تأسست الولايات المتحدة، ولا تزال قائمة، على أراضٍ مسروقة من السكان الأصليين، انتُزعت خلال إبادة جماعية "قومية" مستمرة. كما تأسست إسرائيل، ولا تزال قائمة، على أراضٍ فلسطينية مسروقة، انتُزعت خلال إبادة جماعية "قومية" مستمرة. في كلتا الدولتين، تُشكل الإبادات الجماعية جزءا بنيويا من الاستعمار الاستيطاني.
وكما سيتبين لاحقا، يجادل إريك تشيڤيتز، المؤرخ وأستاذ الدراسات الأمريكية بجامعة كورنيل العريقة، بأن أيديولوجية تأسيس الاستعمار الاستيطاني في أمريكا وإسرائيل تنبع من المصدر نفسه، مما يُساهم في ترسيخ علاقة طويلة الأمد بين إسرائيل والولايات المتحدة.
الاستعمار الاستيطاني هو استيلاء دولة على دولة أخرى لتوطين سكان الدولة الغازية عبر استئصال السكان الأصليين وسرقة أراضيهم. يستغل الاستعمار عمل السكان الأصليين وأراضيهم. ويسعى الاستعمار الاستيطاني دائما لإبادة السكان الأصليين أو القضاء عليهم للاستيلاء على أراضيهم. أي أن الاستعمار الاستيطاني ينطوي عادةً على الإبادة الجماعية. وهنا تُعرّف الإبادة الجماعية بطريقتين.
الأولى، كما يُعرّفها القانون الدولي في المادة الثانية من معاهدة عام 1948، وتعني أيًا من الأفعال التالية المرتكبة بقصد تدمير جماعة قومية أو إثنية أو عرقية أو دينية، كليًا أو جزئيًا، على هذا النحو:
صاغ مصطلح الإبادة الجماعية الفقيه القانوني رافائيل ليمكين في أعقاب المحرقة النازية، ويُفهم عادةً كجريمة كارثية تتجلى فيها النية والنطاق الهائل، كما في إبادة 6 ملايين يهودي بيد النازيين، أو مقتل مئات الآلاف من شعب التوتسي على يد الهوتو في الإبادة الجماعية في رواندا عام 1994.
لكن تعريف ليمكين، مع أنه يشير لجريمة مادية كارثية، يُعرّف الإبادة الجماعية بطريقة أخرى: إنها عملية يومية للتدمير الاجتماعي والسياسي لجماعة قومية:
"بشكل عام، لا تعني الإبادة الجماعية بالضرورة التدمير الفوري للأمة أو الجماعة، إلا إذا تحققت من خلال عمليات قتل جماعي لجميع أفرادها. بل يُقصد بالإبادة الجماعية الدلالة على خطة منسقة لأعمال مختلفة تهدف لتدمير الأسس الجوهرية لحياة الجماعات القومية، بهدف إبادة هذه الجماعات نفسها".
وبينما يُشير ليمكين للتعريف التقليدي بالاتفاقية، فإنه يشير أيضا لشكل تدريجي تصاعدي من الإبادة الجماعية، وهو ما يُطلق عليه باتريك وولف "الإبادة الجماعية البنيوية" -أو الهيكلية- في مقالته التأسيسية التوليدية: "الاستعمار الاستيطاني والقضاء على السكان الأصليين" (عام 2006).
وتناول ذلك أيضًا مارك ليڤاين وإريك تشيڤيتز في كتابهما: "إسرائيل وفلسطين وشِعرية الإبادة الجماعية: إعادة نظر". في هذا السياق، يُعرّف وولف "منطق الاستئصال" الذي يُشكل أساس مجتمع يفرض، على مدار وجوده، ظروفا مؤسسية تُؤدي لعدم ازدهار السكان الأصليين.
بدأ اهتمام تشيڤيتز بالاستعمار الاستيطاني بالولايات المتحدة، كباحث في الدراسات الأمريكية، يهتم بالضرورة بكيفية استيطان الولايات المتحدة واستمرار هذا الاستيطان مؤثرا على مسارها كأمة. قدّر عالم الديموغرافية راسل ثورنتون عدد السكان الأصليين، عام 1492، بخمسة ملايين ونيف نسمة فيما سيُصبح لاحقا الولايات الـ 48 السفلى. وبحلول نهاية القرن، بقي منهم نتيجة الإبادة الجماعية ربع مليون نسمة فقط، وهو ما يُطابق كلا نوعي الإبادة الجماعية المذكورين أعلاه، واحتل أراضيهم مهاجرون من دول أوروبية مختلفة.
ومن أصل 1.894 مليار فدان تشكل مساحة الولايات الـ 48 السفلى، وهي أراض كان يقطنها سكان أصليون عام 1492 وكانت متاحة لهم، فهم لا يشغلون اليوم سوى 68.5 مليون فدان، أي 3.46% فقط من الأرض المتاحة لهم أصلا.
وتخضع هذه الأراضي لنظام قانون الهنود الفيدرالي (Federal Indian Law)، وهو هيئة "قانونية" استعمارية تعود لأوائل القرن التاسع عشر، لا تقصد تحقيق العدالة بل احتواء السكان الأصليين. فمثلا، تقع مسؤولية ملاحقة جميع الجرائم الكبرى في المحميات بيد الحكومة الفيدرالية، التي يساهم حجبها للموارد الضرورية وافتقاد الحوافز بشكل كبير في ارتفاع معدلات الجريمة بمناطق السكان الأصليين.
أحد نتائج هذا التاريخ "الإبادي" المستمر بنيويا، أن السكان الأصليين -ومنهم الهنود الأمريكيون (تسمية السكان الأصليين القانونية بالولايات الـ 48)، وسكان ألاسكا الأصليون، وسكان هاواي الأصليون- هم أفقر فقراء الولايات المتحدة؛ والفقر، الذي كان يمكن للحكومة تخفيفه، يُلحق بهم أضرارا بالغة. إذ يُسجل الهنود الأمريكيون وسكان ألاسكا الأصليون أعلى معدلات وفيات بالولايات المتحدة وأدنى متوسطات الأعمار. ومعدل سجن هؤلاء السكان بسجون الولايات والسجون الفيدرالية ضعف المتوسط القومي.
بينما بلغت فكرة "القدر المحتوم" ذروتها في أمريكا القرن التاسع عشر، وهي الآن متضمنة كجزء لا يتجزأ من امتدادها الإمبراطوري
إن فلسطين المحتلة هي المنطقة الأخرى للاستعمار الاستيطاني التي يركز عليها إريك تشيڤيتز تدريسا وبحثا، وذلك لأسباب أكاديمية وسياسية وشخصية، منها تراثه الشخصي: فهو يهودي، وإحدى بناته الأربع وأبناؤها الثلاثة (أحفاده) مواطنون إسرائيليون.
وتتعلق أسبابه الأكاديمية، التي فصّلها في كتاباته، بفهمه للأجندة الأيديولوجية والتاريخية الدقيقة التي حفّزت استيطان كلٍّ من الولايات المتحدة والكيان الصهيوني، ألا وهي فكرة أو مفهوم "القدر المحتوم" الأمريكي، وله ما يُقابله في المفهوم اليهودي للشعب المختار، ويُفسَّر في الأيديولوجية الصهيونية، وليس في اليهودية التقليدية، تفسيرا يُشير لعلاقة خاصة مع إله "يهودي"، باعتبارها مطالبة بأرض فلسطين لجميع يهود العالم.
وهم للمفارقة، ليسوا صهاينة في غالبيتهم (بل إن عددا كبيرا من اليهود والمنظمات اليهودية يُعارضون الصهيونية)، تماما كما أن غالبية الأمريكيين لا يؤمنون بفكرة "القدر المحتوم" بل حتى لم يسمعوا بها. ومع ذلك، فقد استُخدمت كلتا الفكرتين، ولا تزالان تُستخدمان، بشكل أو بآخر من قِبل القوى الحاكمة لتبرير اقتلاع الشعوب الأصلية من أراضيها عبر الاستيطان الاستعماري.
الكيان الصهيوني بفلسطين يمر حاليًا بمرحلة من الاستعمار الاستيطاني تُشبه ما كانت عليه الولايات المتحدة بالقرن التاسع عشر
بينما بلغت فكرة "القدر المحتوم" ذروتها في أمريكا القرن التاسع عشر، وهي الآن متضمنة كجزء لا يتجزأ من امتدادها الإمبراطوري (كـ"أعظم قوة على وجه الأرض")، فإن الصهيونية، بشكل صريح، تُغذي التوسع الصهيوني منذ عام 1917 وحتى الآن، إذ تتجلى فيها صورة عنصرية بامتياز في عدائها للفلسطينيين (استخدام الحكومة الإسرائيلية، مثلا، في الإبادة الجماعية بغزة، تصنيف الفلسطينيين "إرهابيين" أو "حيوانات بشرية").
وبالنظر إلى الصهيونية و"القدر المحتوم" بشكل مقارن في سياق الاستعمار الاستيطاني، يقول تشيڤيتز إن الكيان الصهيوني بفلسطين يمر حاليًا بمرحلة من الاستعمار الاستيطاني تُشبه ما كانت عليه الولايات المتحدة بالقرن التاسع عشر: منطقة عسكرية من معسكرات اعتقال السكان الأصليين، أطلقت عليها الولايات المتحدة ولا تزال تسمية "محميات هندية".
أصبحت السلطة الفلسطينية أشبه بمقاول من الباطن لإسرائيل، وبالتالي ساهمت جزئيًا في إخفاء حقيقة احتلال عسكري إسرائيلي
يشير المؤرخ رشيد الخالدي إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة الآن بأنها "أرخبيل من السجون المفتوحة الكبيرة" (كتاب الهوية الفلسطينية). وفي هذا الأرخبيل، تُعرَف غزة، التي تشهد الآن إبادة جماعية كارثية مستمرة بيد إسرائيل -بشكل واسع- بأنها "أكبر سجن مفتوح في العالم". وهكذا، تُشكل الضفة الغربية والقدس الشرقية أراضٍ مجزّأة تحت الحكم العسكري الإسرائيلي، بدعم من سلطة فلسطينية متعاونة "يزداد الوضع سوءًا فيما يتعلق بحل الدولتين بسبب أوهام يغذيها خيال سلطة فلسطينية أُنشئت بموجب اتفاقيات أوسلو 1993. فهي في الواقع هيئة افتراضية لا تملك سيادة ولا ولاية قضائية ولا سيطرة نهائية. بكلمات أخرى، هي سلطة لا تملك سلطة حقيقية على أي شيء… لقد أصبحت السلطة الفلسطينية أشبه بمقاول من الباطن لإسرائيل، وبالتالي ساهمت جزئيًا في إخفاء حقيقة احتلال عسكري إسرائيلي يسيطر سيطرة أمنية كاملة على جميع هذه الأراضي، ويهيمن هيمنة تامة على الأرض وجميع الموارد الأخرى بالضفة الغربية المحتلة منذ عام 1967″.
ترتبط الأسباب الاستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط، التي تبرر علاقاتها الوثيقة بإسرائيل كـ"ديمقراطية وحيدة" بالمنطقة، بالتقارب الأيديولوجي والتاريخي بين البلدين، والذي عززته القوة المالية والأيديولوجية للوبي الإسرائيلي بالولايات المتحدة.
تساعدنا دراسة مقارنة للاستعمار الاستيطاني بفلسطين وأمريكا الشمالية على فهم سبب تورط البلدين بشكل وثيق ومدمر، لفهم كيفية تشابك "الاستثنائية" الأمريكية والإسرائيلية.
يفهم تشيڤيتز مصطلح "الاستثنائية" باعتباره الطريقة التي تُصوّر بها الولايات المتحدة وإسرائيل تاريخهما كاستثناءات للتاريخ الاستعماري الإمبريالي الذي قاد مسار أوروبا الغربية، بينما هما في الواقع امتدادٌ لهذا التاريخ. في كتاب "الدولة اليهودية" أو (بالألمانية "دولة اليهود"، عام 1896)، الذي يُعدّ كتاب الصهيونية "المقدّس" في تصورها لوطن قومي لـ "الشعب اليهودي"، يطرح تيودور هرتزل هذا الامتداد واضحا: "فلسطين هي موطننا التاريخي الذي لا يُنسى… ينبغي أن نُشكّل فيها جزءا من حصن أوروبا بمواجهة آسيا، معقلا للحضارة في وجه البربرية".
يضع تشيڤيتز عبارة "الشعب اليهودي" بين علامتي تنصيص، لأن جميع التجمعات القومية هي في جوهرها "تخيلات"، أي أنها مجرد بنى تُقدّم سردا حول أصل مشترك، أو أسطورة، لوحدة شعب متصارع أو متنوع ثقافيا واجتماعيا وسياسيا، يجمعه قانونٌ واحد.
في كتابه "اختراع الشعب اليهودي"، يشير المؤرخ الإسرائيلي بجامعة تل أبيب، شلومو ساند، إلى أن "العهد القديم" يُقدّم أسطورة تجانس قومية للحركة الصهيونية وإسرائيل كرمز تأليهها القومي؛ و"عندما هددت بعض الاكتشافات الآثارية صورة التاريخ اليهودي المتصل والمتسلسل خطيا، فإنها نادرا ما يستشهد بها؛ وعندما ظهرت، سُرعان ما طواها النسيان. لقد خلقت الضرورات القومية قبضة حديدية منعت أي عدول عن الروايات السائدة".
يقارن جابوتنسكي الاستيطان الصهيوني في فلسطين بالاستيطان الأوروبي في الأمريكتين، وكما هو متوقع، يُضفي عليهما هالة من المثالية
والمفارقة، أن الزعيم الصهيوني الفاشي، فلاديمير (زئيف) جابوتنسكي (عام 1880-عام 1940)، أقرّ بالتشابه بين الأمريكيين الأصليين والفلسطينيين العرب، وإن كان ذلك بطريقة عنصرية تماما. ففي مقالته التأسيسية "الجدار الحديدي" (عام 1923)، والتي أصبحت بشكل كبير سياسة إسرائيلية متواصلة -حيث يُطلَق مثلا على برنامج إسرائيل الحالي للتطهير العرقي بالضفة الغربية اسم "عملية الجدار الحديدي"، ويمثل جدار الفصل العنصري بالضفة الغربية تجسيدا حرفيا للفكرة- وبينما يُعبّر جابوتنسكي عن رغبته في العيش بسلام مع عرب فلسطين، رغم إصراره على قيام دولة ذات أغلبية يهودية، فإنه، على نقيض ذلك، لا يرى سبيلا لتحقيق هذا التعايش السلمي إلا بالحرب.
في معرض دفاعه عن "الجدار الحديدي"، يقارن جابوتنسكي الاستيطان الصهيوني في فلسطين بالاستيطان الأوروبي في الأمريكتين، وكما هو متوقع، يُضفي عليهما هالة من المثالية: "لكن هؤلاء "المستكشفين العظماء"، الإنجليز والأسكتلنديون والهولنديون الذين كانوا الرواد الحقيقيين الأوائل لأمريكا الشمالية، كانوا أناسًا يتمتعون بمستوى أخلاقي رفيع؛ أناس لم يرغبوا فقط في ترك الهنود الحمر يعيشون بسلام، بل كانوا يشفقون حتى على الذباب؛. لكن السكان الأصليين قاوموا المستوطنين المتوحشين والمتحضرين على حد سواء بنفس القدر من القسوة".
في الوقت ذاته، يُظهر جابوتنسكي ازدواجية استيطانية نموذجية تجاه السكان الأصليين، إذ يُشيد بروحهم المقاومة، وفي الوقت نفسه يُشير لدونيتهم المتأصلة قائلا: "ثقافيًا، يتخلف العرب عنا بـ 500 عام؛ وروحيًا، لا يملكون قدرتنا على التحمل ولا قوة إرادتنا، لكن هذا يستنفد كل الفروقات الداخلية". في خيال المستوطنين، يُمكن ببساطة اعتبار العرب المقابل المحلي لسكان الأمريكتين الأصليين.
هنا، إذن، في بداية المشروع الصهيوني في فلسطين، نرى نتاج النزعة العسكرية والعنصرية منذ وعد بلفور عام 1917، والتي مهّدت الطريق للإبادة الجماعية بغزة والتوسع الإسرائيلي، بدعم كامل من حكومة الولايات المتحدة. تمحو كلمات جابوتنسكي الإبادة الجماعية لسكان أمريكا الأصليين، وهي بعد انتهاء محرقة السكان الأصليين بنهاية القرن التاسع عشر، لا تزال مستمرة بنيويا، كما الإبادة الجماعية في فلسطين، بشكلها البنيوي منذ عام 1917، واتخذت الآن شكلاً كارثيا صريحا منذ عام 1948.
اعتراف جابوتنسكي المبكر بأنّ اليهود مستوطنون والعرب سكان أصليون (لكنه لا يعترف بالوضع القومي المحتمل لـ"الفلسطينيين") يتناقض مع الشعار الصهيوني المبكر "أرض بلا شعب لشعب بلا أرض". لكن مع بناء الصهيونية جدارها الحديدي بفلسطين، وتحويلها القسري عام 1948 للأراضي الفلسطينية إلى "إسرائيل"، فإن هذا الشعار الذي يردده الإسرائيليون تقَصّد محو التاريخ الحقيقي للاستعمار الاستيطاني، وأتاح مثلا لرئيسة الوزراء الإسرائيلية لاحقا غولدا مائير من القول عام 1969: "لم يكن هناك شيء اسمه فلسطينيون… لم يوجدوا أصلا"، عندما بدأ اليهود الاستيطان بفلسطين تحت راية الصهيونية.
يخلص تشيڤيتز، هكذا هم في إنكار لتاريخهم الاستيطاني المستمر، تدّعي الغالبية العظمى من الإسرائيليين اليوم أنهم سكان فلسطين الأصليون، وأن لهم علاقة حصرية بالأرض، باعتبارهم "الشعب المختار". هذا الادعاء، سواء في أمريكا الشمالية أو فلسطين، يستخدم لتبرير الإبادة الجماعية.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة