آخر الأخبار

20 عاما على تأسيس (الراكوبة).. عندما أصبحت الصحافة الالكترونية ذاكرة وطن

شارك

خالد عبدالله ابواحمد

في الذكرى العشرين لتأسيس موقع (الراكوبة)، لا يمكن النظر إلى هذه التجربة كمجرد موقع إخباري ظهر في الفضاء ‏الإلكتروني ثم استمر، بل كجزء أصيل من سيرة السودان المعاصر، وقطعة حية من ذاكرته العامة في واحدة من أكثر مراحله ‏ظلمة وتعقيدًا. فقد وُلدت (الراكوبة) في زمن الكبت والتعسف والمصادرة، حين كانت الصحف الورقية تُغلق، ويُحذف الخبر قبل ‏أن يُنشر، وتُصادر الأعداد من المطابع، ويُدفع بالصحفيين إلى هوامش الصمت أو المنافي أو السجون‎.‎

في ذلك المناخ المغلق تحولت (الراكوبة) إلى نافذة حقيقية على العالم، ومن العالم إلى السودان. نافذة سمحت للسودانيين في ‏الداخل أن يروا ما يُخفى عنهم، وسمحت للسودانيين في الخارج أن يتابعوا ما يجري في وطنهم دون وسائط السلطة، وسمحت ‏للعالم أن يطّلع على ما كان يحدث خلف جدار الخوف والتضليل. ولم يكن هذا الدور تقنيًا فقط، بل كان سياسيًا ومعرفيًا في ‏جوهره‎.‎

لم تتوقف أهمية (الراكوبة) عند نشر الخبر، بل تعدّته إلى نشر ما لم يكن المواطن العادي يعرف عنه شيئًا: وثائق، وشهادات، ‏وتسريبات، وتحليلات تفتح ملفات ظلّت لسنوات طويلة مغلقة أو محرّمة. ومع مرور الوقت، أسهم هذا التراكم في رفع وعي ‏السودانيين، وفي كسر احتكار الرواية الرسمية، وفي تحويل المتلقي من مستهلك للمعلومة إلى شريك في طرح السؤال والشك ‏والمساءلة‎.‎

ومن مفارقات التجربة أن تأثير (الراكوبة) بلغ حدًّا جعل مؤسسات ووزارات داخل النظام نفسه، رغم عدائها المعلن للصحافة ‏الحرة، تتابع الموقع يوميًا، بل وتستفيد منه، وتنشر أخبارها وبياناتها عبره، لأنها كانت تعرف أن ما يُنشر في الراكوبة يصل ‏إلى جمهور واسع داخل السودان وخارجه، ويصعب تجاهله أو القفز فوقه‎.‎

ومع مرور السنوات، لم تعد (الراكوبة) مجرد نافذة لنقل ما يجري، بل تحولت إلى مساحة لتكوين الرأي العام نفسه. كثير من ‏القضايا التي شغلت لاحقًا الشارع السوداني بدأت أولًا كنصوص أو وثائق نُشرت فيها، ثم خرجت إلى فضاء النقاش العام، ثم ‏وجدت طريقها إلى وسائل إعلام أخرى كانت في السابق عاجزة أو ممنوعة من الاقتراب من هذه المناطق‎.‎

بهذا المعنى، راكمت (الراكوبة) أرشيفًا هائلًا لما جرى في السودان: صراعات داخل السلطة، قرارات مصيرية، فضائح فساد، ‏حروب الهامش، وتسويات الغرف المغلقة. هذا الأرشيف لم يعد مجرد ذاكرة رقمية، بل صار وثيقة اتهام تاريخية مفتوحة ضد ‏مرحلة كاملة‎.‎

وفي قلب هذا الدور، كانت الصحيفة منذ وقت مبكر منبرًا لتعريه النظام الإسلاموي نفسه، لا لانتقاد سياساته فقط، بل لكشف ‏بنيته. فقد كشفت، عبر سنوات طويلة، كيف كان الفساد فيه ليس انحرافات أفراد، بل ثقافة حُكم، وكيف امتد هذا الفساد ليشمل ‏المال العام، والإدارة، والسلوك الأخلاقي، بل وحتى الخطاب العنصري الذي مزّق المجتمع وأعاد إنتاج أسوأ ما فيه‎.‎

نشرت الراكوبة ملفات ووثائق ومقالات عرّت وجوه هذا النظام المتعددة: فساد مالي منظم، تخريب إداري متعمّد، توظيف للدين ‏في التغطية على النهب، وانحدار أخلاقي لم يتورع عن استخدام العنصرية والكراهية أداة في إدارة الصراع السياسي ‏والاجتماعي. ولهذا تحولت، طبيعيًا، إلى واحد من أكثر المنابر إزعاجًا للسلطة‎.‎

في هذا السياق، لم تكن الكتابة في (الراكوبة) مجرد نشر رأي، بل اشتغالًا مباشرًا على ملفات ثقيلة وحساسة تمس قلب السلطة. ‏من هذا النوع من الكتابة خرجت نصوص حاولت تفكيك بنية الحكم عبر تتبع شبكات النفوذ والمال والعائلة، ونصوص فتحت ‏ملف الحسابات والأموال والواجهات، وربطت بين المحلي والسياق الدولي عبر الوثائق والتسريبات‎.‎

من بين هذه النصوص مقالات تناولت تداخل السلطة بالمال والعائلة، مثل مقال «عمر البشير.. وداد بابكر إمبراطورة السلطة ‏والمال.. علي عثمان.. انهيار السودان»، ومقال «حقائق وأسرار الحساب المصرفي للرئيس عمر البشير في بنوك سويسرا»، ومقال «من (حوش بانقا) إلى ‏حوش (ويكيليكس).. أسرار وخفايا». هذه النماذج لا تُذكر من باب التفاخر، بل لأنها تعبّر عن طبيعة الدور الذي لعبته ‏‏(الراكوبة): فتح الملفات الثقيلة وكسر الخوف من المعرفة‏‎.‎

بالنسبة لي شخصيًا، كانت تجربتي مع الراكوبة أكثر من تجربة نشر. كانت مساحة مواجهة مفتوحة مع خطاب كامل ومنظومة ‏فكرية وسياسية وإعلامية. وبسبب هذا الفضاء الحر، أمكن للنص الطويل، والتحقيق الممتد، والمقال التحليلي، أن يجد مكانه ‏دون مقص رقيب أو حسابات خوف. وبمرور الوقت، تشكّلت علاقة خاصة بين النص والقارئ، وارتفع سقف التلقي، وصار ‏الجمهور ينتظر الفهم لا مجرد الخبر‎.‎

ولم يكن أثر ذلك محصورًا في القراء، بل امتد إلى داخل بنية الدولة نفسها. كثير من المسؤولين والمؤسسات صاروا يقرؤون ‏الراكوبة يوميًا لأنهم يعرفون أن ما يُنشر فيها قد يفتح ملفًا أو يصنع أزمة أو يفرض نقاشًا عامًا لا يمكن تجاهله. وهكذا نشأت ‏مفارقة سودانية لافتة: سلطة تضيق بالصحافة الحرة، لكنها تتابعها وتخشاها وتحتاجها في الوقت نفسه‎.‎

في قلب هذه التجربة يقف مؤسس (الراكوبة) الأخ العزيز الوليد الحسين، الذي راهن منذ البداية على فكرة بسيطة وخطيرة في ‏آن واحد: أن تُترك الكلمة حرة، وأن يُترك الناس يعرفون. هذا الرهان، في سياق سوداني مثقل بالقمع والتضييق، كان فعل ‏مقاومة حقيقي، قبل أن يكون مشروعًا إعلاميًا‎.‎

بعد عشرين عامًا، يمكن القول إن الراكوبة صارت واحدة من أهم مؤسسات الذاكرة العامة السودانية خارج إطار الدولة. ليست ‏لأنها كانت بلا أخطاء، بل لأنها أدت الدور الذي كان ينبغي للصحافة أن تؤديه: أن تكون عين الناس، وصوتهم، وذاكرتهم‎.‎

وفي هذه المناسبة، لا أجد أصدق من أن أقول: شكرًا لك أخي العزيز الوليد الحسين، وشقيقه الجندي المجهول أبوالوليد حفظكم ‏الله ورعاكم ومتعكم بالصحة والعافية، كما أشكرك الزميل الاخ العزيز الاستاذ بكري الصائغ الذي لفت انتباهي لهذه الذكرى، ‏وشكرًا للراكوبة لأنها كانت، ولا تزال، في قلب معركة الوعي السوداني‎.‎

الاربعاء 14 يناير 2026

الراكوبة المصدر: الراكوبة
شارك

الأكثر تداولا دونالد ترامب أمريكا إيران

حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا