تعكف وزارة الصحة والحماية الاجتماعية بالمغرب على إعداد مشروع مرسوم يخوّل للمنظومة الصحية الوطنية إمكانية الاستعانة بخدمات المهنيين بالقطاع الخاص، في إطار تطبيق مقتضيات القانون الإطار رقم 06.22 المتعلّق بالمجموعات الصحية الترابية.
وأوضحت الوزارة، في عرض حول وضعية تنفيذ اتفاق 23 يوليوز 2024، أن مشروع المرسوم سيؤطر تخويل المجموعات الصحية الترابية إمكانية الاستعانة بخدمات مهنيي القطاع الخاص كلما دعت الحاجة إلى ذلك، مع تقييد هذه الاستعانة بضوابط وقيود قانونية وواقعية.
إلى ذلك، يفيد العرض ذاته، الذي قدّم لقيادي التنسيق النقابي بقطاع الصحة، باشتغال مصالح الوزارة، بالموازاة، على مشروع قرار لوزير الصحة والحماية الاجتماعية بتحديد نموذج العقد الذي يبرم بين المجموعة الصحية الترابية والأطباء وأطباء الأسنان المزاولين بالقطاع الخاص.
ويرتقب أن يتضمن نموذج العقد “الحقوق والالتزامات المكفولة للطرفين المتعاقدين، ومنها ساعات العمل والخدمة المطلوبة والأجر المتفق عليه والعقوبات المقررة في حالة الإخلال بأحد بنود العقد”.
قال عادل عوين، عضو المكتب الوطني للجامعة الوطنية للصحة: “من حيث المبدأ، لا أحد يجادل في أن المنظومة الصحية تعاني خصاصا بنيويا في الموارد البشرية، وأن الاستعانة المؤطرة بالقطاع الخاص قد تُطرح كحل ظرفي لتأمين استمرارية الخدمات الصحية، خصوصا في حالات الضغط أو الطوارئ”.
واستدرك عوين، في تصريح لهسبريس، بأن “هذا الخيار يجب أن يظل استثنائيا ومؤقتا، وليس توجها هيكليا يعوض الدولة عن مسؤوليتها في التخطيط والتوظيف العمومي”.
وأشار إلى “تحفظات نقابية جوهرية” مطروحة في هذا الإطار، منها “عدم المساس بحق الإدماج والتوظيف؛ بحيث يجب ألا يتم اللجوء إلى مهني القطاع الخاص على حساب إدماج خريجي المعاهد العليا للتكوين في المهن التمريضية وتقنيات الصحة”، مؤكدا “ضرورة فتح مباريات التوظيف الكافية والاستجابة للخصاص الحقيقي داخل المؤسسات العمومية”.
وأضاف أن “هؤلاء الخريجين تم تكوينهم بأموال عمومية، وأي تهميش لهم يُعد هدرا للاستثمار العمومي وضربا لمبدأ تكافؤ الفرص”.
كما لفت المصرّح نفسه إلى “خطر تحويل الاستثناء إلى قاعدة؛ إذ ثمّة تخوف نقابي مشروع هو أن تتحول ‘الإمكانية’ التي ينص عليها المرسوم إلى آلية دائمة، مما يفتح الباب أمام هشاشة التشغيل داخل المنظومة الصحية العمومية وضرب الاستقرار المهني”.
وشددّ على أن “مشروع القرار المتعلق بنموذج العقد يجب أن يكون منسجما تماما مع ما تنص عليه هيئة الأطباء، خاصة فيما يتعلق بشروط المزاولة، وحدود الاختصاص والمسؤولية الطبية، ومنع أي شكل من أشكال المزاولة المخالفة أو التداخل غير القانوني بين القطاعين العام والخاص”.
كما أن “التنصيص على ساعات العمل، الأجر، المسؤوليات، والعقوبات يجب ألا يخلق وضعا تفضيليا لفائدة المتعاقدين من القطاع الخاص مقارنة بالأطر العمومية، لأن ذلك قد يولد احتقانا مهنيا واختلالا داخل المؤسسة الصحية نفسها”، يورد النقابي ذاته، وزاد: “الاستعانة بالقطاع الخاص لا يمكن أن تكون بديلا عن التوظيف العمومي المنتظم، وإدماج خريجي المعاهد العليا، واحترام القوانين المنظمة للمهن الصحية”.
ومن هذا المنطلق، يرى عوين أن “تنزيل النصين القانونين سالفي الذكر يجب أن يتم في إطار حوار اجتماعي حقيقي، بضمانات واضحة، حتى لا يتحول الحل الظرفي إلى مدخل لإعادة هيكلة صامتة للمنظومة الصحية على حساب مهنييها ومستقبلها”.
أوضح محمد اعريوة، الكاتب العام للمنظمّة الديمقراطية للصحة، أن “استعانة مهنيي المجموعات الصحية الترابية بمهنيي القطاع الخاص، بموجب المرسوم المرتقب، تندرج ضمن مبدأ يقوم عليه القانون الإطار رقم 06.22 المتعّلق بالمنظومة الصحية الوطنية، يتمثل في الارتباط العضوي بين إصلاح القطاعين العام والخاص”.
وأضاف اعريوة، في تصريح لهسبريس، أن “هذا المبدأ يسمح باستعانة القطاعين بمهنيي بعضهما البعض”، مبرزا أن “أهم شرط هو بقاء المواطن في صلب الإصلاح الصحي أولا، وثانيا ألا يتم المساس بحقوق ومكتسبات الموظفين”.
وأورد الكاتب العام للمنظمّة الديمقراطية للصحة أن “ذلك يفرض أن تكون التعريفة المرجعية متساوية بين القطاعين العام والخاص، وأن يتم تأهيل المنظومة الصحية العمومية لتكون في مستوى جاذبية المؤسسات الصحية الخصوصية”.
وتابع: “لذلك، كنا نشدد دائما على ضرورة الرجوع إلى طاولة الحوار مع الوزارة، لأن الأمر يتعلّق بمشروع كبير للإصلاح، انطلق مع المجموعة الصحية لجهة طنجة-تطوان-الحسيمة وسيتم تعميمه على باقي الجهات بعد أشهر من الآن”.
المصدر:
هسبريس