آخر الأخبار

إعلام إسرائيلي: لعبة الابتزاز التي يبرع فيها الحريديم أمام "نتنياهو الضعيف"

شارك

يدخل الكنيست الإسرائيلي غدا الاثنين واحدة من أعنف جولاته البرلمانية بالتصويت في القراءة الأولى على قانون حل نفسه، وسط حالة من الشلل السياسي تكشف العجز البنيوي غير المسبوق لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو.

ومع اقتراب عمر الحكومة الافتراضي من نهايته في منتصف يوليو/تموز القادم، تحولت أروقة البرلمان إلى ساحة مفتوحة لـ"لعبة الابتزاز" التي تبرع فيها الأحزاب الدينية المتشددة ( الحريديم)؛ حيث نجحت في تحويل كبريات الأزمات القومية ولجان التحقيق الرسمية إلى أوراق مساومة فجة لانتزاع مصالح مالية وتثبيت التهرب من الخدمة العسكرية، مستغلة رعب نتنياهو الشخصي من السقوط وفقدان الحصانة.

مصدر الصورة زعيم حزب ديغل هتوراه: لم نعد نثق بنتنياهو فهو مخادع (مكتب الحاخام لاندو)

وترى آنا بارسكي، المراسلة السياسية في صحيفة معاريف ، في مقالها المنشور في 31 مايو/أيار 2026 بعنوان "الكتلة تهتز، والليكود يغلي: نتنياهو يدخل أسبوع اختباره الأكبر"، أن الأسبوع السياسي المقبل يضع نتنياهو أمام ثلاثة اختبارات متزامنة: قانون حل الكنيست، وانتخاب مراقب الدولة، والصراع الداخلي داخل الليكود حول الانتخابات التمهيدية.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 الكونغرس يمضي نحو دمج عسكري وتقني أعمق بين أمريكا وإسرائيل
* list 2 of 2 سقوط الهالات.. لماذا تتآكل ثقة الغربيين برموز السياسة والمال؟ end of list

غير أن السؤال العميق، كما تصوغه بارسكي، هو: هل ما زالت المنظومة التي بناها نتنياهو حول نفسه "تستجيب لضغطة زر"؟

جوهر التحول أن الحريديم لم يعودوا جزءًا مضمونًا من كتلة نتنياهو، فبحسب بارسكي "أدت أزمة التجنيد الإجباري إلى كسر النظام التلقائي"، خصوصا داخل يهدوت هتوراه وديغل هتوراه، بعد موقف الحاخام دوف لاندو.

والرسالة الجديدة، كما تنقلها، واضحة "إذا لم يكن هناك قانون ينظم وضع طلاب المعاهد الدينية، فلا يوجد التزام سياسي أعمى تجاه نتنياهو".

بهذا المعنى، لم تعد أزمة التجنيد مجرد خلاف تشريعي، ولكنها تحولت إلى امتحان ولاء معكوس حيث بات الحريديم لا يختبرون ولاءهم لنتنياهو، بل يختبرون قدرة نتنياهو على الدفع لهم سياسيًا وماليًا وقانونيًا قبل أن يمنحوه صك البقاء.

إعلان

تهديد معلن

تلتقط بارسكي جوهر التكتيك الحريدي حين تقول إنهم فعلوا ما يكرهه نتنياهو "أخرجوا التهديد من الغرفة المغلقة ووضعوه على الطاولة". هذه العبارة تكشف انتقال العلاقة من مساومات سرية تقليدية، كان نتنياهو يديرها عبر الوقت والوعود والاتصالات الليلية مع الحاخامات، إلى ابتزاز علني يرفع تكلفة كل مناورة.

لم يعد الحريديم يكتفون بوعود عامة حول قانون التجنيد، بل يريدون أثمانًا قابلة للقياس: قانون الحضانات، بند التغلب على المحكمة العليا، وضمانات تشريعية تمنع إسقاط الامتيازات لاحقًا. وهنا تظهر براعتهم في استخدام نقطة ضعف نتنياهو: حاجته إلى تأجيل الانتخابات، وترتيب قائمة الليكود، وتمرير تعيينات وقوانين قبل حل الكنيست.

مصدر الصورة زعيم حزب شاس أرييه درعي (رويترز)

في تقرير القناة 13، يكتب يوفال سيغف، مراسل الشؤون السياسية، أن ديغل هتوراه "لا تستخدم كامل قوتها"، لكنها مستعدة "لبيع نتنياهو الوقت" مقابل دفع قانون الحضانات، مع وعد بإعادة بند التغلب وحزمة قوانين أخرى، وقد بات الوقت سلعة سياسية، والحريديم يعرفون أن نتنياهو يحتاج إلى شرائها.

ثمن الوقت

أمير إيتينغر، المراسل السياسي في يديعوت أحرونوت ، يضع الأزمة في إطار سباق تشريعي قبل النهاية. ففي تقريره "حل الكنيست والمضي قدمًا: القوانين التي يسعى الائتلاف إلى تمريرها، وعقبة الحريديم"، يوضح أن الائتلاف يريد دفع قوانين حساسة قبل حل الكنيست، بينها تقسيم منصب المستشارة القانونية للحكومة، وقوانين الاتصالات، وقانون "محاش" (القانون أو التعديلات المتعلقة بوحدة التحقيقات مع أفراد الشرطة)، وتسهيلات ضريبية للمستوطنات في الضفة الغربية.

لكن إيتينغر يخلص إلى أن "جميع القوانين تعتمد على التوصل إلى اتفاقات مع أعضاء الكنيست الحريديم من يهدوت هتوراة، الغاضبين من نتنياهو لعدم وجود مشروع قانون للإعفاء".

والسؤال المركزي، كما يطرحه، ليس هل يريد الائتلاف تمرير القوانين، بل "هل سيوافقون على تمرير قوانين حزب الليكود، وماذا سيطلبون في المقابل؟".

وهنا يظهر جوهر الابتزاز، فالحريديم لا يطلبون فقط قانونًا يعفي طلاب المعاهد الدينية من التجنيد، ولكن باتوا يتحكمون بجدول أعمال الحكومة كلها، وكلما ازدادت حاجة نتنياهو إلى قوانين اليمين قبل الانتخابات، ازدادت قدرة الحريديم على رفع السعر.

قانون الحضانات

يكشف شيلوه فريد، مراسل يديعوت أحرونوت للشؤون السياسية، جانبًا أكثر فجاجة من هذه اللعبة. ففي تقريره عن تهديد الحريديم ودعم الليكود لقانون رعاية أبناء المتهربين من التجنيد، ينقل أن موشيه غافني أبلغ نتنياهو بأنه إذا لم يحصل قانون الحضانات على أغلبية، فإن يهدوت هتوراه ستصوت لصالح تشكيل لجنة تحقيق حكومية في إخفاقات 7 أكتوبر/تشرين الأول.

النتيجة كانت مباشرة، حيث أُقرّ قانون الحضانات في قراءة تمهيدية بأغلبية 44 صوتا مقابل 37. هذه ليست مجرد واقعة برلمانية؛ إنها نموذج كامل لطريقة العمل الحريدية، حيث يهددون في ملف حساس لنتنياهو، أي لجنة تحقيق في 7 أكتوبر/تشرين الأول، فيحصلون على دعم لقانون يمنح امتيازات لعائلات من لا يخدمون في الجيش.

إعلان

وتزداد المفارقة حين ترفض الصهيونية الدينية، الحليف الطبيعي للحريديم داخل اليمين، أن تكون "أداة في يد الحريديم"، وفق ما ورد في المادة نفسها. فحتى داخل الائتلاف، بدأ الشعور بأن الحريديم لا يساومون نتنياهو وحده، بل يبتزون الكتلة كلها.

مصدر الصورة الأحزاب الحريدية "شاس" و"يهدوت هتوراi" لا تستبعد التوجه لانتخابات جديدة (الجزيرة)

الأزمة لا تقف عند قانون التجنيد والحضانات، ففي تقرير آخر لآنا بارسكي في معاريف بعنوان "فرصة للرد بقوة"، يظهر انتخاب مراقب الدولة بوصفه ساحة انتقام سياسي من نتنياهو. فالتصويت سري، ومرشح نتنياهو، المحامي مايكل رابيلو، مرتبط به شخصيًا وسياسيًا، بما يثير تحفظات حتى داخل الائتلاف.

تنقل بارسكي عن مصادر في الائتلاف أن المقربين من نتنياهو "يشعرون بتوتر شديد ولا يثقون إطلاقًا بفوز رابيلو"، والسبب أن الانضباط الائتلافي لا يعمل في التصويت السري، وأن الغضب الحريدي من قانون التجنيد قد يتحول إلى تصويت عقابي، وبهذا المعنى، صار كل صندوق اقتراع داخل الكنيست اختبارًا لمدى تآكل سلطة نتنياهو.

معضلة المعارضة

نداف إيال، الكاتب والمحلل السياسي في يديعوت أحرونوت، يوسع المشهد في مقاله "فخ 2019″، فهو يرى أن نتنياهو مرّ بأصعب شهرين منذ عام 2023، وأن حربه المشتركة مع الولايات المتحدة على إيران لم تحقق النتائج التي أرادها.

وينقل إيال عن الحاخام لاندو قوله: "لم يعد مفهوم الكتلة موجودًا"، معتبرًا أنها ليست تهديدًا عابرًا من ناشط حريدي، بل رسالة هزت نتنياهو.

لكن إيال يضيف مفارقة مهمة: المعارضة نفسها واقعة في فخ الحريديم، فبينيت ولبيد وآيزنكوت وغولان يتنازعون حول كيفية التعامل معهم، أحدهم يريد خطابًا صارمًا حول "التجنيد للجميع"، وآخر يفكر في بناء جسور مع غافني لتشكيل حكومة بديلة. وهكذا ينجح الحريديم في البقاء بيضة القبان، سواء مع نتنياهو أو مع خصومه.

مصدر الصورة صورة تجمع نتنياهو وايزنكوت ونفتالي بينت ويائير لبيد (وكالات)

رافيت هيخت، الكاتبة السياسية في هآرتس ، تقترح زاوية مختلفة في مقالها "عقد مدني جديد مع الحريديم. لا تجنيد إجباري"، فهي تقر بأن تهرب الحريديم من الخدمة "مجحف" وأكثر استفزازا في ظل نقص الجنود، لكنها تحذر من تحويل الهجوم عليهم إلى أداة انتخابية فقط. بالنسبة لها، لا يمكن حل المعضلة بشعارات قسرية، بل بعقد مدني جديد يعيد تعريف علاقة الدولة بالمجتمع الحريدي.

هذه القراءة لا تلغي لعبة الابتزاز، لكنها تفسر أحد أسباب استمرارها: الدولة الإسرائيلية لم تحسم منذ عقود سؤال الحريديم، فتركته يتحول إلى رصيد تفاوضي دائم، وكلما اندلعت أزمة، يعود الحريديم إلى الصيغة نفسها: لا تجنيد بلا أثمان، ولا ائتلاف بلا امتيازات.

تكشف الأزمة الحالية أن نتنياهو لم يعد يدير الحريديم، بل يطارد رضاهم لشراء الوقت وتأجيل السقوط.

والحريديم يدركون أن رئيس الحكومة ضعيف، وأن حاجته إليهم أكبر من حاجتهم إليه، لذلك يرفعون الثمن في كل تصويت، وبات المأزق الأعمق أن إسرائيل لا تواجه أزمة ائتلاف فقط، بل فشلًا تاريخيًا في دمج الحريديم ضمن عقد دولة واحد.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا