تداول نشطاء وصفحات متخصصة في الشأن التعليمي، بشكل واسع خلال الأيام القليلة الماضية، أنباء تفيد بتوقف جلسات الحوار القطاعي بين الوزارة الوصية والفرقاء الاجتماعيين ودخولها مرحلة المقاطعة، وهي المعطيات التي وإن لم تأخذ طابعا رسميا إلا أنها سلطت الضوء على حالة الجمود التي تطبع المشهد التعليمي حاليا، حيث تأتي هذه الأخبار المتضاربة في وقت توصف فيه اللقاءات القائمة بأنها تقنية محضة تدور في فلك تنزيل النصوص دون أن تلامس القرارات السياسية الحاسمة، مما حول مسار التفاوض إلى حالة من الانتظار المشوب بالحذر.
وبرزت في سياق هذا الجمود دعوات ملحة تضع شهر مارس المقبل كسقف زمني أقصى وأجل نهائي لحسم الملفات التي ظلت عالقة ضمن اتفاقات دجنبر، حيث تتجه الأنظار صوب الوزارة لتقديم أجوبة عملية حول قضايا ذات أثر مالي وإداري مباشر، وفي مقدمتها صرف التعويضات التكميلية لعشرات الآلاف من الموظفين والحسم في ملف ساعات العمل والإفراج عن النصوص التنظيمية الخاصة بفئات محددة، وهي الملفات التي يعتبر عدم الالتزام بأجندتها الزمنية مؤشرا على تعثر الحوار، خاصة مع اقتراب نهاية الولاية الحكومية الحالية.
وتعدت سقف الانتظارات حدود الملفات الكبرى ليشمل جملة من الالتزامات التي لم تجد طريقها للتنفيذ بعد، بدءا من تسوية وضعيات إدارية لفئات مختلفة وصولا إلى تفعيل تعويضات المناطق النائية ومؤسسات الريادة، إذ بات استقرار الموسم الدراسي ورهان السلم الاجتماعي بالقطاع موضع تساؤل أمام استمرار غياب أجوبة مفصلة ومجدولة زمنيا، وذلك في ظل تلويح ضمني بإمكانية العودة إلى خيار التصعيد الميداني إذا ما انقضت المهلة المحددة دون تحقيق نتائج ملموسة تنهي حالة الترقب الحالية.
لا مقاطعة للحوار وتحذير من التراجع
وفي هذا السياق، كشف الصادق الرغيوي، الكاتب الوطني للنقابة الوطنية للتعليم العضو في الفيدرالية الديمقراطية للشغل، حقيقة ما تم ترويجه مؤخرا عبر منصات التواصل الاجتماعي بخصوص اتخاذ النقابات التعليمية قرارا يقضي بمقاطعة جلسات الحوار مع وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، ووضع شروط محددة لاستئنافه، مؤكدا أنه اطلع بنفسه على هذه الأنباء المتداولة لكنها تظل مجرد شائعات.
وأكد المسؤول النقابي، في تصريح لجريدة “العمق”، أن هيئته لم تتخذ هذا الموقف إطلاقا، كما أنها لم تتفق مع باقي الشركاء في النقابات التعليمية الأخرى على خطوة من هذا القبيل لبلورة موقف المقاطعة، مشددا على أن هذا القرار غير موجود في الواقع ولم يتم اتخاذه، وذلك رغم انتشاره بشكل واسع وكبير في صفحات مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة.
وأوضح المتحدث ذاته، بخصوص الرسالة الموجهة للوزارة الوصية في ظل الأشهر القليلة المتبقية من عمر الولاية الحكومية الحالية، أن النقابة وضعت أجندة محددة باتفاق مع الوزارة تهم برمجة اللقاءات وتنزيل القرارات، مشيرا إلى أن الشرط الوحيد والأساسي الذي تضعه النقابة أمام المسؤولين هو الالتزام الحرفي بكل ما تم الاتفاق عليه سابقا، سواء من حيث الأجندة الزمنية المحددة أو من حيث مضامين تنزيل القرارات.
وأشار الرغيوي إلى أنه رغم تحقق الكثير من النقاط في مسار الحوار، إلا أنه لا يزال هناك الكثير من الانتظارات، والأهم منها هو ما يتعلق بالجانب المادي والجانب المعنوي للشغيلة التعليمية، مبرزا أن الوزارة مطالبة بالوفاء بالتزاماتها كاملة في هذا الشأن.
وشدد الكاتب الوطني للنقابة الوطنية للتعليم على وجود ملفات عالقة لم تستجب الوزارة لها بعد، وعلى رأسها التعويض التكميلي وتقليص ساعات العمل، بالإضافة إلى الاتفاق الخاص بإصدار النظام الأساسي للأساتذة المبرزين، لافتا إلى أن هذا الملف الأخير وصل إلى مرحلة الصياغة النهائية، لكن يظهر حاليا أن هناك تراجعا أو شبه تراجع من طرف الوزارة عن إخراجه وفق ما تم الاتفاق عليه.
مهلة مارس لحسم التعويضات
من جانبه نفى يونس فيراشين، الكاتب العام للنقابة الوطنية للتعليم المنضوية تحت لواء الكونفدرالية الديمقراطية للشغل، صحة الأنباء التي تم تداولها مؤخرا بخصوص اتخاذ النقابات التعليمية قرارا يقضي بمقاطعة الحوار مع وزارة التربية الوطنية ووضع شروط لاستئنافه، موضحا أن الحوار مع الوزارة غير موجود عمليا في الوقت الراهن حتى تتم مقاطعته، ومشيرا إلى أن ما يجري حاليا هو مجرد اشتغال للجان تقنية على تنزيل مقتضيات النظام الأساسي، وهي لجان لم تعد تنتج شيئا ملموسا بخصوص القضايا العالقة.
وأكد المسؤول النقابي، في تصريح صحفي، أن نقابته عبرت خلال اجتماعها الأخير مع الكاتب العام للوزارة عن حاجتها الملحة لعقد لقاء مباشر مع وزير التربية الوطنية، وذلك من أجل الحصول على أجوبة سياسية واضحة حول ملفات كبرى لا تزال عالقة، وفي مقدمتها ملف التعويض التكميلي، وتخفيض ساعات العمل، وإخراج النظام الأساسي الخاص بالأساتذة المبرزين، مشددا على ضرورة التنفيذ الكامل والآني لكل ما ورد في اتفاقي 10 و26 دجنبر، وكذا مقتضيات النظام الأساسي الجديد.
وأوضح المتحدث ذاته أن النقابات حددت سقفا زمنيا لا يتجاوز نهاية شهر مارس الجاري لإنهاء هذا المسار، حيث يجب أن تكون الحكومة قد نفذت بحلول هذا التاريخ كافة التزاماتها العالقة بشكل نهائي، مبرزا أن الاستمرار في حوار مفتوح إلى ما لا نهاية دون نتائج ملموسة هو أمر غير مقبول، خاصة وأن الحكومة الحالية تعيش أشهرها الأخيرة من ولايتها الانتدابية، وبالتالي فهي ملزمة بتنفيذ تعهداتها قبل رحيلها.
وأشار فيراشين إلى أن القضايا الأساسية التي لم تنفذها الوزارة إلى حدود الساعة هي تلك التي تتضمن تكلفة مالية، وعلى رأسها التعويض التكميلي الذي يهم فئة واسعة من الشغيلة التعليمية تقدر بأكثر من 200 ألف موظف وموظفة، معتبرا أن تصريح الوزير الأخير في البرلمان بكون هذا التعويض “سيأتي يوما ما” هو جواب غير مقبول، ومؤكدا أن الحوار الحالي إذا استمر بهذه الوتيرة فهو “حوار من أجل الحوار” وغير مسؤول ما لم يفض إلى نتائج حقيقية.
الحوار مستمر ومشروط بحسم الملفات العالقة
بدوره نفى عبد الله غميمط، الكاتب الوطني للجامعة الوطنية للتعليم (FNE)، بشكل قاطع، الأنباء المتداولة حول مقاطعة النقابات للحوار مع وزارة التربية الوطنية، مؤكدا أن الحوار لا يزال مستمرا، لكنه مشروط بتقديم الوزارة لأجوبة حاسمة وواضحة حول الملفات المطلبية العالقة قبل حلول شهر مارس المقبل.
وأوضح غميمط في تصريح لجريدة العمق، أن اللقاء الأخير الذي جمع النقابات بالوزارة يوم 13 يناير 2026، شهد رفضا قاطعا لاستمرار الحوار في غياب التزامات محددة زمنيا، مشيرا إلى أن النقابات شددت على أنه لا معنى لمواصلة الجلسات دون حسم الوزارة في القضايا الجوهرية التي تتطلب قرارات سياسية.
وكشف المتحدث ذاته أن هذه القضايا تشمل صرف التعويض التكميلي لأساتذة التعليم الابتدائي والإعدادي والأطر المختصة، والمتصرفين والأطر المشتركة ومتصرفي التربية الوطنية، والتعويض الخاص للمساعدين التربويين، وحسم ملف ساعات العمل، والتعويض عن العمل في المناطق النائية، بالإضافة إلى إخراج النظام الأساسي الخاص بهيئة المبرزين إلى حيز الوجود.
وأضاف غميمط أن الوزارة لم تف بالعديد من الالتزامات المنصوص عليها في اتفاقي 10 و26 دجنبر، مستدلا بعدم إدراج ملف التعويض التكميلي في الحوار المركزي خلال أبريل 2024 كما وعد الوزراء الثلاثة خلال الحوار الاجتماعي في دجنبر 2023، وتأخر الحسم في ملف ساعات العمل الذي كان مقررا في شتنبر 2024، وتأخر تطبيق التعويض عن المناطق النائية الذي كان يفترض أن يبدأ في نفس التاريخ.
وأشار المصدر نفسه إلى أن تعهدات أخرى ظلت حبرا على ورق، من بينها ملف الدكاترة العاملين بالقطاع الذي كان يفترض تسوية وضعية 600 منهم سنة 2024، مع تسوية ما تبقى منهم في دفعتي 2025 و2026، وصرف زيادة 500 درهم للمساعدين التربويين ابتداء من فاتح يناير 2024، وتسوية التعويض التكميلي للمتصرفين والأطر المشتركة.
وتابع غميمط أن الجامعة الوطنية للتعليم، ومعها باقي النقابات، تنتظر من الوزارة عقد الاجتماع المقبل وتقديم أجوبة نهائية ومفصلة بأجندة دقيقة، تتضمن المبالغ المالية وتواريخ المفعول الإداري والمالي للتعويضات، والتسريع بتسوية الملفات التدبيرية التي تشمل الرتب والترقيات لعامي 2023 و2024، والتعويض التكميلي، وتغيير الإطار، إضافة إلى إنصاف المقصيين من خارج السلم سابقا من متقاعدين ومزاولين، والإسراع بإنصاف ضحايا النظامين وضحايا المادتين 81 و87، وجبر ضرر المتصرفين التربويين ضحايا الترقيات برسم سنوات 2021 و2022 و2023، واعتماد تاريخ فاتح يناير 2024 كتاريخ للتسوية المادية والمالية للناجحين في المباراة المهنية، والتفاعل الجدي مع مطالب حذف الدرجتين الخامسة والرابعة للمساعدين التربويين والترقية بالشهادة داخل الإطار نفسه لهم وللأطر المختصة، ومطالب المهندسين العاملين بالقطاع، محذرا من أنه في حال عدم تحقيق ذلك، فإن الهيئات النقابية ستتخذ القرارات النضالية المناسبة.
واعتبر أن الحكومة والوزارة لم تكونا في مستوى المسؤولية السياسية عبر عدم الالتزام الدقيق بالآجال المحددة في الاتفاقات الموقعة، مما فرض على العديد من فئات الشغيلة التعليمية خوض نضالات متواصلة لتوقيع الاتفاقات، ثم نضالات أخرى لأجرأتها، وتليها نضالات لتصحيح الاختلالات الناتجة عن تنزيلها.
وتطرق الكاتب الوطني للجامعة الوطنية للتعليم إلى ضرورة عقد حوار اجتماعي قطاعي حول الملف المطلبي لأساتذة التعليم الأولي والأطر الإدارية والمشرفين التربويين، وعرج على ملف مؤسسات الريادة، مؤكدا أن النقابات طالبت بضرورة استفادة هيئة التدريس من تعويض عن الأعباء الإضافية المترتبة عن هذا المشروع، إسوة بباقي الفئات كالمفتشين وأطر الإدارة التربوية، لأن جل المهام المنوطة بهم داخل مؤسسات الريادة تعتبر مهاما تقنية خارج اختصاصاتهم الأصلية.
المصدر:
العمق