آخر الأخبار

صراع الأجندات.. هل تكشف حرب إيران الخلافات العميقة بين الحليفين؟

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

في 28 فبراير/شباط الماضي، شنّ الحليفان الولايات المتحدة وإسرائيل حربا على إيران، في تناغم ظاهري الأهداف والرؤية والإستراتيجية، لكن بعد مرور 3 أسابيع على بدء العمليات العسكرية، اتضح أن ثمة تباينات أعمق بكثير مما هو ظاهر على السطح.

تتجلى أوجه الخلاف في مستويات متعددة، بدءا من الهدف النهائي للحرب وأولويات كل طرف، مرورا بسيناريوهات إنهاء العمليات العسكرية، ووصولا إلى من يملك زمام المبادرة في تحديد مسارات المعركة وحيثيات التصعيد ونوعية الأهداف.

فبينما تسعى إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب إلى إيجاد "مخرج إستراتيجي" يضمن سيناريو ما يقد يكون "نصرا أمريكيا" ويُنهي تورطا عسكريا بات يُثقل كاهل الاقتصاد الأمريكي ويهدد شعبية الرئيس، يُصر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على مواصلة "سحق" القدرات الإيرانية حتى آخر رمق، بغض النظر عن التداعيات الإقليمية أو العالمية.

وقد أدت هذه الحرب منذ اندلاعها إلى تداعيات خطيرة على المنطقة، من إغلاق مضيق هرمز الذي يمر عبره 20% من إمدادات النفط العالمية، إلى ارتفاع أسعار الطاقة بنسبة 50%، مما وضع الاقتصاد العالمي على شفا أزمة غير مسبوقة.

الهدف من الحرب

تُعدّ مسألة الهدف الحقيقي من هذه الحرب أبرز نقاط الخلاف بين الحليفين، فالولايات المتحدة دخلت المعركة بناءً على وعود بـ"حرب خاطفة" تُنهي النظام الإيراني في غضون أيام، كما يشير تريتا بارسي نائب الرئيس التنفيذي لمعهد كوينسي، إذ كان ترمب يخطط "لحرب ستنتهي في 4 أيام، واغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي سيؤدي إلى انهيار أو استسلام النظام"، لكن عندما فشلت هذه الخطة "لم تكن هناك خطة بديلة"، مما ترك المجال لإسرائيل لفرض أجندتها الخاصة.

وفي المقابل، يرى نتنياهو أن الحرب فرصة لإعادة تشكيل موازين القوى في المنطقة بشكل جذري. وذلك وفق ما ذهب إليه المحلل السياسي والقنصل العام السابق لإسرائيل في نيويورك ألون بينكاس، حيث إن نتنياهو "تخلى عن تغيير النظام الإيراني، وغيّر المصطلحات إلى شيء يمكن تسميته "انهيار الدولة"؛ أي محاولة خلق فوضى تؤدي إلى "انهيار الدولة الإيرانية عبر تفكك حكومتها".

إعلان

لكن بينكاس يتساءل عن جدوى هذا الهدف وعواقبه، مشيرا إلى أن "نتنياهو لا يهتم كثيرا" بالتداعيات المحتملة، بما في ذلك "سيناريو مشابه للعراق بدأ يتكشف، حتى لو تفككت البلاد وسيطرت على السلطة قوى أكثر تطرفا".

ويذهب اللواء المتقاعد والمستشار السابق لوزارة الدفاع البريطانية سايمون مايال إلى بُعد آخر في هذا الخلاف، موضحا أن الطرفين يتشاركان في إضعاف تأثير إيران في المنطقة، والذي كان موجودا منذ عام 1979″، لكنهما يختلفان في الوسائل والحدود؛ فبينما يرى أن "الكثير من ذلك قد تحقق" بالنسبة للطرفين، فإن التحدي يكمن في تحديد أولويات كل طرف وكيف يمكن الوصول إليها.

أولويات الطرفين

تتباين أولويات واشنطن وتل أبيب بشكل صارخ، مما يخلق توترات متزايدة في إدارة الحرب؛ وبالنسبة للولايات المتحدة باتت الأولوية القصوى هي احتواء الأضرار الاقتصادية والسياسية الناجمة عن الصراع.

ويشير بارسي إلى أن ترمب "يدرك أنه يحتاج إلى إيجاد مخرج للحرب"، خاصة مع ارتفاع أسعار النفط والوقود الذي بدأ يُؤثر على "القاعدة السياسية له، والتي بدأت تشعر بالتوتر تجاه هذه الحرب".

هذا القلق الاقتصادي دفع إدارة ترمب إلى التفكير جديا في تخفيف التصعيد، كما يؤكد بول سالم نائب رئيس معهد الشرق الأوسط في واشنطن، بقوله إن "الرئيس ترمب يبحث الآن عن مخرج منذ أسبوع أو أسبوعين"، لكنه لا يريد أن "يدعو إلى إنهاء الحرب في وقت يظهر فيه بمظهر الضعيف"، خاصة بعد إغلاق إيران مضيق هرمز وتأثيره الكارثي على أسواق الطاقة العالمية.

في المقابل، تكمن أولوية إسرائيل في تحقيق أقصى قدر من الإضعاف للقدرات الإيرانية، بغض النظر عن التكاليف الإقليمية أو العالمية. ويوضح بارسي أن "مصلحة إسرائيل تكمن في إطالة أمد الحرب لأطول فترة ممكنة لإضعاف القاعدة الصناعية الإيرانية بحيث أن إيران بعد الحرب -مهما كان شكلها- لن تكون لديها القدرة على تحدي إسرائيل". ويضيف أن "هذه الأولوية تتفوق على المخاوف المتعلقة بالاقتصاد العالمي، أو رئاسة ترمب، أو استقرار الشرق الأوسط".

ويتجلى هذا التباين في الأولويات أيضا في موقف الطرفين من استهداف منشآت الطاقة. ويشير المدير السابق لمركز الحوكمة العالمية والأمن في تشاتام هاوس سمير بوري إلى أن "لإسرائيل والولايات المتحدة أولويات مختلفة بعض الشيء في هذه الحرب، وهذه الأولويات بدأت تصبح أكثر وضوحا بشكل علني".

ويضيف بوري أنه بينما تخشى واشنطن من التداعيات الاقتصادية لاستهداف البنية التحتية للطاقة، نفذت إسرائيل هجوما على منشآت الطاقة في الخليج من دون تنسيق كامل مع الأمريكيين، مما أدى إلى رد إيراني استهدف منشأة للغاز في قطر.

كيف ستنتهي الحرب

تمثل رؤية كل طرف لنهاية الحرب نقطة خلاف جوهرية أخرى، فالولايات المتحدة تسعى إلى "اتفاق سلام" يسمح بالخروج من المأزق مع الحفاظ على بعض المكاسب.

ويؤكد بول سالم أن "الولايات المتحدة وإسرائيل لديهما الكثير من الرؤى أو المصالح المشتركة في هذه الحرب، لكنهما أيضا مختلفتان"، موضحا أن الرئيس ترمب يريد إنهاء الحرب لأن تأثيرها على أسواق الطاقة سيؤثر على انتخاباته في الداخل، لكن إسرائيل ترى في أي نهاية مبكرة للحرب فشلا إستراتيجيا.

إعلان

وهذا الرأي يتوافق معه بينكاس، ويرى أنه "إذا انتهت الحرب الآن فقد فشل نتنياهو بشكل كبير جدا في تحقيق الأهداف الإستراتيجية لإسرائيل". ويرى أن تلك الأهداف غير المحققة تتمثل في: "لا تزال إيران تمتلك 450 كيلوغراما من اليورانيوم المخصب بنسبة 60%"، كما أن القدرة الصاروخية الإيرانية لم تُدمر كما كانت تخطط إسرائيل، بدليل استمرار إطلاق الصواريخ عليها.

ويضيف بوري إلى ما سبق بُعدا آخر حول احتمالات إنهاء الحرب، مشيرا إلى أن "هذا الصراع يبقى غير متوقع إلى حد بعيد فيما يتعلق بالمكان الذي قد يذهب إليه لاحقا". ويرى أن "إسرائيل قد تكون مدعوة إلى إظهار ضبط النفس إذا أرادت الحفاظ على دعم الولايات المتحدة بالكامل في حربها ضد إيران"، خاصة مع ظهور "دلائل عدم الرضا في الداخل الأمريكي، لا سيما مع تطورات مثل استقالة رئيس مكافحة الإرهاب".

وفي المقابل، يحذر بينكاس من أن الحرب قد تستمر أو تنتهي بشكل مفاجئ تبعا لمزاج ترمب المتقلب، قائلا "نحن في وضع غريب للغاية، حيث يمكن أن تنتهي الحرب خلال 48 ساعة لأن ترمب قرر أنه يجب أن تنتهي لأن استطلاعات الرأي لديه سيئة بسبب أسعار النفط وأسعار الغاز الطبيعي المسال. وعلى العكس، يمكن أن تستمر أسبوعين أو ثلاثة أخرى".

نتنياهو الأعلم بالمنطقة

أحد أبرز العوامل التي أسهمت في تعميق الخلاف بين الحليفين هو الفارق المعرفي والالتزام الإستراتيجي بين القيادتين في الولايات المتحدة وإسرائيل فيما يتعلق بمنطقة الشرق الأوسط وأولويات كل طرف فيها.

ويصف الكاتب والمحلل السياسي مروان بشارة هذا التباين بدقة: "نتنياهو يعرف عن الشرق الأوسط أكثر من ترمب، وهو ملتزم بالشرق الأوسط أكثر من ترمب، ولديه كل الوقت والحاجة لتحقيق انتصارات ضد أعدائه".

هذا التفاوت في المعرفة والالتزام سمح لنتنياهو بالتحكم في مسار الحرب بطريقة تخدم مصالح إسرائيل أكثر من المصالح الأمريكية. ويوضح بشارة ذلك بأن نتنياهو "يورط الولايات المتحدة في أهدافه"، مضيفا أنه "لا ينسق حتى مع القيادة الأمريكية في بعض الأحيان"، كما حدث في الهجوم "المتهور على منشآت الطاقة في الخليج" الذي نُفذ من دون تشاور كامل مع واشنطن.

ويرى بارسي أن هذا الاختلال في التحكم بمسار الحرب يعود إلى أن "ترمب لم تكن لديه سوى خطة (أ)"، وعندما فشلت "تمكن الإسرائيليون من فرض درجة معينة من السيطرة" لأن "لديهم خطة خاصة". ويشير إلى أن "على ترمب تولي السيطرة على الحرب، ويستعيد عجلة القيادة من الإسرائيليين، ويمنعهم من القضاء على مسارات الخروج من الأزمة المتاحة له".

ويعود بشارة ليضيف بُعدا آخر لهذه العلاقة "غير المتوازنة"، مشيرا إلى أن نتنياهو "تلاعب بترمب" منذ البداية، حسب قوله. ويوضح أنه "منذ أول لقاء بينهما استطاع نتنياهو أن يضع التشكيل الذي يراه هو للشرق الأوسط أمام ترمب"، مستفيدا من "التأثير المستمر للشخصيات المؤيدة لإسرائيل" والتمويل الذي يتلقاه ترمب من أثرياء مؤيدين لتل أبيب.

ويعقب بول سالم على هذا التصور بأن ترمب بدأ يدرك حجم المشكلة، وأشار إلى أن "الرئيس الأمريكي نفسه كان متفاجئا من هجمات إيران على شركائه في الخليج"، وأنه "تفاجأ كذلك بإغلاق مضيق هرمز". ويضيف أن ترمب "يتعلم أثناء العمل"، لكن هذا التعلم المتأخر قد تكون كلفته باهظة سياسيا واقتصاديا.

لكن سايمون مايال لا يتفق مع كل ما سبق، ويرى أن التنسيق بين الطرفين لا يزال قائما رغم الخلافات الظاهرة، مؤكدا أنه "لا ينبغي أن يكون اختلاف المواقف بين الطرفين مفاجئا"، ويشير كذلك إلى أن "الأهداف الموضوعة من القادة وصولا إلى المواقف التكتيكية في مضيق هرمز قد تم تحديدها بعناية منذ فترة طويلة بين الإسرائيليين والأمريكيين".

إعلان

وفي العموم، تخلص آراء المحللين الذين تحدثت معهم الجزيرة إلى إنه بعد 3 أسابيع من بدء الحرب على إيران تبدو الخلافات بين الحليفين الولايات المتحدة وإسرائيل أعمق مما كان متوقعا؛ فبينما تسعى واشنطن إلى إيجاد "مخرج إستراتيجي" يحفظ ماء الوجه ويحدّ من الأضرار الاقتصادية والسياسية، فإن تل أبيب تصر على مواصلة "سحق" القدرات الإيرانية بغض النظر عن التداعيات.

ويُجمع المحللون كذلك على أن هذه الفجوة في الأهداف والأولويات قد تؤدي إما إلى انفراط عقد التحالف، أو إلى تصعيد أكبر قد يجر المنطقة والعالم إلى أزمة غير مسبوقة.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا