تتصاعد حدة التوترات العسكرية في لبنان بشكل غير مسبوق، حيث شهدت الساعات الأخيرة غارات إسرائيلية مكثفة استهدفت أحياءً كاملة في الضاحية الجنوبية لبيروت. وتأتي هذه التطورات وسط خشية رسمية وشعبية من تكرار سيناريو حرب عام 2006، التي اعتمدت فيها إسرائيل استراتيجية التدمير الشامل للمناطق السكنية.
أصبحت الضاحية الجنوبية لبيروت في الوقت الراهن منطقة شبه مخلاة من سكانها، مع استمرار صدور أوامر الإخلاء الإسرائيلية التي وصلت إلى حي الحدث ومناطق حيوية أخرى. وقد حددت هذه الإنذارات مسارات إجبارية للنزوح باتجاه مناطق شرق وشمال لبنان، مما فاقم من الأزمة الإنسانية المتفاقمة أصلاً.
ولم تقتصر أوامر الإخلاء على العاصمة فحسب، بل امتدت لتشمل شريطاً جغرافياً واسعاً يبدأ من الحدود الدولية وصولاً إلى نهر الليطاني، بما في ذلك مدينة صور التاريخية. وتثير هذه التحركات تساؤلات جدية حول الأهداف العسكرية النهائية للاحتلال في ظل استمرار العمليات البرية والقصف الجوي المكثف.
ويرى مراقبون وباحثون سياسيون أن عمليات الإخلاء في جنوب الليطاني تندرج ضمن سياقين؛ الأول يتعلق بالتمهيد لتوسيع الحرب البرية، والثاني يهدف إلى فرض واقع عسكري جديد يتجاوز تفاهمات وقف إطلاق النار السابقة. ويشير هؤلاء إلى أن المدن المستهدفة حالياً، مثل النبطية، كانت قد تعرضت لدمار هائل في حروب سابقة.
وفيما يخص الضاحية الجنوبية، تشير التحليلات إلى أن الاحتلال يهدف من خلال التدمير الممنهج إلى ممارسة أقصى درجات الضغط على الحكومة اللبنانية. وتسعى إسرائيل من خلال هذه السياسة إلى دفع الدولة لاتخاذ قرارات سيادية ضد حزب الله، مستخدمةً ورقة استهداف المنشآت المدنية كأداة للابتزاز السياسي.
وتبرز 'عقيدة الضاحية' مجدداً كخطر داهم، وهي الاستراتيجية التي تعتمد على إلحاق ضرر جسيم بالبنية التحتية والمدنية لإجبار الحاضنة الشعبية على التخلي عن خياراتها السياسية والعسكرية. ويبدو أن الاحتلال يتجه لرفع كلفة المواجهة على المدنيين اللبنانيين بشكل مباشر لتعويض إخفاقاته في الميدان العسكري.
وتشير مصادر مطلعة إلى أن لجوء إسرائيل لاستهداف البعد المدني قد يعكس فجوة في المعلومات الاستخباراتية المتعلقة بالبنية العسكرية والأمنية لحزب الله. ففي حين تظل القواعد العسكرية محصنة، يجد الاحتلال في الأحياء السكنية أهدافاً سهلة لإظهار القوة وتحقيق مكاسب إعلامية ونفسية.
داخلياً، تتباين المواقف اللبنانية تجاه الأزمة، حيث تبرز أصوات تحمل حزب الله مسؤولية الانزلاق إلى حرب شاملة يرى البعض أن البلاد كانت في غنى عنها. ومع ذلك، يرى آخرون أن تقييم النتائج لا يمكن أن يتم إلا بعد انتهاء المعركة واتضاح معالم التسوية السياسية التي قد تلي هذا التصعيد.
وتشير التقديرات إلى أن لبنان قد يكون جزءاً من تسوية إقليمية شاملة تهدف لإنهاء الصراع في الشرق الأوسط، لكن الوصول إلى هذه المرحلة قد يمر عبر بوابة التصعيد العسكري العنيف. ويبدو أن المسار الدبلوماسي لم يحقق نتائج ملموسة حتى الآن، مما جعل الميدان هو الحكم الوحيد في رسم ملامح المرحلة المقبلة.
على الصعيد الإنساني، تواجه الحكومة اللبنانية تحديات هائلة في تأمين احتياجات مئات آلاف النازحين الذين تركوا منازلهم في الجنوب والضاحية والبقاع. ومع توقع توسع أوامر الإخلاء لتشمل مناطق جديدة في البقاع الشمالي، تزداد المخاوف من انهيار منظومة الإغاثة الوطنية في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي تمر بها البلاد.
المصدر:
القدس