آخر الأخبار

"الهلال الأسود".. كيف قاد المسلمون الأفارقة ملاحم الصمود والثورة في العالم الجديد؟

شارك

يعد كتاب "الهلال الأسود.. تجربة المسلمين الأفارقة وإرثهم في الأمريكتين" سرداً لقصة درامية مهيبة عن التجارب الكثيرة للأفارقة المسلمين في الأمريكتين ونضالهم في محاولة للبقاء، والعض بالنواجذ على معتقدهم، من خلال عمل موسوعي قدم بلا شك عملاً حاسماً عن الإسلام بين شعوب الأفارقة في العالم الجديد.

كما تضمن معلومات رائعة من خلال مجموعات كبيرة من المصادر التي تخبرنا لأول مرة عن حركة نقل العبيد من شمال وغرب إفريقيا إلى البرازيل والكاريبي وأمريكا الشمالية.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 فيكتور هوغو والقرآن.. لقاء متأخر غيّر نظرة أعظم أدباء فرنسا للإسلام
* list 2 of 2 ناقد مصري يتتبع آثار امرئ القيس ومجنون ليلى وشعراء الجزيرة العربية end of list

لقد بذل المؤلف مايكل أ. غوميز جهداً كبيراً يستحق الإشادة في تقصي بياناته وتوثيق معلوماته، ولم يبدُ الأمر سهلاً، بل احتاج إلى أن يرنو بإحدى عينيه دائماً على السياق ومجمل التطورات السياسية والاجتماعية في إفريقيا، وبعينه الأخرى يطل على السياق التاريخي المماثل في الأمريكتين.

بذل غوميز وسعه في اختيار الفرضيات والربط والتحليل والاستنتاج واستنطاق النصوص المختلفة من مأثورات دينية إلى كتابات الرحالة والمؤرخين الوصفية، على مدى فترة من الزمن زادت عن 3 قرون بدأت خلالها مأساة الأفارقة المسلمين على أيدي القراصنة الغربيين وتجار البشر من بني جلدتهم.

في البداية شهد سياق العالم القديم انطلاق أحداث وظواهر أثرت في حياة المسلمين في إفريقيا وأوروبا، وتواصلت الأخبار عن أحوال العالم الجديد التي كانت لها أثرها البارز وكشفت عن آليات المشروع الاستعماري.

مع الوقت صار مصطلح (ماندنجا) نسبة إلى المسلمين الأفارقة المتحدثين بالماندي.

وفيما عرفت بأمريكا اللاتينية فإن الصراعات والعداوات والسياسات التي حدثت منذ ألف عام في إيبيريا (الأندلس) لم تنس بسهولة في القرنين الـ 15 والـ 16، فادعت إسبانيا السيادة على هسبانيولا وكوستاريكا وبورتوريكو والمكسيك وبنما وفنزويلا وغيرها من الأماكن.

وكان الغولفز (السنغامبيون) والماندنغاس (المتحدثون لغة الماندي) من بين المسلمين موضع الشك لإخفاء إيمانهم وانتسابهم للإسلام، وعمل هؤلاء المسلمون جنبا إلى جنب مع المورسكيين، وعندما نقلوا إلى الأميركتين انضموا إلى غيرهم من السنغامبيين.

إعلان

كانت الأغلبية مسلمين، فكروا بالهرب من العبودية، ولهذا بنوا شهرتهم على التمرد والثورة، ومع الوقت صار مصطلح (ماندنغا) نسبة إلى المسلمين الأفارقة المتحدثين بالماندي، وصار هذا المصطلح مرتبطا بكل شر وسلبية، والكثير إن لم يكن أغلب المسلمين الأفارقة قد عانوا في أميركا اللاتينية من الصورة النمطية السيئة التي نجمت عن الصراع مع أوروبا منذ القرن الـ 18.

على ما يبدو، كانت للدكتور غوميز دوافعه البحثية الخاصة بحكم جذوره الإفريقية، فهو أمريكي إفريقي

ثورات العبيد

ولكن ما هي قصة وصول المسلمين الأفارقة إلى دول أميركا اللاتينية ومشاركتهم في بناء مدينة نيويورك الأمريكية؟

هذه هي قصة كتاب "الهلال الأسود – تجربة المسلمين الأفارقة وإرثهم في الأميركتين" الصادر عن المركز القومي للترجمة، لمؤلفه د. مايكل أ. غوميز أستاذ التاريخ الإفريقي ودراسات الشرق الأوسط والدراسات الإسلامية بجامعة نيويورك، وأحد رواد دراسات الشتات الإفريقي، رئيس اللجنة العلمية باليونسكو لمشروع طرق الرقيق السابق.

على ما يبدو، كانت للدكتور غوميز دوافعه البحثية الخاصة بحكم جذوره الإفريقية، وباعتباره أمريكيا إفريقيا تسرب إلى وعيه مبكرا، وربما لدى الكثيرين من جيله سؤال الهوية، الذي فرض نفسه على الجميع شباناً وشيوخاً، فمن هم الأميركيون السود؟ وما ملامح تجربتهم التاريخية؟

مصدر الصورة د. مايكل أ. غوميز أستاذ التاريخ الإفريقي ودراسات الشرق الأوسط والدراسات الإسلامية بجامعة نيويورك (الموقع الرسمي لكلية فاسار)

مبكرا ثار أولئك العبيد في الربع الأول من القرن الـ 16 على عبوديتهم القاسية، وكان لثورتهم صداها.

حاول الكثيرون الوصول لإجابات مرضية عن تلك الأسئلة الملغمة، منها هذه الدراسة للدكتور غوميز التي أوغلت في تراث الماضي لفهم واستجلاء الحاضر، وقد رصد المؤلف بجلد ومثابرة أطوار الوجود الإسلامي المبكر واختبر حضوره وغيابه وقوته وضعفه في العالم الجديد مبرزاً من حين لآخر الأرقام العددية والمؤشرات الإحصائية صعودا وهبوطا.

المؤلف مايكل غوميز قد تمكن بتؤدة وصبر من رصد الوجود الإسلامي المبكر في نيويورك

ويشير المترجم زكريا صادق الرفاعي أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر بجامعة المنصورة إلى أن الأقليات العرقية التي جُلبت إلى الأميركتين، كانت معظمها من غرب إفريقيا، ومبكرا ثار أولئك العبيد في الربع الأول من القرن الـ 16 على عبوديتهم القاسية، وكان لثورتهم صداها.

وعلى الرغم مما لحق بالكثير من الوثائق المتعلقة بتجارة العبيد عبر الأطلنطي من دمار متعمد من جانب بعض الدول، إلا أن المؤلف مايكل غوميز قد تمكن بتؤدة وصبر من رصد الوجود الإسلامي المبكر في نيويورك من خلال نشاط شركة الهند الشرقية الألمانية.

ويشير المؤلف إلى أنه في عام 1492 عبر كريستوفر كولمبس المحيط الأطلنطي ومعه جاء الإسلام إلى العالم الجديد، فكان من بين طواقمه مسلمون أُجبروا على اعتناق المسيحية، إلا أن الإسلام ظل حياً في وجدانهم على الأرجح.

ومن ثم فهؤلاء وآخرون مماثلون لهم قد استقروا في نصف الكرة الغربي ومعهم المستعبدون الأفارقة، وكان الكثير منهم مسلمين خلال القرنين الـ 15 والـ 16، وكان عدد المسلمين الأفارقة الذين نقلوا إلى الأميركتين في تزايد خلال القرن الـ 19.

وما تلا ذلك من وقائع، هو تاريخ أولئك المسلمين وأحفادهم في الأميركتين، واستمرت سلسلة نسب الآخرين متصلة بأسلافهم من الأفارقة المسلمين .

عام 1492 عبر كريستوفر كولمبس المحيط الأطلنطي ومعه جاء الإسلام إلى العالم الجديد.

وقُسم الكتاب إلى قسمين، ناقش أولهما حضور المسلمين الأفارقة في الأميركتين خلال فترات عبوديتهم، وساعد السياق التاريخي في القسم الثاني على فهم تطور الإسلام في الولايات المتحدة.

إعلان

انتشر المستعبدون من الأفارقة المسلمين في أرجاء الأميركتين، فكانوا أكبر عددا وأكثر تنظيما في البرازيل والكاريبي مما كانوا عليه في الولايات المتحدة، لأن الإسلام جاء من إفريقيا وقع له بعض التعثر ودخل في حالة من الكسوف الكلي، ولكن بزغت أهميته كقوة سياسية واجتماعية في الولايات المتحدة .

اقترن وجود المسلمين الأفارقة بالثورة والتمرد على كل ظلم.

الإسلام في أمريكا اللاتينية

بوسعنا فهم تجربة الإسلام الإفريقي في الكاريبي والبرازيل وأميركا اللاتينية في ضوء القمع السياسي العنيف، وما صاحبه من ممارسات إقصائية تجاه الجاليات المسلمة، فضلاً عن الحملات المتعددة لإعادتهم إلى غرب إفريقيا.

وظل المسلمون الأفارقة في تلك المناطق مختلفين، وبدا ذلك واضحاً في حالة البرازيل، واستمروا في تلقي التهديدات دون اهتمام من الدولة.

وفي المقابل فإن الجاليات المسلمة في الولايات المتحدة قد عانت في صمت، واستطاعت بفضل إرثها النجاة مؤقتا حتى بداية القرن الـ 20 حينما صعد الإسلام مجددا بفضل شعارات القوميين.

واستطاع الزعماء الأوائل للحركات الإسلامية المزج بين المطلقات الغيبية وشعارات القوميين، وقدموا ذلك على أنه فكر إسلامي أصيل.

وكان لمثل هذه الحركات شعبية جارفة بقيادة مالكولم إكس (1925 – 1965) المتحدث أولا باسم منظمة أمة الإسلام، التي سرعان ما انشق عنها ليكون منظمة المسجد الإسلامي، ويتم اغتياله وهو في عمر الـ 40.

هكذا بدأ أول عصيان جماعي للأفارقة في الأمريكتين وأنه كان على الأرجح من المسلمين

واقترن وجود المسلمين الأفارقة بالثورة والتمرد على كل ظلم، في عام 1522 وعلى جزيرة لوش بهسبابيولا استقبل حاكم الجزيرة وابن الرحالة المشهور الأدميرال كولمبس أغرب هدية في صبيحة عيد الميلاد.

مصدر الصورة كريستوفر كولمبوس (مواقع التواصل الاجتماعي)

مع فجر ذلك اليوم كان نحو 20 شخصا من المستعبدين كانوا قد هيمنوا على طاحونة السكر والضواحي المحيطة بها، وطرحوا مخاوفهم، وعزموا على توسيع نطاق الثورة في أنحاء الجزيرة، وسعوا لحشد العديد من الجيران لمساعدتهم، ثم قاموا والمناجل مرفوعة بأيديهم بتمزيق أوصال المشرفين على مزارع الماشية.

ومع بزوغ شمس ذلك اليوم كانوا قد نفذوا مذبحة دموية، وبعد أن خارت قواهم جلسوا بجوار المنازل والحقول المحترقة، بينما كانت الجثث المقطعة الأوصال ملقاة في الطرقات هنا وهناك وكانت للبيض الذين تم الإيقاع بهم.

واستمرت ثورتهم للمزارع المجاورة لكن سرعان ما فوجئوا بوجود قوات مختلطة من الأوروبيين والسكان المحليين، وقد حمل العسكريون والمتطوعون على فرقة البؤساء الأفارقة بعنف أسفر عن إخماد الثورة، ومن لم يُقتل مباشرة سيق أسيرا في غضون أسبوع واحد.

اندلعت الثورات أينما وجد المستعبدون، في بورتوريكو عام 1527، وفي كولومبيا عام 1529، ثم مدينة أسلا في بنما عام 1530

وهكذا بدأ أول عصيان جماعي للأفارقة في الأمريكتين وأنه كان على الأرجح من المسلمين، والسنغامبيين نسبة إلى سنغامبيا الإفريقية، وكان يسميها الإسبان غينيا العليا، بينما أطلق عليها البرتغاليون الرأس الأخضر.

ولم يكن ذلك هو التمرد الأول الذي سُجل للأفارقة في العالم الجديد، فعلى وجه اليقين كان هناك الكثير من الحوادث الفردية للعصيان والانتحار، كما وقعت على متن السفن التي أقلت هؤلاء أعمال تخريب وسطو وتسمم، وهي تعد بمثابة الاستجابة الثقافية لتجربة الأسر.

لم تكن هسبانيولا هي المكان الوحيد للتمرد في العالم الجديد في بداية القرن الـ 16، فقد اندلعت الثورات أينما وجد المستعبدون، في بورتوريكو عام 1527، وفي كولومبيا عام 1529، ثم مدينة أسلا في بنما عام 1530، وبنما في عام 1531، وكورو في فنزويلا عام 1532، وسان بيترو في هندوراس عام 1548.

أغلبية الذين نقلوا قسراً إلى شمال إفريقيا في ظروف قاسية هن النساء اللاتي كن جزءاً رئيسياً من تجارة العبيد عبر الصحراء.

استغلال وتجارة

وعلى الرغم من أهمية توظيف القادمين من غرب إفريقيا كجنود، فإن أغلبية الذين نقلوا قسراً إلى شمال إفريقيا في ظروف قاسية هن النساء اللاتي كن جزءاً رئيسياً من تجارة العبيد عبر الصحراء.

ولهذا من المناسب أن تُذكر تجارة عبر الصحراء بوصفها التجارة في الفتيات والنساء في الأغلب الأعم، وقد كان هؤلاء النسوة يتعرضن للاستغلال من أوجه عدة.

إعلان

إذ كن من يُشترين للعمل خادمات يخضعن لعلاقات جنسية، مثلهن في ذلك مثل من يُخترن لحياة المحظيات، وبحسب الشريعة، فإن "الأمة" العبدة إذا حملت من مالكها فيحرم بيعها، أو التفريق بينها وبين ولدها وتصير حرة فيما بعد.

وقد نجحت بعض ممن لهن تلك الخلفية في الارتقاء إلى مكانة اجتماعية أعلى.

إن حجم التجارة المختصة بالجنس عبر الصحراء كان صغيراً، والإمبراطوريات العريقة مثل غانا ومالي وصنغاي كانت نسبتها قليلة من تلك التجارة، واشتهروا في استخدام الذهب في الحصول على احتياجاتهم، باستثناء المنطقة المحيطة ببحيرة تشاد التي كانت لها علاقات وثيقة بتلك التجارة عبر الصحراء.

فكر البرتغاليون في تعزيز قوة العمل لديهم بشراء تجار برشلونة الأسرى من تونس ومن أسواق شمال إفريقيا.

لم يكن عدد المستعبدين من غرب إفريقيا في إيبيريا أمراً ذا بال مقارنة بأعداد المسيحيين والمسلمين خلال البدايات الأولى للوجود الإسلامي في الأندلس.

وشهدت نهاية حكم العرب في عام 1520 نقصاً كبيراً في الأيدي العاملة، كما هرب الكثير من المسلمين إلى غرناطة، كما كان توقف الصراع معناه وقف تدفق أسرى الحرب.

ولذلك فكر البرتغاليون في تعزيز قوة العمل لديهم بشراء تجار برشلونة الأسرى من تونس ومن أسواق شمال إفريقيا من القرن الـ 15.

كانت غينيا العليا لدى الإسبان، والرأس الأخضر عند البرتغاليين حتى عام 1570، هي المصدر الرئيسي للأسرى الأفارقة في الأمريكتين

الإسلام في المكسيك والكاريبي

وعلى الرغم من النشاط في هسبانيولا وغيرها من العالم الجديد، فإن المكسيك وبيرو كانتا في الحقيقة أكبر مصدرين للأسرى في القرنين الـ 16 والـ 17.

ما بين عامي (1521 – 1639)، صدَّرت المكسيك وحدها نحو 111 ألف إفريقي، وقد عرضوا لاحقاً في مزادات مختلفة (معارض السود).

عندما أعلن عن التحرر من العبودية نهائياً عام 1827، كان يعمل بالمكسيك نحو 200 ألف إفريقي، وكانت مشاركتهم واسعة في ضوء الطاعون العظيم الذي عصف بالسكان الأصليين فهبط تقدير السكان في وسط المكسيك من أكثر من 27 مليوناً في عام 1519 إلى مليون و25 ألفاً فقط عام 1605.

وكانت سنغامبيا أو كما سميت غينيا العليا لدى الإسبان، والرأس الأخضر عند البرتغاليين حتى عام 1570، هي المصدر الرئيسي للأسرى الأفارقة في الأمريكتين بحكم قربها الطبيعي من إيبيريا أو كما سميت "أمم نهر غينيا" وقد قسموا إلى 3 مجموعات: "الجلوفز، والماندجا، الباقراس".

نجم عن دخول إنجلترا وفرنسا وألمانيا حلبة المنافسة ارتفاع أسعار الأسرى من السنغامبيين، وشجع ذلك البرتغاليين على التوغل أكثر صوب الجنوب.

المسلمون من شمال وغرب إفريقيا كانوا موجودين في كوبا وفنزويلا منذ القرن الـ 16 حتى أواخر القرن الـ 19.

وبعد عام 1570 أصبحت جزيرة ساو تومي الموطن الرئيسي للمستعبدين وتضمن أسماء وجماعات مختلطة من وسط غرب إفريقيا اشتهر منها "اللونداس، البنجويلاس، الكونغرس، المانونجوس" ولهذا وجد أفراد من سنغامبيا وغرب إفريقيا في المكسيك في منتصف القرن الـ 16.

ويبدو واضحاً من نقاشات المصادر المختلفة أن المسلمين من شمال وغرب إفريقيا كانوا موجودين في كوبا على الأقل منذ القرن الـ 16 حتى أواخر القرن الـ 19، وكانوا موجودين أيضاً في فنزويلا.

على الرغم من أن ما نعرفه هو القليل عن تجربتهم هناك، فقد وصل القليل من الأفارقة إلى فنزويلا في عام 1528 أو عام 1529، وعلى الرغم من ذلك فإن نسبة تصدير الأسرى كانت كثيفة في نهايات القرن الـ 16.

وقد ظلت فنزويلا البؤرة الاستيطانية الفقيرة والمنكوبة في الإمبراطورية الإسبانية، والمصدر الرئيسي لقوة العمل واستخراج اللؤلؤ من السكان الأصليين.

وضعفت تجارة العبيد فترة من الزمن ثم سجلت رقماً قياسياً للأسرى خلال الفترة من 1730 إلى 1780، وفي عام 1810 كان هناك نحو 60 ألفاً من المستعبدين في فنزويلا، وفي عام 1844 كان هناك 2% من السكان من المستعبدين، واستمر ذلك إلى أن ألغيت مؤسسة العبودية في عام 1854.

قامت الاقتصادات الزراعية الناهضة في بيرو على أكتاف الإفريقيين.

ووصل الأفارقة إلى بيرو مبكراً في عام 1529، وجاءوا من المستعمرات الإسبانية، وفي عام 1640 كان هناك 20 ألف إفريقي في مدينة ليما التي بلغ عدد سكانها في هذا الوقت نحو 40 ألفاً وقامت الاقتصادات الزراعية الناهضة على أكتاف الإفريقيين.

أما منطقة الكاريبي فقد وصلها 37% من جملة الأفارقة الذين جلبوا إلى حقول الموت في الأمريكتين خلال الفترة من عام 1662 وحتى عام 1867.

في غرب الأنديز تكشف الدراسات أنه ما بين عامي 1700 و1807 فإن بنغامبيا وسيراليون اللتين جاء منهما معظم المسلمين ساهمتا بنسبة 6.2% و15.5% على التوالي من جملة التجارة البريطانية، في حين قد تصل هذه النسبة لأكثر من 20% لأن معظم المستعبدين كانوا من المسلمين والقليل جداً من ديانات أخرى.

إعلان

وفي جامايكا يواكب التوسع الزراعي زيادة عدد السكان من السود المستعبدين، فقفز العدد من 514 عام 1661 إلى أكثر من 9000 عام 1673.

وتضاعفت أعدادهم ما بين عامي 1730 و1762، حيث ارتفع العدد إلى أكثر من 146 ألف إفريقي ووصل عددهم إجمالاً إلى 291 ألفاً في عام 1795.

وارتفع العدد في عام 1817 إلى 345 ألف إفريقي في مدينة جامايكا وحدها، وعمل أقل من نصفهم في زراعة قصب السكر، وبحلول عام 1832 كانت جامايكا من أكثر الاقتصادات تنوعاً في المنطقة.

بعكس كل التوقعات بدلاً من أن ينمو الوجود الإسلامي في البرازيل اضمحل وتراجع خلال القرنين الأخيرين.

الاضمحلال في البرازيل

أما البرازيل فقد مثلت أرض العبودية بامتياز، حيث استوردت نحو 40% من جملة تجارة العبيد الأفارقة عبر الأطلنطي، وبحسب التقارير فإن 68% منهم كانوا من الذكور، وكان عملهم الرئيسي في زراعة قصب السكر.

وحفل هذا الفصل بكم هائل عن الثورات وحالات التمرد التي قام بها الأفارقة المسلمون في مدن برازيلية وفي السلفادور، وخاصة مدينة باهيا التي شهدت ثورة 1835 من قبل الأفارقة، حيث كان المسلمون يمثلون أغلبية وأكثرية في هذه المناطق، ولكن بعكس كل التوقعات بدلاً من أن ينمو الوجود الإسلامي في البرازيل اضمحل وتراجع خلال القرنين الأخيرين.

كان لزيادة أسعار البن والمحاصيل المتنوعة في وسط وجنوب البرازيل في عام 1820 أثر في استمرار تجارة العبيد

وشهد أواخر القرن الـ 17 اكتشاف الماس والذهب في جنوب غرب البرازيل، وأدى ذلك إلى اشتداد الطلب على العبيد الأسرى وتوجه معظمهم إلى أقاليم ميناس غراس، وماتو غروسو، وغوياس.

وشهدت الفترة بين عامي 1787 إلى 1820 الموجة الثانية لإنتاج السكر وجلب المستعبدين مجددا إلى المناطق الساحلية عقب انهيار أسعار الماس والذهب عام 1760.

وكان لزيادة أسعار البن والمحاصيل المتنوعة في وسط وجنوب البرازيل في عام 1820 أثر في استمرار تجارة العبيد، ومن ثم يمكن القول دون تجاوز إن المجتمع البرازيلي قد قام على أكتاف الأفارقة والعمال المحليين.

وكان العبيد المجلوبون من إفريقيا من وسط غرب إفريقيا وعلى نحو موسع من الكونغو وأنغولا حيث كان المسلمون قلة، حيث بلغت نسبة عدد المسلمين 17.3% من إجمالي عدد الأسرى المجلوبين.

اعتبر المؤلف الجماعات مثل "الميلونجوس" و"الإشماعيلتش" مثالاً حياً على استمرارية الإرث الإسلامي المبكر

أما كيف جاء التواجد الإسلامي الإفريقي المؤثر في مدينة نيويورك، في عام 1625 وصل أول الأفارقة إلى أمستردام الجديدة من خلال شركة الهند الغربية الألمانية، فوصل إلى الشاطئ 11 رجلا من ذوي الأصول الإفريقية، وكانوا من الأسرى بواسطة السفن البرتغالية والإسبانية.

ثم بدأت التدفقات الإفريقية للمسلمين إلى مدينة نيويورك من منطقة غرب إفريقيا ومن سواحل مدغشقر.

وجاءت مجموعات أخرى من المسلمين من الشاطئ الساحلي ومن جزر كومورو، إلى شمال غرب مدغشقر، وهذه المجموعات الأخيرة كانت بالتأكيد من المسلمين المتعلمين من الأقليات العربية.

ويتعرض الكتاب للآباء والأمهات المؤسسين للوجود المبكر للأفارقة المسلمين في شمال أميركا الجنوبية، حيث يقدم معلومات جديدة عن أسلاف المسلمين بوجه عام وما تعلق ببعض الجماعات مثل "الميلونجوس" و"الإشماعيلتش" على نحو خاص، وقد اعتبرهما المؤلف مثالا حيا على استمرارية الإرث الإسلامي المبكر.

هناك تحفظ على ما ورد في عنوان هذا الفصل الذي أضفى على "نوبل درو علي" صفة مؤسس الإسلام المعاصر.

هناك تحفظ على ما ورد في عنوان هذا الفصل الذي أضفى على "نوبل درو علي" صفة مؤسس الإسلام المعاصر.

توظيف الدين حديثا

بتعبيرات حارة ومفعمة بالإعجاب افتتح المؤلف القسم الثاني من الكتاب بفصل عن حياة ودور "نوبل درو علي" وقد وضع يده على العناصر الفكرية المتباينة والمتناقضة لديه وردها إلى أصولها مثل آراء جمعية الصليب الوردي والماسونية، كما عرض لزعمه النبوة والوحي وهو أمر يتنافى بطبيعة الحال مع صحيح الإسلام.

كما نبه المؤلف إلى فكرة التوظيف الأيديولوجي للفكر الديني آنذاك من جانب دعاة القومية والجامعة الإفريقية لضمان الحشد والتأييد لهم بين جماعات السود المختلفة ومحاولتهم تقديم هوية بديلة حتى وإن بدت مجرد أسطورة موغلة في القدم في محاولة للقفز على العنصرية السائدة وتجاوزها.

وهناك تحفظ على ما ورد في عنوان هذا الفصل الذي أضفى على "نوبل درو علي" صفة مؤسس الإسلام المعاصر، فعلى الرغم من نجاحاته وشعبيته المتزايدة بين جماعات السود إلا أنه لم يترك أثراً يشير لكونه مؤسساً لما يطلقه عليه المؤلف.

مصدر الصورة نوبل درو علي طائفة الموريش (مواقع التواصل الإجتماعي)

أشار المؤلف إلى أن خطى المؤسسين في تنظيم "أمة الإسلام" لم تكن واحدة

وفي فصل مستقل تصدى المؤلف لتنظيم "أمة الإسلام" ولفت المؤلف الانتباه إلى الطبيعة الغامضة التي اكتنفت وصاحبت ظهوره.

وكانت على ما يبدو سمة مشتركة للتنظيمات خلال هذه الفترة، متسائلاً عما إذا كانت تلك السمة نهجاً استراتيجياً متعمداً، منوهاً في الوقت ذاته ومحذراً من المعلومات المضادة لاسيما أن المصدر الرئيسي للمعلومات هو الأرشيف الحكومي الأمريكي الذي كان على عداء في الأغلب مع تلك التنظيمات.

ومع تقصي المؤلف وتتبعه للأصول الفكرية لتلك التنظيمات على تباينها، فإنه لم يغفل دور العوامل الاقتصادية والاجتماعية المحركة، خاصة الهجرات المتنامية والنزوح الكبير آنذاك لجماعات السود من الجنوب إلى الشمال بصورة مطردة بحثاً عن حال أفضل.

وأشار المؤلف إلى أن خطى المؤسسين في تنظيم "أمة الإسلام" لم تكن واحدة، ولكن كان لكل بصمته عبر تلك المسيرة الحافلة ابتداء من "فارد محمد" ومروراً بـ "إليجا محمد" ثم "والاس محمد".

أما الفصل الأخير من الكتاب فيحمل عنوان "مالكوم" وهو بمثابة لوحة أدبية وفنية لم يدخر فيها المؤلف جهداً لإبراز مختلف الجوانب التي أحاطت بحياة وأطوار "مالكولم إكس" صعودا وهبوطا.

مصدر الصورة مالكولم إكس في رحلته بعد الحج (مواقع التواصل الاجتماعي)

لاسيما أن الرجل شخصية إشكالية بامتياز، جمع بين متناقضات مختلفة، وأنه قطب الرحى الذي جمع وجذب الكثيرين على تباين مشاربهم، وقد اعتبره المؤلف عن حق المسؤول عن تغير المناخ الثقافي الذي أحاط بالمسلمين من الأمريكيين الأفارقة.

وهو أيضاً من أسبغ النزعة المحافظة تدريجياً، لكونه المتحدث الرئيسي للقومية السوداء والجامعة الإفريقية، والمعبر أيضاً عن دينامية الإسلام في أمريكا الشمالية، وسعى للمقارنة بين الدين والسياسة بسلاسة.

نحن أمام تاريخ عالمي بامتياز، جمع بين تطور التاريخ الإفريقي في الداخل وتفاعله الحي مع جذور تاريخ الأمريكتين

ولعل ما يميز هذه الدراسة كما قال المترجم، براعة المؤلف ومهاراته البحثية في توظيف العلوم البينية على مدار الدراسة بصورة لافتة، فاستعان بالأدبيات المختلفة.

وفضلاً عن حشده للوثائق التاريخية على تنوعها، استعان أيضاً بالأنثروبولوجيا وعلم اجتماع المعرفة والميثولوجيا وعلم الأديان المقارن وسيسيولوجيا اللغة، وغيرها من الحقول المعرفية المتباينة.

يبدو واضحاً أننا أمام تاريخ عالمي بامتياز، جمع فيه المؤلف بين بنية وتطور التاريخ الإفريقي في الداخل وتفاعله الحي مع جذور ومكونات تاريخ الأمريكتين، فربط ببراعة بين تحركات القبائل والحروب الدينية في غرب إفريقيا وشمال نيجيريا وثورة "باهيا" في البرازيل، والأحداث في شمال وغرب إفريقيا كانت لها صداها ليست منبتة الصلة بما حدث في الكاريبي والجنوب الأمريكي.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار