في عام 1988، وخلال حملة الأنفال، تعرّض أكراد في شمال العراق لهجمات كيميائية نفّذها نظام صدام حسين. ومن بين أكثر هذه الهجمات دموية، القصف الذي طال مدينة حلبجة الواقعة قرب الحدود العراقية الإيرانية.
قُدّر عدد الضحايا في حلبجة بنحو خمسة آلاف شخص، نتيجة استخدام غازات الأعصاب مثل السارين وVX، إضافة إلى غاز الخردل. كما قُتل ما يقارب 182 ألف كردي في مجمل حملة الأنفال.
وقد درس عالم النفس الإكلينيكي إبراهيم محمد وضع 500 ناجٍ لتقييم الأثر النفسي الدائم للهجوم على صحتهم. الدراسة أظهرت أن نحو أربعة من كل خمسة منهم يعانون من اضطراب ما بعد الصدمة، فيما يعاني ثلاثة من كل أربعة من الاكتئاب أو القلق. ورغم ذلك، لم يتلقَّ العلاجَ سوى أقل من واحد من كل خمسة.
وأشار التقرير المنشور في مجلة Frontiers إلى أن كثيرًا من المشاركين يعانون أيضًا من آلام مزمنة وإرهاق ومشكلات صحية طويلة الأمد، ما يعكس تداخل الأضرار النفسية والجسدية.
يقول يريفان سعيد، الذي كان طفلًا في السادسة من عمره لـ DW حين وقع الهجوم، إن المأساة لا تزال تسيطر على الوعي الجمعي في حلبجة والمناطق المجاورة. ويؤكد أن كثيرين ما زالوا يتساءلون عن سبب ما حدث، ولماذا لم يتمكنوا من إنقاذ أحبّتهم.
ويرى سعيد أن غياب اعتراف دولي واضح بما جرى بوصفه إبادة جماعية فاقم من الإحساس بالظلم، وأسهم في نقل الألم من جيل إلى آخر.
إلى جانب المعاناة النفسية، يتحدث مختصون عن استمرار وصمة اجتماعية تطال بعض الناجين. فهناك مخاوف واسعة من "تلوّث كيميائي” مزعوم، بما في ذلك اعتقادات خاطئة حول انتقال الأمراض إلى الأبناء أو إلى الآخرين.
ويشير باحثون في الطب النفسي والكوارث إلى أن هذه المخاوف تؤدي أحيانًا إلى العزلة الاجتماعية، حيث يتجنب بعض الناس الاختلاط بالمتضررين من الهجوم.
وليست هذه الدراسة الأولى التي توثق الآثار المستمرة لمجزرة حلبجة. أبحاث سابقة، أُجريت داخل العراق وخارجه، أكدت أن الناجين يعانون من تراجع في الصحة النفسية والجسدية وجودة الحياة، بما في ذلك فرص التعليم والعمل، مقارنة بمن لم يتعرضوا للهجمات الكيميائية.
وتستند الدراسة الجديدة التي أجراها محمد وفريقه إلى العديد من روايات الناجين، لكنها ليست الأولى من نوعها. شارك الناجون من الهجمات الكيميائية في العديد من الدراسات لفهم كيف لا تزال المجزرة تؤثر على حياتهم.
أجرى مرادي، المقيم في غوتنبرغ والذي لم يشارك في دراسة محمد، بحثه الخاص مع مجتمعات الناجين الأكراد في السويد. و قال مرادي لـ DW إن تقرير محمد يدعم النتائج التي توصل إليها سابقاً.
"هذا أكد ما وجدناه في دراستنا، في الواقع، أن الناجين من الهجمات الكيميائية في حلبجة ما زالوا يعانون ليس فقط من الصدمة النفسية ولكن أيضًا من الصدمة الجسدية، حتى بعد مرور ما يقرب من أربعة عقود على التعرض لها."
وقال مرادي إن الدراسة كانت ستكون أقوى لو تم تسجيل بيانات عن التعرض للمواد الكيميائية بين الناجين، ولو تم تضمين مجموعة ضابطة من الأكراد الذين لم يتعرضوا للأسلحة الكيميائية للمقارنة.
وجد مرادي في بحثه الخاص أن الناجين الذين تعرضوا لغاز الخردل يعانون من ضعف طويل الأمد في وظائف الرئة، وتدهور في الصحة النفسية ونوعية الحياة، بما في ذلك نتائج التعليم والتوظيف، مقارنة بالأكراد الذين لم يتعرضوا للأسلحة الكيميائية
التقرير الجديد يدعو إلى تحرك عاجل لمعالجة هذا الإهمال المزمن، مطالبًا بتوفير خدمات صحة نفسية تراعي الخصوصية الثقافية، إضافة إلى برامج للبحث عن المفقودين ودعم رسمي للتعويض والرعاية المستمرة.
ويجمع باحثون وناشطون على أن غياب هذه الخدمات، لا سيما في حلبجة نفسها، يزيد من معاناة الناجين، مقارنة بمن يعيشون في دول تتوفر فيها بنية أفضل للعلاج النفسي.
بعد مرور كل هذه السنوات، لا تزال مجزرة حلبجة مجرد ذكرى أليمة. إنها جرح مفتوح في حياة آلاف الأشخاص، يحتاج إلى اعتراف ودعم حقيقيين، قبل أن تتحول الذكرى إلى مسار شفاء حقيقي، لا مجرد إحياء سنوي للألم.
أعده للعربية: علاء جمعة
تحرير: عبده جميل المخلافي
المصدر:
DW