مع إشراقة شمس عام 2026 يجد ملف الصحراء المغربية نفسه في موقع “القوة الراكضة” نحو الحسم النهائي، متحرراً من قيود الانتظار التي ميزت عقوداً من الزمن؛ وذلك بعد عام 2025 الذي كان حافلاً بالتحولات الجيو-سياسية والقرارات الأممية المفصلية، وعلى رأسها القرار 2797، الذي فتح المجال لتكون السنة سنة الوحدة الوطنية.
لا يبدو أن عام 2026 سيكون مجرد رقم إضافي في أجندة الدبلوماسية، بل هو عام “تسييد الواقع”؛ حيث ينتقل المغرب من مرحلة الدفاع عن شرعية حقوقه إلى مرحلة فرض هذه السيادة مؤسساتياً وقانونياً على المستوى الدولي. فبين دعوات ملكية لتحيين مشروع الحكم الذاتي ليتناسب مع مغربية الصحراء التي اعترفت بها كبريات القوى العالمية، وبين جبهة داخلية تزداد تماسكاً والتفافاً حول ثوابت “الله، الوطن، الملك”، ترتسم معالم “هجوم دبلوماسي” أخير يهدف إلى إقبار المشروع الانفصالي في معاقله الأخيرة، سواء داخل ردهات الاتحاد الإفريقي أو في أروقة الأمم المتحدة.
في هذا الإطار قال لحسن أقرطيط، الباحث في العلاقات الدولية، إنه يعتقد أن سنة 2026 ستكون سنة الوحدة الوطنية بامتياز، وذلك بالنظر إلى الحصيلة الدبلوماسية لسنة 2025، التي توجت بتبني مجلس الأمن القرار رقم 2797، الذي اعتبر خيار الحكم الذاتي الشكل الوحيد والأوحد لإدارة الأقاليم الجنوبية للمملكة، وأوضح أن هذا التطور لم يأت من فراغ، بل كان نتيجة مباشرة، في المقام الأول، لتماسك الجبهة الداخلية داخل المغرب.
وأشار أقرطيط، ضمن تصريح لهسبريس، إلى أن “أحد أهم عناصر القوة التي تمتع بها المغرب منذ بداية هذا النزاع المفتعل حول مغربية الصحراء يتمثل في تماسك الجبهة الداخلية، من خلال الإجماع الوطني حول شعار: الله، الوطن، الملك، بمختلف أبعاده السياسية والروحية والفكرية والعقدية والترابية والجغرافية، وغيرها”، وأضاف أن هذا التماسك جعل المغرب عصياً على كل المؤامرات التي حيكت ضده، سواء انطلقت من العاصمة الجزائر، أو من العاصمة طرابلس، أو من عواصم أخرى على مستوى القارة الإفريقية.
وأكد المتحدث ذاته أن “هذا المعطى جعل المغرب دائماً في موقع قوة، سواء في مواجهة هذه المؤامرات أو في مواجهة مختلف التحديات الخارجية”، واعتبر أن “تمتين الجبهة الداخلية كان خياراً إستراتيجياً ناجحاً جداً، سواء في عهد الملك الراحل الحسن الثاني أو من خلال إعادة بلورة هذا الشعار في عهد الملك محمد السادس، انطلاقاً من الدفاع عن المصالح العليا للمملكة المغربية”.
وشدد الباحث في العلاقات الدولية على أن “قضية الصحراء المغربية ظلت دائماً قضية إجماع وطني، إذ كان هناك على الدوام إجماع شعبي ورسمي في الدفاع عن هذه القضية الوطنية”، وانطلاقاً من ذلك يرى أن “سنة 2026، باعتبارها إحدى الإفرازات الموضوعية للقرار 2797، ستكرس تعميق الجبهة الداخلية داخل المملكة المغربية”.
وفي هذا السياق اعتبر أقرطيط أن “اعتماد صاحب الجلالة عيد الوحدة الوطنية يشكل رسالة واضحة إلى الداخل والخارج في آن واحد؛ فهي رسالة إلى الشعب المغربي مفادها أن المؤسسة الملكية تظل الضامن الأقوى لوحدة البلاد، والضامن الأقوى لاستقلالية المغرب، والضامن الأسمى في ما يتعلق بمقدسات المملكة المغربية”.
أورد المتحدث ذاته أن “عيد الوحدة الوطنية سيكتمل مع تنزيل مشروع الحكم الذاتي الذي سيتم إقراره لإدارة الأقاليم الجنوبية للمملكة”، كما رأى أن “دعوة صاحب الجلالة للأحزاب السياسية إلى بلورة تصورات ورؤى بشأن شكل الإدارة الذاتية أو الحكم الذاتي للأقاليم الجنوبية تشكل تجسيداً عملياً لهذا البعد الوحدوي الوطني، خاصة أن قضية الصحراء كانت دائماً محل إجماع لدى مختلف مكونات المجتمع المدني، وكافة الأحزاب السياسية، وجميع المؤسسات الرسمية وغير الرسمية للدولة المغربية”.
وأكد المحلل نفسه في هذا الإطار أن “سنة 2026 ستكون سنة تقديم التصورات المتعلقة بإدارة الأقاليم الجنوبية، سواء في ما يخص شكل الإدارة الذاتية أو نموذج الحكم الذاتي الذي سيتم اعتماده، وذلك من خلال إشراك ومشاركة مختلف الفعاليات المنتمية إلى الأقاليم الجنوبية، ولا سيما أن ساكنة هذه الأقاليم كانت دائماً تساهم بشكل كبير في الدينامية السياسية التي عرفها المغرب”.
وللتذكير أشار أقرطيط إلى أن “انتخابات 7 شتنبر 2024 عرفت نسبة مشاركة مرتفعة جداً في الأقاليم الجنوبية، وهي من أعلى نسب المشاركة المسجلة على الصعيد الوطني، ما يعكس مستوى الاندماج السياسي والمؤسساتي لهذه الأقاليم”، وختم بالقول إن “سنة 2026 ستكون بالفعل سنة الوحدة الوطنية، لأن أحد أهم إفرازات القرار 2797 يتمثل في تمتين وتثبيت الجبهة الداخلية، وتعزيز هذا البعد الوحدوي المرتبط بالإنجاز التاريخي الذي حققه المغرب من خلال قرار مجلس الأمن”.
من جانبه قال أحمد نور الدين، الخبير في العلاقات الدولية والمتخصص في ملف الصحراء، إنه “قبل الحديث عما ينتظر هذا الملف في أفق طيه النهائي لا بد من استحضار جملة من المتغيرات التي عرفها، سواء على المستوى الدولي أو على المستوى الإقليمي، وأثرت بشكل مباشر في تطوراته؛ وانطلاقاً منها يمكن تقديم الجواب عن السؤال المطروح في أربع نقاط أساسية”.
وانطلق نور الدين، ضمن تصريح لهسبريس، بـ”المتغيرات المرتبطة بمجلس الأمن”، مذكرا بأن هذا الأخير، في قراره رقم 2797، منح مهلة للأمين العام للأمم المتحدة من أجل القيام بمراجعة إستراتيجية لمهام بعثة المينورسو، وذلك في أجل ستة أشهر، تمتد من أكتوبر إلى أبريل.
وقال المتحدث ذاته: “بحلول شهر أبريل يتعين على الأمين العام أن يقدم تقييماً إستراتيجياً شاملاً لمهام المينورسو، يأخذ بعين الاعتبار المتغيرات الجديدة، والتراكمات التي عرفها الملف، فضلاً عما سيتم خلال هذه الفترة من مشاورات”، وأضاف: “يطرح هنا تساؤل جوهري حول دلالة هذا المصطلح، أي المراجعة أو التقييم الإستراتيجي، خاصة أن هناك منذ سنة 2018، وقبل الاعتراف الأمريكي بمغربية الصحراء، توجهاً أمريكياً واضحاً يدعو إلى إنهاء مهام المينورسو، بل وحتى إنهاء عدد من بعثات حفظ السلام الأممية، بالنظر إلى الكلفة المالية الكبيرة التي تتحملها ميزانية الأمم المتحدة”.
النقطة الثانية ضمن المتغيرات المرتبطة بمجلس الأمن التي ذكرها الخبير نفسه “تتمثل في مرور شهرين على صدور القرار دون تسجيل أي تحرك دبلوماسي فعلي، أو إطلاق المشاورات التي دعا إليها القرار الأخير، ودون شروط مسبقة، بين جميع الأطراف، من أجل التوصل إلى حل مقبول في إطار السيادة المغربية”، قائلا إن “هذا الجمود يعكس بوضوح رفض الأطراف الأخرى الدخول في مفاوضات تحت سقف السيادة المغربية”.
كما تحدث نور الدين عن متغير آخر خارج مجلس الأمن، سبق أن أشار إليه أحد مستشاري الرئيس الأمريكي، ويرتبط بـ”وساطة أمريكية محتملة بين المغرب والجزائر من أجل تطبيع العلاقات بين البلدين في غضون شهرين”، وزاد معلقا: “غير أن هذه المهلة انتهت دون أن يتم عقد أي لقاء، أو إطلاق أي مشاورات، سواء كانت ثنائية أو متعددة الأطراف، مباشرة أو غير مباشرة”.
ومن ضمن المتغيرات التي ذكرها المحلل ذاته: صدور قرار الجمعية العامة رقم 80/89 ، قائلا إنه “قرار يمكن القول إنه يغرد خارج السرب، بالنظر إلى لغته التي توحي وكأن شيئاً لم يتغير في قضية الصحراء، وكأن الاعتراف بالحل في إطار السيادة المغربية لم يحدث”، معتبرا أن “اللغة التي صيغ بها القرار تعود إلى عقود خلت، إلى ستينيات أو سبعينيات أو ثمانينيات القرن الماضي، ما يعكس التباين والاختلاف داخل منظومة الأمم المتحدة، حيث نجد الجمعية العامة في اتجاه، ومجلس الأمن في اتجاه آخر، واللجان الأممية، بما فيها اللجنة الرابعة، في اتجاهات مختلفة” على حد تعبيره.
وخلص الخبير إلى القول: “يؤكد هذا الواقع الأطروحة التي طالما تم التأكيد عليها، ومفادها أن منظمة الأمم المتحدة لم تُنشأ لحل النزاعات، بل لإدارتها ورعايتها، إن لم تغذها، ما دامت تخدم مصالح الدول النافذة داخل هذه المنظمة الدولية”.
وشدد نور الدين على أنه “لا يمكن للمغرب أن يساير هذا المنطق، لأنه لا يخدم مصالحه الوطنية، ويضعه باستمرار تحت الضغط والابتزاز، سواء من طرف الأصدقاء أو الخصوم، ويجعل سيادته مهددة بما يشبه سيف ديموقليس المسلط دائماً”.
وبناء على كل هذه المعطيات أكد المتحدث أن “مقترح الحكم الذاتي، الذي قدمه المغرب سنة 2007، كان ورقة مهمة من الناحية التكتيكية، وليس من الناحية الإستراتيجية، فقد شكل آنذاك خطوة محورية لقلب موازين القوى داخل الأمم المتحدة لصالحه”.
وشدد المحلل نفسه على أن “تقديم مقترح الحكم الذاتي خطوة تكتيكية مهمة لقلب موازين القوى، وهو ما تحقق لاحقاً، خاصة مع اعتراف الولايات المتحدة الأمريكية، باعتبارها عضواً دائماً في مجلس الأمن، وحاملة القلم، وقوة عظمى، بالسيادة المغربية الكاملة على الصحراء، وتثبيت هذا الاعتراف بشكل رسمي في وثائقها المقدمة إلى الأمم المتحدة ومجلس الأمن، دون أي تحفظ، مع دعم واضح لمقترح الحكم الذاتي كحل للنزاع مع الجزائر، مع اعتبار مسألة السيادة أمراً محسومًا”.
وأفاد نور الدين بأن “الوضع اليوم تغير جذرياً. فبعد الاعتراف الأمريكي سنة 2020، والاعتراف الفرنسي سنة 2024، ومراجعة إسبانيا لموقفها سنة 2022، والتي يمكن اعتبارها شكلاً من أشكال الاعتراف بمغربية الصحراء، إضافة إلى سحب ثلثي الدول التي كانت تعترف بالكيان الوهمي لاعترافاتها، حيث لم يتبق سوى أقل من 28 دولة، معظمها دول صغيرة وهامشية، يمكن شراء مواقفها بالبترو-دولار الجزائري”.
وأورد نور الدين أن الوضع تغير أيضا “بعد انحسار المعسكر الإيديولوجي الذي كان يدعم المشروع الانفصالي، خاصة في دول مثل كوبا وفنزويلا، التي تعيش اليوم أوضاعاً مأساوية، قد تقود إلى انهيار النظام فيها، فضلاً عن انهيار الدولة الراعية للمشروع الانفصالي، أي الجزائر، اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً، والعزلة الإقليمية التي تعيشها في محيطها المباشر، مع مالي والنيجر وليبيا، ومع المغرب بطبيعة الحال، فضلاً عن التوترات مع تونس، نتيجة انزلاق الرئيس قيس سعيد نحو الخضوع الكامل للسياسة الخارجية الجزائرية، رغم وجود معارضة داخلية تونسية لهذا التوجه، ليس حباً في المغرب، بل رفضاً لدعم الديكتاتورية وتقويض المؤسسات السياسية”.
وذكر الخبير ذاته بأن “الجزائر تعيش أزمات حادة في علاقاتها مع دول الشمال، بما في ذلك إسبانيا، التي سحبت سفيرها لمدة سنتين، ومع فرنسا، التي اندلعت معها أزمة حادة عقب الاعتراف الفرنسي بمغربية الصحراء في نوفمبر 2024، وهي أزمة مرشحة لمزيد من التصعيد”.
وأشار المتحدث إلى ما أسماه “عاملا أساسيا” يتمثل في أن “منظمة الأمم المتحدة نفسها باتت على أعتاب مراجعة شاملة لطريقة اشتغالها”، مفيدا بأن “تغيير النظام الدولي مسألة وقت، وربما لن نصل إلى سنة 2036 دون أن يشهد العالم إصلاحاً جذرياً للأمم المتحدة، أو حتى إلغاءها واستبدالها بمنظمة أخرى مختلفة جذرياً”.
أبرز نور الدين أنه “بناءً على كل هذه المعطيات فإن الحكم الذاتي، بصيغته المقدمة سنة 2007، لم يعد يخدم المصلحة الوطنية، بل بات من حق المغرب، وليس فقط من مصلحته، أن يسحب هذا المقترح، ويتقدم بمقترح جديد لا يتجاوز حدود الجهوية المعمول بها حالياً في البلاد”، وتابع: “يُفهم من حديث جلالة الملك عن تحيين المشروع أن التحيين لا يعني بالضرورة إضافة صلاحيات جديدة، بل يمكن أن يعني أيضاً سحب صلاحيات سبق منحها في سياق دولي مختلف؛ فالمفاوضات تسمح بمراجعة العروض، والمغرب قدم مقترحاً سنة 2007 رُفض من الطرف الآخر، وبعد عشرين سنة تغيرت موازين القوى بشكل جذري”.
وقال الخبير عينه إن “التقدم بمقترح في حده الأدنى، أي الجهوية الحالية، سيدفع الجبهة الانفصالية والجزائر إلى رفضه، وهو ما سيمهد للانتقال إلى الهجوم الأخير لإقبار المشروع الانفصالي نهائياً”.
وبحسب المحلل نفسه يتجسد هذا الهجوم في أربع خطوات متوازية: “أولها، في فبراير، على مستوى الاتحاد الإفريقي، من خلال الدفع نحو طرد الكيان الوهمي، انسجاماً مع الشرعية الدولية، وبمرافعة قانونية وسياسية قوية، وثانيها في أبريل 2026، على مستوى مجلس الأمن، للمطالبة بإنهاء مهام المينورسو، التي استنفدت مبررات وجودها، والمطالبة بإغلاق مخيمات تندوف وفقاً للقانون الدولي الإنساني، وثالثها مواصلة العمل داخل مجلس الأمن لإنهاء آخر مظاهر النزاع المفتعل؛ أما رابعها فهو العمل داخل اللجنة الرابعة للأمم المتحدة، في شتنبر 2026، لاستصدار قرار يؤكد مغربية الصحراء، وأن الساكنة مارست تقرير مصيرها، وأن الإقليم جزء لا يتجزأ من المملكة”.
وشدد نور الدين على أن “هذه الخطوات تتطلب تعبئة شاملة للدبلوماسية المغربية، وحملات دبلوماسية واسعة النطاق، على المستويات الإفريقية والدولية، بتنسيق محكم واستناداً إلى قوة الجبهة الداخلية ودعم الحلفاء”، وأفاد بأنه “بهذه المقاربة يمكن جعل سنة 2026 سنة تجسيد فعلي للوحدة الوطنية، وإقبار المشروع الانفصالي، وإغلاق هذا الملف نهائياً، في إطار الواقعية السياسية والقانون الدولي، وبما يخدم المصالح العليا للمملكة المغربية”.
المصدر:
هسبريس