اعتبر الكاتب البريطاني ديفيد هيرست أن الحرب الراهنة التي تشنها إسرائيل والولايات المتحدة ضد إيران تمثل بداية لمشروع استراتيجي أوسع يهدف إلى إعادة رسم الخارطة السياسية والجغرافية للشرق الأوسط. وأوضح هيرست أن الضربة التي استهدفت القيادة الإيرانية العليا، وأدت لاستشهاد المرشد الأعلى علي خامنئي، كشفت أن الغاية الحقيقية تتجاوز الملف النووي لتصل إلى تقويض الدولة الإيرانية كقوة إقليمية منافسة.
وأشار هيرست في مقال نشره موقع 'ميدل إيست آي' إلى أن الهجوم العسكري جاء في وقت كانت فيه طهران قد قدمت عرضاً دبلوماسياً كبيراً عبر الوساطة العُمانية، يتضمن تقليص مخزون اليورانيوم عالي التخصيب. إلا أن واشنطن وتل أبيب اختارتا التصعيد العسكري، مما يثبت أن المفاوضات كانت مجرد غطاء زمني لترتيب عملية اغتيال القيادة الإيرانية التي كانت تحت مراقبة الاستخبارات الأمريكية لشهور.
ويرى الكاتب أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وجد في الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الشريك المثالي لتحقيق حلم يراوده منذ عقود، وهو توجيه ضربة قاصمة لـ 'العماليق' كما يصف إيران. ويهدف نتنياهو من هذه الحرب الشاملة إلى تحويل إيران من دولة مركزية قوية إلى كونفدرالية ضعيفة من الكانتونات العرقية الممزقة، مما يزيل آخر عقبة أمام الهيمنة الإسرائيلية المطلقة.
وحذر المقال من أن طموحات اليمين الإسرائيلي لم تعد تقتصر على الأراضي الفلسطينية، بل باتت تتحدث علانية عن 'إسرائيل الكبرى'. واستشهد هيرست بتصريحات السفير الأمريكي مايك هوكابي وزعيم المعارضة يائير لابيد، التي تلمح إلى توسع إقليمي قد يشمل أجزاءً من العراق وسوريا، وصولاً إلى بسط النفوذ بين نهري النيل والفرات في ظل غياب أي قوة إقليمية رادعة.
وفي سياق التحالفات الدولية، برزت الهند كحليف استراتيجي غير غربي لإسرائيل، حيث يرى هيرست أن نيودلهي توفر الدعم الاقتصادي والتكنولوجي والعمالة البديلة للفلسطينيين. هذا التحالف يهدف إلى جعل إسرائيل أقل اعتماداً على الدعم الغربي المباشر، وتثبيت مكانتها كقوة عسكرية مهيمنة مدعومة بقواعد جوية منتشرة في أنحاء المنطقة، مما يضع الدول العربية أمام واقع سيادي متآكل.
ميدانياً، بدأت إيران بتنفيذ استراتيجية 'الحرب طويلة الأمد' والرد العسكري المضاد الذي استهدف المصالح الاقتصادية العالمية. فقد أدت الهجمات الإيرانية إلى إغلاق مضيق هرمز وتعطيل منشآت نفطية حيوية في السعودية وقطر والإمارات، مما تسبب في قفزة حادة بأسعار الطاقة العالمية، في محاولة من طهران لرفع تكلفة الحرب على واشنطن وحلفائها إلى مستويات غير مسبوقة.
وأوضح هيرست أن إيران وسعت دائرة استهدافها لتشمل قواعد عسكرية بريطانية وفرنسية في قبرص وأبوظبي عبر الطائرات المسيرة، مما يعكس تحولاً في العقيدة القتالية الإيرانية نحو تدويل الصراع. وتدرك القيادة الجديدة في طهران، التي فعلت نظام القيادة اللامركزية أن الضغط على الاقتصاد العالمي هو الورقة الوحيدة التي قد تجبر ترامب على مراجعة حساباته العسكرية.
وعلى الصعيد الداخلي الإسرائيلي، كشفت التقارير عن نزيف اقتصادي حاد، حيث بلغت خسائر الاقتصاد الإسرائيلي نحو 9.4 مليارات شيكل أسبوعياً منذ اندلاع المواجهة في فبراير الماضي. ورغم هذه التكاليف الباهظة، يواصل نتنياهو الضغط العسكري، معتبراً أن هذه الحرب هي 'بوليصة التأمين' الوحيدة لبقاء مشروعه السياسي بعد الدمار الذي لحق بسمعة إسرائيل الدولية جراء حرب الإبادة في غزة.
وانتقد هيرست ما وصفه بـ 'الخطأ القاتل' الذي ارتكبته إيران وحزب الله في بداية أحداث أكتوبر 2023، حين فضلوا عدم فتح جبهة شاملة ومنسقة، مما سمح لإسرائيل بالاستفراد بكل طرف على حدة. والآن، تجد إيران نفسها مضطرة لخوض معركة وجودية بعد أن انخدعت بالرسائل الدبلوماسية الأمريكية التي كانت تهدف فقط لشراء الوقت وتجهيز مسرح العمليات للاغتيالات الكبرى.
وبالنسبة لدول الخليج، يرى الكاتب أنها تدفع ثمناً باهظاً لصراع لم تكن ترغب فيه، حيث تجاهلت واشنطن تحذيرات الرياض والدوحة من مغبة ضرب إيران. وتجد هذه الدول نفسها الآن في مرمى النيران المتبادلة، مع تزايد المخاطر من اندلاع حروب أهلية في الجوار الإيراني قد تؤدي إلى موجات نزوح بشرية هائلة نحو الغرب، مما يزعزع استقرار المنطقة بأكملها.
إن استراتيجية نتنياهو تعتمد بشكل أساسي على ضعف الدول العربية وتفككها، حيث يسعى لإقامة 'سايكس بيكو' جديدة تضمن تفوق إسرائيل الدائم. ويرى هيرست أن هذا المشروع لن يتوقف عند إيران، بل قد ينتقل في مراحل لاحقة لاستهداف قوى إقليمية أخرى مثل تركيا، تحت ذات الذرائع الأيديولوجية والأمنية التي تسوقها الحكومة اليمينية المتطرفة حالياً.
وفي الختام، يراهن النظام الإيراني على قدرته على الصمود واستنزاف الإدارة الأمريكية، معتمداً على أن مقتل خامنئي قد يمنح الثورة غاية جديدة وروحاً قتالية أعلى. ويبقى السؤال الجوهري حول مدى قدرة ترامب على تحمل تبعات حرب إقليمية شاملة تضر بمصالح قاعدته الانتخابية، في ظل إصرار إسرائيلي على المضي قدماً نحو تغيير وجه الشرق الأوسط للأبد.
تظهر المعطيات الميدانية أن تكلفة العمليات العسكرية الأمريكية التي بلغت مليار دولار يومياً تضع ضغوطاً هائلة على ميزانية واشنطن، بالتزامن مع ارتفاع موازنة الدفاع الإسرائيلية لعام 2026 إلى مستويات قياسية. هذا الاستنزاف المالي المتبادل قد يحدد في نهاية المطاف المنتصر في حرب الإرادات، ما لم تتدخل قوى دولية لفرض تهدئة تمنع الانهيار الشامل للنظام العالمي.
إن المشهد الحالي في الشرق الأوسط يشير إلى أن المنطقة دخلت نفقاً مظلماً من الصراعات الوجودية، حيث تتصادم أحلام الهيمنة الإسرائيلية مع محاولات البقاء الإيرانية. وبينما تشتعل النيران في منشآت النفط وخطوط الملاحة، يبدو أن 'الواقع الجديد' الذي يسعى نتنياهو لفرضه سيكلف المنطقة والعالم أثماناً تفوق بكثير ما كان متوقعاً عند إطلاق الرصاصة الأولى في هذه الحرب.
المصدر:
القدس