النفط خلال سنة 2026 نحو سيناريو يتسم بوفرة الإمدادات واستمرار الضغوط النزولية على الأسعار، في سياق دولي تطبعه تحولات جيوسياسية عميقة وتغير موازين التحكم في السوق العالمية للطاقة. هذه التطورات، التي تقودها بالأساس الولايات المتحدة خارج إطار منظمة “أوبك”، تطرح أسئلة مباشرة حول انعكاساتها على الدول المستوردة، وفي مقدمتها المغرب.
ويرى الحسين اليماني، رئيس “الجبهة الوطنية لإنقاذ المصفاة المغربية للبترول” والكاتب العام للنقابة الوطنية للبترول والغاز، أن ما تشهده السوق الدولية اليوم “لم يعد خاضعاً بشكل حصري لقرارات أوبك”، مشيراً ضمن تصريح لهسبريس إلى أن الارتفاع المتواصل في الإنتاج الأمريكي جعل الحصة الخارجة عن المنظمة أقوى تأثيراً في تحديد الأسعار من الحصة التي تتحكم فيها الدول المنتجة داخلها.
ويؤكد اليماني أن السياسة الطاقية الأمريكية، خاصة في ظل إدارة دونالد ترامب سابقاً أو التوجه العام للإدارات الأمريكية المتعاقبة، تقوم على مبدأ واضح: “عدم السماح لأسعار النفط بتجاوز مستويات مقلقة بالنسبة للمستهلك الأمريكي”.
ويقدّر المتحدث أن النطاق السعري المرجح خلال 2026 سيبقى محصوراً بين 50 و80 دولاراً للبرميل، مع أفضلية لأسعار تدور في حدود 60 إلى 70 دولاراً، ما لم تخرج الأوضاع الجيوسياسية عن السيطرة.
غير أن هذا التوازن يبقى هشاً، حسب اليماني، في ظل مخاطر محتملة مرتبطة بأمن الممرات البحرية الإستراتيجية، مثل مضيق هرمز وباب المندب، إضافة إلى بؤر توتر أخرى قد تؤثر على سلاسة الإمدادات العالمية.
وبالنسبة للمغرب، الذي يستورد أزيد من 90 في المائة من حاجياته الطاقية، فإن أي انخفاض في الأسعار العالمية سينعكس نظرياً بشكل مباشر على السوق الداخلية. ويعتبر النقابي ذاته أن سقف 10 دراهم للتر من الغازوال يشكل “حداً مقبولاً نسبياً” بالنسبة للقدرة الشرائية للمغاربة، محذراً من أن تجاوز هذا المستوى “يخلّف آثاراً سلبية مباشرة على كلفة المعيشة وعلى الاقتصاد الوطني عموماً”.
غير أن اليماني يشدد على أن سعر المحروقات في المغرب لا يتحدد فقط بسعر النفط الخام، بل يتكون من عدة مستويات، أبرزها كلفة التكرير، التي يصفها بـ”الفاتورة الثقيلة” الناتجة عن غياب مصفاة وطنية بعد توقف نشاط شركة “لاسامير”، ويضيف إلى ذلك العبء الضريبي وهوامش أرباح الفاعلين في السوق، داعياً إلى مراجعتها وجعلها آلية مرنة تمتص تقلبات الأسعار بدل أن تعمق آثارها على المستهلك.
من جهتها ترى سلمى صدقي، أستاذة الاقتصاد بجامعة ابن طفيل بالقنيطرة، المتخصصة في التجارة الخارجية واقتصاديات الطاقة، أن المستجدات الجيوسياسية الأخيرة، بما فيها تطورات ملف فنزويلا، “تسير في اتجاه خلق وفرة في العرض، وهو ما يؤدي بطبيعة الحال إلى انخفاض الأسعار في الأسواق العالمية”.
وتؤكد صدقي ضمن تصريح لهسبريس أن هذا الانخفاض ستكون له انعكاسات إيجابية على المغرب، سواء بالنسبة للمستهلكين أو للقطاع الصناعي، بحكم تبعية السوق الوطنية للأسعار الدولية بعد تحرير المحروقات، وتذهب إلى حد اعتبار سنة 2026 “سنة محتملة لانخفاض أسعار المحروقات في المغرب”، ولو بشكل ظرفي.
غير أن الأستاذة الجامعية تحذر من الطابع الدوري لهذه الانخفاضات، مبرزة أن منظمة “أوبك” غالباً ما تتدخل لإعادة التوازن بين العرض والطلب، تفادياً لانهيار الأسعار إلى مستويات تضر بالدول المنتجة، كما تشير إلى أن غياب مخزون إستراتيجي وطني، نتيجة إغلاق “لاسامير”، يجعل المغرب أكثر عرضة لتقلبات السوق العالمية، ويفقده هامش المناورة الذي كان يمكن أن يخفف من حدة الارتفاعات أو يستثمر فترات الانخفاض.
المصدر:
هسبريس