"إذا أردت أن تفهم الكائن البشري، فعليك أولا أن تفهم ‘اللعب'"؛ بهذه العبارة تستهل الكاتبة "كيزا ماكدونالد" كتابها الجديد "سوبر نينتندو" (Super Nintendo)، مستندة إلى أطروحة يوهان هويزينغا الكلاسيكية حول "الإنسان اللاعب".
وتضيف: "وإذا أردت أن تفهم اللعب وتجلياته في عالمنا المعاصر، فعليك أن تفهم ألعاب الفيديو.. أما إذا أردت فهم ألعاب الفيديو حقا، فلا وجهة لك سوى ‘نينتندو'".
بصفتها محررة ألعاب الفيديو في صحيفة "الغارديان" (The Guardian) البريطانية، ومن منطلق شغفها المبكر بهذه الشركة اليابانية العملاقة، تقدم ماكدونالد دليلا ثريا وشاملا. فهي لا تكتفي بكونها واحدة من أبرز الصحافيات في هذا المجال، بل تمتلك معرفة موسوعية بصناعة الألعاب وصُنّاعها.
ما نراه هنا هو نص ينساب بسلاسة، محمل بفيض من المعلومات الموثقة، ولا يخلو من حماسة "المعجبة" الوفية، وإن كان يتأرجح أحيانا في منطقة وسطى مرتبكة بين "التأريخ المؤسساتي" و"النقد الثقافي".
تتبع الفصول تسلسلا زمنيا مرنا، حيث يتناول كل فصل لعبة أو "سلسلة" بعينها مثل سوبر ماريو، وزيلدا، وبوكيمون، مستعرضاً ظروف نشأتها، والمؤثرات التي شكلتها، وبصمتها في هذه الصناعة، وما مثّلته وجدانيا لمن لعبوها.
وتقرّ ماكدونالد بأن "نينتندو" تبدو اليوم استثناء في سوق الألعاب؛ فهي غالباً ما تكون الأقل تفوقاً من حيث "العتاد التقني" (Hardware) مقارنة بمنافسيها، كما أنها تمسكت بجماليات طفولية وفانتازية في وقت تنزع فيه صناعة الألعاب نحو العوالم المظلمة والعنيفة الموجهة للبالغين.
قد تبدو للناقد العابر كأنها شركة هامشية أو "نوستالجيا" (Nostalgia) غارقة في الماضي.
لكن الكاتبة تبرهن ببراعة على أن "الخلطة السرية" لنينتندو تكمن في إعلاء قيمة "أسلوب اللعب" (Gameplay) أو ما نسميه "المتعة الصرفة" فوق كل اعتبار.
وترى في إخفاقات الشركة العارضة دليلا على إصرارها على اجتراح أفكار بكر بدلاً من الهرولة خلف "الصرعات السائدة" كما يفعل المصنعون الآخرون.
عندما نجحت ابتكارات نينتندو، غيرت وجه العالم الافتراضي للأبد. فلعبة "دونكي كونغ" (Donkey Kong) كانت هي حجر الأساس لألعاب المنصات (Platformers).
أما سلسلة "زيلدا" فقد كانت الرائدة إعجازيا في نمط "العالم المفتوح" (Open World) تلك المساحات الافتراضية الشاسعة التي تمنحك حرية الاستكشاف بدلاً من السير في مسارات محددة سلفا. كما أعاد جهاز "وي" (Wii) بصمة التواصل الإنساني للألعاب؛ فبدلاً من انعزال الأطفال في غرفهم للعب "فورتنايت" (Fortnite)، عادت الأسرة لتجتمع حول "تنس وي" (Wii) في طقس عائلي جماعي.
تنبض ألعاب نينتندو بالمفاجآت والدهشة؛ مستلهمة من ذكريات الطفولة لمصمميها. وخلافاً للصورة النمطية لـ "اللاعب" ككائن منعزل، فإن أفضل عناوين الشركة تحفز التواصل البشري. فلعبة "بوكيمون" لا تكتمل متعتها منفردا، ولعبة "أنيمل كروسينغ" (Animal Crossing) وفرت فضاءً من المؤانسة والسكينة الجماعية إبان فترات الإغلاق في الجائحة.
صناعة لعبة فيديو تجمع بين كل ما هو صعب في بناء جسر، وكل ما هو شاق في تأليف أوبرا
تشير ماكدونالد إلى أن نينتندو لم تفقد قط بوصلتها كشركة "صناعة ألعاب" بالمعنى التقليدي، علماً بأنها بدأت ببيع أوراق اللعب في أواخر القرن التاسع عشر.
وتتميز الشركة بمعدل استبقاء موظفين مرتفع بشكل استثنائي، مما يتيح للمصممين الشباب العمل جنبا إلى جنب مع عمالقة الجيل السابق، أمثال شيغيرو مياموتو (مبتكر ماريو).
تدرك الشركة أن تصميم الألعاب هو تفاوض مستمر بين المهندس والبرمجي والمصمم؛ بين القيد التقني والحرية الفنية. وكما يقول "فرانك لانتز" من مركز ألعاب جامعة نيويورك: "صناعة لعبة فيديو تجمع بين كل ما هو صعب في بناء جسر، وكل ما هو شاق في تأليف أوبرا.. الألعاب هي ببساطة أوبرات مصنوعة من جسور".
يغوص الكتاب في تفاصيل مدهشة: هل كنت تعلم أن "زيلدا" سُميت تيمناً بـ "زيلدا فيتزجيرالد"؟ أو أن الفولكلور الياباني يتغلغل في هذه الأساطير الإلكترونية؟ أو أن "ماريو" الذي كان في عام 1990 أكثر شهرة لدى الأطفال الأمريكيين من ميكي ماوس بدأ حياته كنجار تحت اسم "جامب مان" (رجل القفز) قبل أن يصبح السباك الأشهر في العالم؟
رغم أن الكتاب يغرق أحيانا في تفاصيل "تكنو-إدارية" قد تبدو مملة للقارئ غير المتخصص، إلا أن تلك هفوة تغتفر في حضرة شغف الكاتبة. ماكدونالد، كإصداراتها المفضلة، تدرك روعة الضياع في تلك العوالم الافتراضية الزاهية.
هذا كتاب ينضح بالحب؛ انطح رأسك به كما يفعل ماريو بصناديق الحظ وانظر إن كانت ستمطرك منه "عملات ذهبية" من المعرفة والمتعة.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة