في جناح دار موزاييك للدراسات والنشر، وضمن فعاليات الدورة الاستثنائية لمعرض دمشق الدولي للكتاب التي اختتمت الاثنين الماضي، وقعت الكاتبة السورية غفران طحان روايتها "فاصلة بين نهرين"، والتي صدرت عام 2021 قبل أن تجد أخيرا طريقها إلى القراء في دمشق.
غفران حاصلة على ماجستير في اللغة العربية وآدابها من جامعة حلب. صدرت لها مجموعة من الأعمال القصصية وهي: "حلم يغفو على مطر" (2011)، و"عالم آخر يخصني" (2014)، و"حلم يغفو على مصر" (2015)، و"أزرق رمادي" (2020)، و"ضوء في الشرفة" (2021)، إضافة إلى روايتها البكر "فاصلة بين نهرين" (2021).
ويتحرك أسلوب طحان بين الرمزية والواقعية الاجتماعية والنفسية في محاولة لقراءة تحولات مدينتها حلب خلال السنوات الماضية، ورصد أثر الحرب على الإنسان السوري وسلوكه وهواجسه.
وبمناسبة توقيع الرواية للمرة الأولى في دمشق، تحاور الجزيرة نت الكاتبة السورية غفران طحان للحديث عن تجربتها الأدبية، وروايتها الأولى، ودور الأدب في المرحلة السورية الراهنة، ورؤيتها للمشهد الثقافي السوري اليوم في ظل المتغيرات السياسية والاجتماعية المتسارعة.
إلى نص الحوار:
حلم كبير! بل أستطيع أن أقول إنني كنت أعتبره محض هذيان، فأن أحصل على نسخة ورقية من الرواية لأهديها إلى صديق يقيم في سوريا كان أمرا صعب التحقق.
حين عرفت بمشاركة دار موزاييك للنشر في معرض الكتاب، وعندما أخبرني الصديق محمد العثمان صاحب الدار بأنني سأوقع الرواية في المعرض، شعرت بمشاعر مختلطة من الفرح والغبطة والامتنان، ومعها شعور بالحقد على الواقع الذي كنا نعيشه، والذي أخر لقائي مع روايتي وأصدقائي كل هذه السنين.
حرية الكلمة لا مساومة فيها ولا محاباة، وهي المساحة التي ستهدي ظلام ما يمكن أن نمر به
هذا العنوان اللافت لم أصدقه في البداية، فهذه سوريا التي نعرفها، ولا ريب سنجد بعض الكتب ممنوعة، ولكن الواقع كان أصدق مما توقعت، وجدت كتبا كثيرة متنوعة ومتباينة، فمن كتب تحمل الفكر الشيوعي إلى كتب إسلامية متشددة، إلى كتب علوم وأدب وتاريخ.
كتب في كل المجالات وأسماء كثيرة ما زالت رافضة للسلطة الجديدة كانت كتبها على رفوف المعرض لتشهد أن الكلمة يجب أن تصل، وأن حرية الكلمة لا مساومة فيها ولا محاباة.
بهذا تؤكد سوريا أنها تسير على الطريق الصحيح، وإن تعثرنا سنجد من خلال حرية الفكر والتفكير والقراءة والكتابة مساحة من ضوء ستهدي ظلام ما يمكن أن نمر به.
وحدها الثقافة الحقيقية والحرية الفكرية يمكن أن تنتج جيلا قادرا على تجاوز الصعاب، وقادرا على محاربة التنميط، وقادرا على الوقوف في وجه الاستبداد كائنا من كان حامله.
نحن أمام تحول يتمثل في المواجهة، في التواصل الحقيقي بين القارئ والكاتب، في حرية النقد والبحث في مدلولات العمل، نحن أمام انفتاح على رؤى وتوجهات مختلفة، سنجد واقعا مختلفا لم نتعوده لذلك صارت مسؤوليتنا أكبر في ترسيخ مفاهيم الحرية والعدالة والمساواة، ومفاهيم الحريات المجتمعية والانسجام مع حرية الفكرة التي ننادي بها، وبالتالي تقبل النقد والتواصل الفاعل.
المسؤولية كبيرة في الابتعاد عن الانسياق وراء شعارات أو انتماءات سياسية، المسؤولية تدفعنا لنقل العلاقة إلى مستوى أكثر انسجاما مع الإبداع وتفعيل فكرة الأدب الحي المنتمي لواقعه، والمؤسس لمستقبل تعلو فيه الفكرة والكلمة أمام أي تحديات أخرى.
لم أكتب الرواية هربا من القصة، ولم أفكر يوما بأنني سأتجاوز فكرة أنني قاصة، ولكن هناك الكثير من الأفكار التي تفرض نفسها وتفرض طريقة صوغها وطريقة كتابتها، فكما أن هناك أفكار يمكن اختصارها في قصة قصيرة جدا، هناك أفكار واسعة تريد أن تتشكل في قالب سردي طويل.
ليست روايتي فاصلة بين نهرين رواية عادية وطويلة ومتأنية، هي رواية سريعة اعتمدت فيها على تقنيات القص أيضا، فجاءت في قالب روائي سريع ولاهث. أحداثها تدور في يوم واحد، ولكن ذاكرة الراويين البطل نورس والبطلة سوسنة تعود في الزمن إلى الثمانينيات وبدايات الثورة عام 2011. وتناوب الراويان في حكاية الأحداث فجاءت الرواية في قالب تجريبي مختلف لم يخل من الرمز الذي اتكأت عليه خوفا من أعين النظام السابق.
الحرب جعلت من أهل المدينة أشباحاً يتواصلون بمحاولات بائسة لإكمال الحياة رغماً عنهم
كانت حلب في تلك المرحلة تعيش واقعا أكثر صعوبة مما يمكن تخيله، ربما هو واقع أكثر وجعا من فترة الاقتتال التي شهدتها مدينة حلب خلال وجود الثوار في حلب وانقسامها إلى قسمين.
غلاء فاحش، دمار مرعب، خوف وارتفاع لنسبة "التشبيح" عند أنصار النظام السابق ومريديه، وانطفاء الحلم عند الثوار، نزوح أهل المدينة واستعمارها من غرباء لا نعرف من هم. كل هذا جعل من أهل المدينة أشباحا يتواصلون بمحاولات بائسة لإكمال الحياة. انتشرت الأمراض النفسية وتحول الناس إلى أشخاص عصابيين يعيشون حياتهم رغما عنهم.
كل هذه التجليات المؤلمة جعلتني أرى شخصية نورس التي تشبهني في كثير من المواقف، وحتى شخصية سوسنة كانت جزءا مني أيضا، فكان لهما أن يولدا من رحم الحزن الذي خزنته، والألم الذي عشته على مدينة أعشقها.
النهر الأول هو الحياة قبل الولادة، والثاني هو الموت، وبينهما فاصلة صغيرة هي الحياة التي نعيشها
العنوان من أكثر الأشياء التي توقفت عندها طويلا قبل اعتماده، ولكن منذ البدء بالعمل كانت فكرة النهرين في بالي، النهر الأول هو الحياة قبل الولادة، والنهر الثاني هو الموت، وبينهما مجرد فاصلة صغيرة هي الحياة التي نعيشها.
لا يمكن الفصل بين الرمزية والواقعية في الأدب عموما، وفي الأدب السوري تحديدا، فالحياة التي كنا نعيشها في ظل حكم نظام استبدادي ظالم كانت تفرض علينا اللجوء إلى الرمز والاعتماد عليه، وبالتالي ربطه بالواقع.
لذلك كان الرمز مساحة واسعة يمكن اللجوء إليها والواقع النفسي والاجتماعي مساحة أكثر اتساعا، فكان الربط بين الأمرين أشبه بنقد لاذع للسلطة الحاكمة التي تجعل من حياة الإنسان السوري مجرد محاولة بائسة للاستمرار.
لا تخلو معظم شخصيات قصصي أو حتى الرواية كما أشرت من جزء مني، لذلك كان الذاتي المنتمي إلى واقع متألم ملتصقا بالاجتماعي والرمزي. وكان الواقع النفسي في ظل الحرب مسيطرا على معظم ما كتبته.
الموت هو الثيمة الأكثر حضورا في هذه المجموعة أعترف، فقد تحول خلال 14 عاما إلى صديق حميم للسوريين، صار ملازما لهم بكل تنوعاته، لم يترك السوري طريقة للموت إلا وجربها مع الأسف، فكانت تجلياته أقسى وأعمق من أي محاولة لإخفائها.
أما عن سر اللونين فقد كنت أرمز للموت بالرمادي هذا اللون المحايد الذي لا يعرف الميل لأي جهة، فالموت على وجعه وقهره ولؤمه هو قدر سنلاقيه ويلاقينا لذلك كان حاضرا كشخصية في عدد من القصص. أما الأزرق فقد كان الإشراقة الجميلة التي تتجلى في الحب والأمل ومحاولات الحياة.
بدأت المرحلة بتفاؤل كان جديدا علي، ولكنني وبعد أحداث الساحل والسويداء عدت لواقعيتي التي تقرأ الواقع وتبني عليه. سوريا ما زالت تحبو وتحاول أن تكون وهذا ما نرجوه لها. نبحث عن الحياة الكريمة والعدالة والمواطنة وكل ما يضمن للإنسان حقه، نبحث عن سوريا التي نحلم بها.
لا ريب أن المرحلة صعبة وتحتاج الصبر والانتظار وهذا ما نحترفه نحن السوريين "نحترف الحزن والانتظار" ولكننا ننتظر بنفس أكثر تفاؤلا فالحلم الذي تحقق بسقوط الطاغية يجعلنا نحلم بالأجمل.
بدأت بالعمل على رواية جديدة، وهناك مجموعة قصصية أنجزت معظم قصصها في هذه المرحلة، وسأحاول نشرها في أقرب فرصة.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة