في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
لم يعد التصعيد في اليمن منحصرا في حشد قبلي هنا أو خرق بمسيرة هناك، بل تحول إلى معركة تُقاس فيها الجبهات بمدى قربها أو بعدها عن مضيق باب المندب وليس بمساحة الأرض المتنازع عليها. وما يجري اليوم لم يعد فصلا محليا آخر في حرب طال أمدها منذ اندلاعها في يناير/كانون الثاني 2015، بل أصبح حلقة في صراع إقليمي أوسع يعيد رسم موازين النفوذ بين قوى عالمية عدة.
وفي الوقت الذي تصف فيه الحكومة اليمنية ما يجري بأنه معركة لاستعادة المبادرة ضد جماعة أنصار الله (الحوثيين) التي تسعى لفرض أمر واقع جديد على الساحل الغربي، تقول الجماعة إن ما تقوم به يمثل ردّا دفاعيا على حصار وتحشيد عسكري ممتدين منذ سنين.
وعلى وقع هذا المشهد المتشابك، شهدت الساعات الأخيرة تطورات على أكثر من جبهة؛ ففي محافظة الجوف أعلن المتحدث العسكري باسم الحوثيين يحيى سريع إسقاط طائرة استطلاع فوق المحافظة، في وقت واصلت فيه القوات الحكومية غاراتها الجوية على مواقع الجماعة في مديريتي اللبنات والعلم ومركز الجوف.
وفي محافظة حجة، انطلقت عملية عسكرية واسعة في مدينة حرض الحدودية شمالا، حيث اندلعت اشتباكات عنيفة بين القوات الحكومية وعناصر الحوثيين تخللها تقدم ميداني أعلنته مصادر عسكرية حكومية.
أما في محافظة البيضاء، فقد نفذ الطيران الحربي الحكومي أكثر من 13 غارة استهدفت منصات إطلاق صواريخ وغرفة قيادة وسيطرة تابعة للحوثيين في مديريات الشرية وذي ناعم والسوادية، في امتداد لتصعيد بري وجوي متسارع أسفر -حسب مصادر عسكرية وميدانية- عن مقتل أكثر من 300 عنصر من الجانبين خلال يومي السبت والأحد الماضيين، إلى جانب نزوح مئات الأسر من مناطق الاشتباك باتجاه مخيمات النزوح.
وتأتي هذه المواجهات في سياق إقليمي مشحون تشهده منطقتا الخليج والبحر الأحمر منذ اندلاع الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران أواخر فبراير/شباط الماضي، وهو ما رفع مستوى التأهب الإستراتيجي لأي تصعيد عسكري قرب الممرات المائية الدولية، ومن بينها مضيق باب المندب، الذي بات ملفا يحظى باهتمام متزايد من الأطراف الإقليمية والدولية على حد سواء.
ويبقى السؤال الجوهري المعلق بينهما: هل يمثل هذا التصعيد مجرد حلقة من الاشتباكات العابرة والمتقطعة منذ عام 2015 أم يشكل معركة فاصلة للحسم؟
لفهم لماذا يتركز القتال حول مدن صغيرة في الساحل الغربي، لا سيما في محافظتي تعز والحديدة، ومدينة المخا تحديدا، لا بد من العودة إلى الخريطة اليمنية نفسها؛ فكل تحرك عسكري في هذه البقعة الساحلية الضيقة يحمل بعدا يتجاوز حجمها الجغرافي.
ويفكك الخبير في الشؤون العسكرية والإستراتيجية الدكتور علي الذهب هذا المشهد، محددا 3 ركائز أساسية وراء التصعيد الحوثي على هذه الجبهة:
ويمضي الذهب إلى ما هو أبعد من السيطرة على مدينة بعينها؛ فهو يلاحظ أن الحوثيين بدلا من محاولة اقتحام المخا مباشرة يفضلون الالتفاف عليها وتجاوزها عبر مديرية الوازعية ثم ذوباب الساحلية، في مسعى يتجاوز حدود مدينة محددة إلى السيطرة الكاملة على جنوب البحر الأحمر بما يشمل مضيق باب المندب، وبما يخدم -من وجهة نظره- إستراتيجية إيرانية أوسع لمواجهة الولايات المتحدة وتهديد التجارة الدولية، وتحديدا تجارة ونقل النفط.
ويفرق الخبير في الشؤون العسكرية بين أجندتين متداخلتين يخدمهما الحوثيون في آن واحد:
وفي ما يتعلق بتحركات القوات الحكومية فإن الذهب يصف ذلك بأنه محاولة للحد من هذا التمدد، وتتركز الهجمات المعاكسة في مناطق غربي تعز، وأبرزها منطقة الكدحة وأجزاء من حيس وجبل الحبشي -وهي مرتفعات يتجاوز ارتفاعها 1000 متر وتمنح من يسيطر عليها استشرافا ناريا كاملا على الطرق والتجمعات السكانية المجاورة.
ويقدم كل طرف في هذا التصعيد سردية متباينة، وجوهر هذا التباين هو ما يعكس حقيقة الصراع ومآلاته المحلية والإقليمية. فنصر طه مصطفى مستشار الرئيس اليمني يربط -في مقال له بموقع الجزيرة نت بعنوان " أوجاع اليمن بعد ربع قرن على 11 سبتمبر" موجة الهجمات الحوثية العنيفة التي شنتها الجماعة الخميس الماضي على عدد من المناطق الإستراتيجية في تعز بأهداف محددة:
ويقرأ مصطفى هذا التصعيد في سياق أوسع يتقاطع مع مساعي إيران لتخفيف الضغط عن نفسها عبر فتح جبهة إضافية في البحر الأحمر، معتبرا أن عنف الهجمات يُنذر بدخول اليمن مرحلة جديدة من محاولات الحوثيين استعادة كامل الساحل الغربي، وربما امتداد جبهات القتال إلى بقية المحافظات في مسعى حكومي لإنهاء التمرد وإغلاق ملف الحرب المستمر منذ يناير/كانون الثاني 2015.
وفي المقابل، يقدم وكيل محافظة صنعاء في حكومة الحوثيين غير المعترف بها دوليا حميد عاصم رواية معاكسة تماما؛ إذ يعيد جذور التصعيد إلى استهداف مطار صنعاء الذي كان -حسب قوله- في مرحلة تهدئة نسبية قبل أن يتعرض لقصف جديد عندما كانت طائرة قادمة لنقل معزين إلى طهران في يوليو/تموز الماضي.
ويربط عاصم (وهو عضو الأمانة العامة للتنظيم الوحدوي الشعبي الناصري) ذلك بحصار خانق مفروض على اليمن منذ عام 2016، كما أنه يصف توسع الأهداف الحوثية ليس هدفها التوسع من أجل التوسع، مؤكدا أن الجماعة لا تسعى إلى "بسط النفوذ" على أراض جديدة بقدر ما تسعى إلى "تحرير ما تعتبره أرضا يمنية محتلة من قوات خارجية".
ورغم هذا الاختلاف الجذري في تفسير الدوافع، يلتقي الطرفان عند نقطة واحدة: فكلاهما يقر بأن المعركة تجاوزت حدود تعز والحديدة لتصبح جزءا من مواجهة إقليمية أشمل؛ فبينما يصفها مستشار الرئيس اليمني بأنها امتداد لتخفيف الضغط عن إيران، يصفها عاصم بأنها "معركة إقليمية" يقف فيها اليمن إلى جانب " محور المقاومة".
ويبقى السؤال الأساسي المتعلق بالغاية النهائية من التوسع نحو الساحل: هل يخطط الحوثيون فعلا للسيطرة الكاملة على باب المندب؟
ويرفض خبير الشؤون الإستراتيجية والأمن البحري اللواء محمد عبد الواحد هذا التوصيف، مقترحا مفهوما مبنيا على التفسير العسكري، فالسيطرة الكاملة، من وجهة نظره، مكلفة للغاية وتحتاج إلى عمق إستراتيجي تفتقر إليه الجماعة حاليا؛ ولذلك تكتفي باستخدام أسلحة غير متكافئة -مسيّرات وصواريخ وألغام بحرية- لخلق حالة إزعاج دائمة تعطل الملاحة وترفع كلفة التأمين على أي سفينة عابرة، لتبقى بذلك ورقة ضغط فاعلة من دون الحاجة إلى احتلال المضيق فعليا.
ويحدد اللواء عبد الواحد أهداف الحوثيين من معارك تعز الأخيرة في 3 نقاط متكاملة:
أما الحديدة، فهي -حسب خبير الأمن البحري- "مركز الثقل الساحلي" الذي يمنح من يسيطر عليه كاملا القدرة على الجمع بين الموانئ والساحل الغربي بأكمله وطريق الإمداد نحو باب المندب، وبالتالي القدرة على نشر الصواريخ والمسيّرات وتهديد الملاحة بشكل مركّز وبما يخلق ملفات أمنية معقدة. ولهذا يسعى الحوثيون إلى تثبيت خطوط دفاعية وهجومية معا حول منطقتي حيس والجراحي في آن واحد.
ويستدرك عبد الواحد على ذلك بأن أن العمليات الحكومية الأخيرة -باستعادة السيطرة على حيس والتقدم لاحقا نحو الجراحي مع تنفيذ ضربات مسيّرة على تعزيزات حوثية- حالت دون تحقيق الجماعة هذه الأهداف بالكامل حتى الآن، في ما يصفه بأنه "تحول مهم في مجريات الحرب" ينذر بدخول الطرفين مرحلة استنزاف طويلة، خاصة مع استمرار الدعم الإيراني للحوثيين مقابل دعم التحالف العربي للقوات الحكومية.
واللافت في التحليل السابق هو ربطه المباشر بين توقيت هذا التصعيد وما يجري في مضيق هرمز؛ إذ يرى محاولة متعمدة لخلق أزمة اختناقات بحرية متعددة في وقت واحد -هرمز من جهة وباب المندب من جهة أخرى- بما يشكل "صدمة بحرية" مزدوجة تلفت الأنظار الدولية وتربك حسابات أمن الطاقة العالمي.
وهو ما يتقاطع مع قراءات تحليلية أخرى اعتبرت أن إيران أدركت أن امتلاك القدرة على تهديد الممرات البحرية الضيقة يمنحها نفوذا يفوق حجمها العسكري المباشر، وأن باب المندب بات بمثابة "النسخة المقابلة لهرمز"، بحيث تمتلك طهران عبر حليفها المحلي قوس ضغط بحري مزدوج يمتد من الخليج العربي إلى البحر الأحمر.
لكن نجاح الحوثيين في الوصول إلى تحقيق الأهداف السابقة كلها مرهون بعوامل عدة، بعضها مرتبط بقدرتهم القتالية وخبرتهم المتراكمة والمساحات الشاسعة التي يتحركون فيها، وبعضها الآخر يتوقف على مدى استمرارية الدعم الذي تحصل عليه القوات الحكومية من التحالف العربي وجودة المعلومات الاستخباراتية عن نقاط ضعف الجماعة، حسب ما ذهب إليه خبير الشؤون العسكرية.
ويطرح اللواء عبد الواحد 4 سيناريوهات محتملة للمرحلة المقبلة من هذا التصعيد:
وهذا السؤال يصبح أكثر إلحاحا عندما لا تكون هناك إجابة محددة عليه، خاصة مع تعدد السيناريوهات السابقة. فهل يمثل هذا الزحف الميداني تمهيدا لتوسع دائم في النفوذ، أم هو مجرد أداة لتحسين شروط التفاوض عند أقرب طاولة حوار؟
وتكشف قراءات أغلب المحللين العسكريين التي نشرها موقع الجزيرة نت على مدى الأيام الماضية عن أن الحوثيين يحاولون استباق استحقاق عسكري يدركون أنه قادم لا محالة، عبر جر خصومهم إلى مواجهة مبكرة بشروط تختارها الجماعة نفسها، وفي وقت قد تفضل فيه الحكومة تأجيل الحسم إلى حين اكتمال بناء مؤسستها العسكرية الموحدة.
وهذا التباين هو ما يجعل المرحلة المقبلة بالغة الحساسية في اليمن، فحميد عاصم نفسه، حين سألناه عما إذا كان التصعيد الحالي مجرد تحسين لشروط التفاوض، أجاب بأنه "تصعيد شامل على كل الجبهات"، بما في ذلك بسط النفوذ البحري على المنطقة المتاخمة لباب المندب، في مؤشر صريح على أن الطموح الحوثي يتجاوز حدود المكاسب التكتيكية المؤقتة.
وفي المقابل، يبين مستشار الرئيس اليمني أن الهدف الحكومي هو إغلاق ملف الصراع بالكامل والعودة إلى مسار سياسي متوقف منذ سنوات طويلة، بعدما أثبت المجتمع الدولي عجزه عن فرض أي تسوية شاملة خلال 12 عاما من المحاولات المتعثرة.
ومع اختلاف الرؤيتين تظل النقطة الأساسية هي أن الساحل الغربي اليمني لم يعد شأنا محليا بحتا، بل أصبح جزءا من معادلة إقليمية ودولية أوسع، تتقاطع فيها مصالح الطاقة والملاحة مع صراع النفوذ بين طهران وواشنطن، في وقت يزداد فيه الاختناق البحري المزدوج بين هرمز وباب المندب.
المصدر:
الجزيرة