سادت حالة من الذهول والصدمة في الشارع الجزائري عقب إقدام الشاب رشيد حيرش على إنهاء حياته في أول أيام شهر رمضان المبارك. ووثق الشاب اللحظات الأخيرة من حياته عبر تسجيل مصور بثه على منصة 'تيكتوك'، حيث أعلن صراحة عن عزمه الانتحار قبل أن يتناول مادة 'روح الملح' السامة أمام آلاف المتابعين.
الحادثة التي وقعت في مدينة برج منايل شرق العاصمة الجزائر، حظيت بتفاعل هائل حيث تجاوزت مشاهدات المقطع ستة ملايين مشاهدة في وقت قياسي. وظهر الشاب في الفيديو وهو يفتح قارورة المادة السامة، موجهاً رسائل وداع مؤثرة لعائلته ومتابعيه، ومحدداً المكان الذي سيتم العثور فيه على جثته.
واستهل الراحل حديثه بطلب الصفح من والدته، معبراً عن ندمه على المتاعب التي سببها لها خلال حياته، كما وجه كلمات لشقيقيه مؤكداً عدم قدرته على الاستمرار في العيش. وربط الشاب قراره المأساوي باعتقاده الراسخ بأنه يقع تحت تأثير 'السحر'، وهو ما بدا مسيطراً على حالته النفسية المتدهورة في آونة الأخيرة.
وكشف الشاب في وصيته المصورة عن خلفية معاناته مع الإدمان على الحبوب المهلوسة، محذراً الشباب من الانزلاق في هذا الطريق المظلم. وأشار إلى الوشوم التي تغطي جسده كدليل على الآثار التدميرية للأقراص المخدرة، داعياً كل من لم يجربها إلى الابتعاد عنها نهائياً لضمان سلامتهم العقلية والجسدية.
وأوضح حيرش أنه قضى الأشهر الأربعة الأخيرة من حياته في عزلة تامة داخل منزله، متسائلاً بمرارة عن جدوى الخروج ومواجهة المجتمع. وبدت نبرة صوته مزيجاً من اليأس والسكينة الزائفة، حيث قال إنه يشعر بالفرح لملاقاة ربه، ظناً منه أن الموت هو السبيل الوحيد للخلاص من آلامه النفسية والروحية.
وفور انتشار الخبر، ضجت مواقع التواصل الاجتماعي بالتعازي والنقاشات الحادة حول أسباب هذه الظاهرة المتنامية بين الشباب. واعتبر مراقبون أن الحادثة تعكس أزمة عميقة تتعلق بانتشار المهلوسات في الأحياء الشعبية، فضلاً عن غياب الوعي الكافي بضرورة العلاج النفسي المتخصص بعيداً عن التفسيرات الغيبية.
من جانبه، وصف الباحث في التراث الإسلامي لخضر رابحي الواقعة بأنها 'مؤشر خطير للغاية' يهدد تماسك المجتمع الجزائري. وشدد رابحي على أن مواجهة خطر المهلوسات تتطلب إجراءات استثنائية وثورة حقيقية ضد مروجي هذه السموم التي تستهدف عقول الشباب وتدفعهم نحو الانتحار والضياع.
وانتقد رابحي بعض أنماط التدين التي لا توفر الطمأنينة للروح، بل تكرس أوهاماً حول الجن والسحر وعالم الغيب، مما يعمق أزمات الشباب النفسية. ودعا السلطات الرسمية إلى التعامل مع ملف المخدرات والخطاب الديني المشوه كقضية أمن قومي تتطلب حماية عاجلة للأجيال الصاعدة من المهلوسات المادية والمعنوية.
وأعادت هذه المأساة إلى الواجهة الجدل القديم المتجدد حول الخلط بين الأمراض النفسية والمسائل الغيبية في المجتمعات العربية. وأشار ناشطون إلى أن الكثير من الشباب يعانون من اضطرابات كيميائية في الدماغ تستوجب تدخلاً طبياً، لكنهم يكتفون باللجوء إلى الرقية أو العزلة لاعتقادهم بأنهم 'مسحورون'، مما يؤدي لتفاقم حالتهم.
وفي ختام الفيديو الذي هز الجزائر، طلب الشاب من الجميع الدعاء له بالرحمة والمغفرة، تاركاً وراءه تساؤلات مفتوحة حول دور المؤسسات الاجتماعية والدينية في احتواء الشباب. وتواصل الجهات المعنية التحقيق في ملابسات الحادثة، بينما تطالب أصوات شعبية بتكثيف الحملات الأمنية ضد تجار السموم في الأحياء الشعبية.
المصدر:
القدس