كوالالمبور- تتزاحم الأوقات على المقرئ السوري الشيخ رامي البدوي في شهر رمضان المبارك، حتى أنه لم يعد يجد وقتا لإمامة صلاة التراويح في مساجد كوالالمبور الكبرى، كما يقول للجزيرة نت، وهي المهمة التي استدعي لها في عام 2009، ثم استقر به المقام في ماليزيا منذ 2012.
اضطره الإقبال الكبير على تعلم القرآن في رمضان إلى التفرغ لتعليم أحكام تجويده، واقتصرت إمامته للصلاة في رمضان على الفجر والمغرب في مسجد كامبونغ بارو الشعبي، والتهجد في مسجد ولاية الذي يعتبر أحد أبرز معالم كوالالمبور.
تشهد ماليزيا، منذ الاستقلال عام 1957، نهضة متنامية في تعليم القرآن الكريم حفظا وتجويدا، ويشير الشيخ البدوي إلى أن نهضة تعليم القرآن بدأت بتنظيم مسابقات حفظ القرآن الكريم، ثم تأسيس سلسلة كبيرة من مدارس التحفيظ والتجويد، تبعها إدخال تعليم التجويد في المدارس التي أسست جيلا يتقن قراءة القرآن.
يذهب الدكتور سامر سمارة أستاذ القراءات في جامعة العلوم الإسلامية الماليزية (يوسيم) إلى أن الشعب الماليزي محب بطبيعته لتعلم القرآن الكريم، ويستشهد بذلك بالانتشار الواسع للمدارس الدينية ودور التحفيظ والتجويد، وأن التعليم يشكل جميع الفئات العمرية، وأن هناك إقبالا كبيرا للمتقاعدين في اللحاق بدورات تعليم القرآن.
ويشاركه الرأي الشيخ البدوي بقوله إن جيلا ظهر في ماليزيا يجيد قراءة القرآن، ويضيف أن نقص القراء المتقنين في ستينيات القرن الماضي كان سببا رئيسيا في استضافة مقرئين لصلاة التراويح، من دول إسلامية لا سيما مصر والأزهر الشريف، ثم أصبح تقليدا ماليزيا، على الرغم من ظهور طبقة من القراء لا يقلون إتقانا عن القراء العرب.
يحتفل معهد "دار القرآن" بمضي ستين سنة على تأسيسه عام 1966، ويقول مدير المعهد محمد أنصار الله محمد هاشم للجزيرة نت إن للمعهد بصمة واضحة في تأهيل طبقة من متقني قراءة القرآن الكريم، مستشهدا بأن معظم القراء المشهورين في ماليزيا تخرجوا من هذا المعهد، إضافة إلى آلاف المعلمين والأئمة، وأنه يضم حاليا أكثر من ألف طالب وطالبة.
اشتهر عدد من القراء خريجي المعهد بجمال أصواتهم مثل أيمن رضوان المتخصص بعلوم الإنسان (الأنثروبولوجيا) ومحمد سحيم والمقرأة الناشطة على وسائل التواصل هنية سوهانا.
ويتفق كل من الشيخين البدوي وسمارة على أن معهد دار القرآن شكل حجر زاوية في نهضة علوم القرآن الكريم في ماليزيا، ذلك أنه يستقطب صفوة طلاب دور الحفاظ والمدارس الدينية ويرتقي بتأهيلهم قبل دخولهم الكليات الجامعية المحلية أو تنسيبهم لبعثات خارجية.
ويقول الأستاذ محمد هاشم إن المعهد أقام شبكة علاقات مع الجامعات والهيئات التي تهتم بعلوم القرآن الكريم في مصر والأردن وسوريا، على رأسها جامعة الأزهر الشريف ومعهد شبرا التابع لها، وذلك بهدف الاستفادة من خبرات هذه المؤسسات.
ويضيف أن أنشطة المعهد تتعدى المتفرغين للتعليم في حرمه إلى إقامة دورات في المؤسسات الحكومية والكليات الجامعية مثل الطب والهندسة والقانون.
ويشير مدير المعهد إلى أنه يتفرد بالجمع بين تعليم القراءة والكتابة معا، فالطلاب يخطّون ما يقرؤونه، مع الاهتمام الخاص بالترنم وطبقات الصوت.
أقيم معهد دار القرآن في مديرية كوالا كوبو بارو على بعد نحو ساعتين بالسيارة من كوالالمبور، ويتبع إداريا وزارة الشؤون الدينية، والتعليم فيه مجاني مع الإقامة والطعام.
وأما عن الخطط المستقبلية فيقول مدير المعهد إن هناك خطة للتوسع عموديا وأفقيا بحيث يمكن الوصول إلى معظم شرائح المجتمع، وتطويره إلى كلية جامعية على غرار كليات القرآن الكريم المتخصصة في جامعات مرموقة.
يرى عدد من علماء القراءات في ماليزيا أن الاهتمام يأخذ منحى كميا وليس نوعيا، بما يعني وجود أعداد كبيرة من المتقنين لقراءة القرآن، ولكن قلة هم المبدعون الذين يجمعون بين جمال الصوت وإتقان الأحكام. ذلك أن كثيرا من القراء الماليزيين ينحون إلى الترنم وجمالية الصوت على حساب الأحكام.
ويقول الدكتور سمارة إن الترنم والمقامات مقدم على أحكام التجويد عند كثير من القراء، فهم لا يرون بأسا بتجاوز حد المد أو الغنة ما دام أنه يقدم نغمة جميلة.
ويتفق الشيخ البدوي بأن كثيرين يقدمون الصوت على الأحكام، مع أن المنقول عن الإمام علي كرم الله وجهه أن علوم القرآن هي معرفة الحرف وأماكن الوقف، والمقصود هنا مخارج الحروف ومراعاة الوقفات الصحيحة في الآيات، وهو ما لا يلتزم به المترنمون عادة.
ويكاد يجمع خبراء القراءات في ماليزيا أن آفة كثير من القرّاء الماليزيين تكمن في التقليد، ولجوئهم في صلوات التراويح إلى تقليد قراء وأئمة مشهورين مثل أئمة الحرم المكي، وهنا يختفي الإبداع الذاتي للمقرئ، وساهمت ظاهرة النشر على وسائل التواصل الاجتماعي في تشجيع التقليد على حساب ترك المقرئ بصمة خاصة به.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة