أحالت المعارضة في مجلس النواب بشكل رسمي مشروع القانون المتعلق بإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة، المثير للجدل، إلى المحكمة الدستورية؛ للبت في مدى مطابقته لأحكام الدستور. جاء ذلك بعد نجاحها في تحقيق النصاب القانوني اللازم، وجمع توقيعات كافة نواب فرق ومجموعات أحزاب المعارضة.
وأكدت المعارضة في مراسلتها إلى المحكمة الدستورية أن هذا القانون، الذي عُرض على مجلسي البرلمان، “يكتسي حساسية دستورية بالغة، لارتباطه المباشر بالحقوق والحريات المضمونة دستورياً، ولتأثيره المباشر على وظيفة الإعلام الدستورية في الإخبار والنقد والمساءلة”.
وأشارت إلى أنه جرى التداول بشأنه في المجلس الحكومي المنعقد بتاريخ 3 يوليوز 2025، وصودق عليه. ثم أحيل على مكتب مجلس النواب بتاريخ 7 يوليوز 2025، وصودق عليه في الجلسة العامة التشريعية بالأغلبية بتاريخ 22 يوليوز 2025. بعدها، أحيل على مكتب مجلس المستشارين في 23 يوليوز 2025، وصودق عليه في الجلسة العامة وفق الصيغة الواردة من مجلس النواب يوم 24 دجنبر 2025، دون إدخال أي تعديل، “بما في ذلك تصحيح الأخطاء المادية”.
وتطرقت المعارضة إلى المناقشات التي أُثيرت حول القانون داخل البرلمان، والتي تطرح “تساؤلات دستورية جوهرية ومشروعة حول مدى انسجام أحكامه مع مبادئ وأحكام الدستور، خاصة المواد 5، 9، 10، 13، 23، 44، 45، 55، 93″، موضحة أنّه “مع الأسف لم تتم الاستجابة لهذه الملاحظات في الصيغة النهائية التي صودق عليها، مما يضع البرلمان أمام مسؤولية دستورية تاريخية لتفعيل آليات الرقابة البعدية على هذا القانون”.
وأبرزت أن “اللجوء إلى آلية الإحالة على المحكمة الدستورية في هذا الظرف ليس مجرد إجراء شكلي، بل هو خطوة ضرورية لتعزيز الثقة في المسار التشريعي، وضمان المشروعية الدستورية لهذا النص التشريعي”، مشيرة إلى أن “الحكومة قدمت نصا تشريعيا جديدا لتنظيم المجلس الوطني للصحافة، عكس ما تضمنه عنوان القانون الذي يتحدث عن ‘إعادة تنظيم’، إذ تضمن هيكلةً جديدة للمجلس، وليس إعادة هيكلة للمجلس الحالي”.
وشددت على أن “قانون إعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة تخلى عن تعزيز دور المجلس في التنظيم الذاتي للمهنة والرقي بأخلاقياتها، عكس ما كان منصوصا عليه في القانون رقم 90.13 القاضي بإحداث المجلس الوطني للصحافة”، معتبرة أنه يخرق “مبادئ التنظيم الذاتي، ومبادئ الديمقراطية الداخلية للهيئات، ومبدأ المساواة (المواد 5 و44 و45)”.
ولفتت إلى أن “القانون اعتمد على معيار رقم المعاملات وعدد المستخدمين لانتداب ممثلي الناشرين، مما يمنح قوة تمثيلية مفرطة للمنابر الكبرى على حساب المقاولات الإعلامية الصغرى والمتوسطة”، وهو ما “لا يعكس الإرادة العامة لكافة المهنيين، بل يعبر عن القيمة السوقية، مما يحوّل المجلس من تنظيم ذاتي إلى ‘بنية أقرب إلى التعيين'”.
وأكدت أن “القانون المذكور يؤسس لتمييز غير قائم على سبب دستوري مشروع بين مقاولات كبرى وصغرى، وبين الصحفيين داخل المهنة الواحدة”، مما “يخرق مبدأ المساواة أمام القانون (الفصل 6 من الدستور)، ويفقد التنظيم الذاتي استقلاليته المنصوص عليها في الفصل 28، ويجعله خاضعا لنفوذ اقتصادي”. وأضافت أنه “يُخل بمبدأ ثنائية التجريم والعقاب، حيث تضمنت المادة 9 من القانون حصرا غير مبرر للجرائم التأديبية في فئة محددة من الجرائم دون أخرى، متجاهلةً بذلك مبدأ التناسب بين خطورة الفعل والأثر القانوني المترتب عنه”. واعتبرت أن “هذا الحصر الانتقائي والتعسفي للجرائم يمثل عيباً دستورياً، ويؤدي إلى خرق مبدأ المساواة، والإخلال بمبدأ الشرعية والتناسب والضرورة”.
وانتقدت “التداخل غير الدستوري بين السلط” الوارد في القانون، من خلال “إسناد مهمة دراسة مشاريع القوانين التي تهم القطاع إلى المجلس”، مما “يؤسس لتداخل غير دستوري بين السلطة التشريعية والهيئة الاستشارية، ويخل بمبدأ الفصل بين السلطات، ويعد مخالفةً صريحة لأحكام الدستور بنقل اختصاص تنظيمي وتشريعي للدولة إلى هيئة مهنية مستقلة”.
وسجلت المعارضة ضمن مؤاخذاتها على المشروع أنه “يمس بضمانات المحاكمة العادلة والحق في الدفاع، حيث تم حصر حق الاطلاع على وثائق ملف العزل في العضو المعني دون أعضاء دفاعه”، مما “يشكل خرقا لمبادئ العدالة الدستورية، ويمس بضمانات المحاكمة العادلة والحق في الدفاع”. كما انتقدت “التنصيص على اعتماد رئيس لجنة الأخلاقيات ضمن أعضاء لجنة الاستئناف التأديبية”، وهو ما “يخل بمبدأ الحياد والاستقلال، ويفقد هيئة الاستئناف حيادها المفترض”.
واعتبرت أن “كل هذه الأخطاء تمس جوهر القاعدة القانونية، وتخل بمبدأ الأمن القانوني، وتجعل القانون المتعلق بإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة غامضاً ومتناقضا، مما يجعل من المستحيل تطبيقه تطبيقا سليما دستوريا وقانونيا”. وبرهنت أن “المقاربة التي اعتمدتها الحكومة في مناقشة هذا القانون، برفضها كل التعديلات المقترحة بما فيها المتعلقة بالأخطاء المادية، بقصد تجنب إرجاعه إلى مجلس النواب في قراءة ثانية، تعبر عن سعي نحو إفراغ المؤسسة التشريعية من دورها في التشريع، وعن مصادرة لحق البرلمان في القيام بمهامه”.
المصدر:
لكم