آخر الأخبار

مستقبل القضية الفلسطينية: المقاومة والتهجير والحلول السياسية

شارك

شهدت التجربة الفلسطينية المعاصرة تحولاً جذرياً في موازين القوى، تمثل في تنامي قدرات المقاومة المسلحة بقطاع غزة. هذا التطور لم يكن وليد الصدفة، بل جاء نتاج تراكم خبرات قتالية عبر سلسلة من المواجهات العسكرية الكبرى منذ عام 2008 وصولاً إلى معركة 'سيف القدس' عام 2021، مما مهد الطريق لعملية السابع من أكتوبر التي أحدثت زلزالاً في المنظومة الأمنية والعسكرية للاحتلال.

أسفرت عملية 'طوفان الأقصى' عن نتائج ميدانية غير مسبوقة، حيث تم تحطيم فرقة غزة التابعة لجيش الاحتلال وأسر مئات الجنود والمستوطنين. ورغم حرب الإبادة التي تلت ذلك واستمرت لعامين، إلا أن الاحتلال فشل في كسر إرادة المقاومة أو تحقيق أهدافه المعلنة بالقضاء على القدرات العسكرية للفصائل الفلسطينية، التي لا تزال تحتفظ بزمام المبادرة الميدانية.

أدت الحرب الوحشية على قطاع غزة إلى تحويله لمكان غير قابل للحياة بفعل الدمار الشامل، لكنها في المقابل دمرت سمعة الكيان الصهيوني دولياً. فقد باتت إسرائيل تُصنف كدولة مارقة ومنبوذة في نظر الرأي العام العالمي، بما في ذلك المجتمعات الغربية التي كانت تشكل الحاضنة التاريخية والداعمة لمشروعها الاستعماري منذ عقود.

جاء اتفاق وقف إطلاق النار الأخير تحت إشراف الإدارة الأمريكية بقيادة دونالد ترامب، ليحاول فرض واقع سياسي لا يعكس حقيقة موازين القوى على الأرض. ومع استمرار الانتهاكات الصهيونية لشروط الاتفاق بتغطية أمريكية، يحاول البعض الترويج لفكرة انتهاء دور المقاومة المسلحة، وهو تقدير يفتقر للدقة والموضوعية بالنظر إلى الواقع الميداني في غزة.

بالتوازي مع أحداث غزة، تشهد الضفة الغربية تصعيداً استيطانياً محموماً يهدف إلى الضم الفعلي وتحويل المدن والقرى إلى ساحات حرب مفتوحة. هذه السياسة الممنهجة التي تشمل هدم المنازل ومصادرة الأراضي تهدف بالأساس إلى تهيئة الظروف لعمليات تهجير واسعة النطاق، مما يضع الشعب الفلسطيني أمام تحديات وجودية غير مسبوقة.

الصراع في المرحلة القادمة سيرتكز حول سؤال جوهري: فلسطين كل فلسطين لمن؟ وحق الوجود فيها لمن يمتلك الأرض تاريخياً أم للمستوطنين.

في ظل هذه المعطيات، برز تيار سياسي يطالب بصياغة مشروع وطني جديد يرتكز على مواجهة نظام الفصل العنصري 'الأبارتايد'. ويرى أصحاب هذا التوجه أن استراتيجية المقاومة والانتفاضة قد استنفدت أغراضها، داعين إلى التمسك بقرارات الشرعية الدولية وحل الدولتين كخيار وحيد لمواجهة المشروع الصهيوني المدعوم أمريكياً.

إلا أن القراءة الواقعية لموازين القوى تشير إلى خطأ هذا التوجه، فالمقاومة المسلحة في قطاع غزة لا تزال قائمة ومؤثرة. إن أي اتفاقات قادمة لن تنجح في تجريد المقاومة من سلاحها أو إنهاء سيطرتها الأمنية، بل إن الواقع يفرض تكريس بقاء هذا السلاح كضمانة وحيدة لحماية المكتسبات الوطنية ومنع تصفية القضية.

إن المشروع الصهيوني في مرحلته الراهنة لا يسعى لإقامة نظام فصل عنصري للتعايش مع الفلسطينيين كطبقة أدنى، بل يهدف صراحة إلى الضم والتهجير. هذا المشروع الاقتلاعي-الإحلالي لا يمكن مواجهته بالوسائل الدبلوماسية وحدها، بل يتطلب تفعيل كافة أشكال المقاومة التي أثبتت التجربة الفلسطينية نجاعتها في مواجهة التغول الاستيطاني.

تتنوع أشكال المقاومة المطلوبة في المرحلة المقبلة بين العمليات الفردية وكتائب المقاومة المنظمة في جنين ونابلس وطولكرم، وصولاً إلى التشكيلات الكبرى في غزة. ومن الخطأ الاعتقاد بأن زمن المقاومة المسلحة قد ولى، فالتاريخ الفلسطيني يؤكد أن الشعب يلجأ دائماً لابتكار أدوات نضالية جديدة كلما اشتد عليه الخناق الاستعماري.

في نهاية المطاف، يعود الصراع إلى مربعه الأول المتمثل في سؤال: 'فلسطين لمن؟'. إن سياسات الاحتلال التي أحبطت كافة الحلول الدولية، من أوسلو إلى حل الدولتين، لم تترك للفلسطينيين خياراً سوى الاستمرار في الصراع الوجودي، مؤكدين بتمسكهم بأرضهم في غزة والضفة أن الشعب الذي رفض الرحيل لن يرحل أبداً.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا