أنهت القيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM) مهمة استراتيجية استغرقت 23 يوماً، تم خلالها نقل أكثر من خمسة آلاف سجين من عناصر تنظيم داعش من الأراضي السورية إلى العراق. وتأتي هذه الخطوة في وقت حساس يواجه فيه العراق جملة من التحديات السياسية والأمنية والاقتصادية المعقدة، مما يثير تساؤلات حول أهداف هذا القرار المفاجئ.
وأكدت وزارة العدل العراقية أن السجناء المنقولين وُضعوا في سجن واحد مؤمن بالكامل، مشيرة إلى البدء في إجراءات التحقيق معهم تمهيداً لمحاكمتهم وفقاً للقوانين العراقية النافذة. ورغم التأكيدات الرسمية بأن العملية تمت بقرار سيادي، إلا أن مراقبين يرون أن بغداد قد تكون أُرغمت على قبول هذا العبء الأمني الثقيل.
وكشفت البيانات القضائية أن إجمالي المنقولين بلغ 5704 متهمين ينتمون إلى 61 دولة حول العالم، من بينهم نحو 467 عراقياً فقط، بينما تجاوز عدد السوريين 3 آلاف شخص. وتظهر هذه الأرقام أن نسبة العراقيين لا تتجاوز 8%، مما يضع العراق في مواجهة مسؤولية قانونية وأمنية دولية نيابة عن عشرات الدول الأخرى.
وفي مفاجأة حقوقية، أعلنت محكمة الكرخ الأولى في بغداد أنها فرزت 157 حدثاً دون سن الثامنة عشرة من بين أول 500 سجين تم استجوابهم. هذا الرقم أثار صدمة واسعة وتساؤلات حول كيفية انضمام هؤلاء الأطفال للتنظيم، وما إذا كانوا قد وُلدوا في مخيمات الاحتجاز أم جُندوا في سن مبكرة جداً.
وتشير تقارير إعلامية دولية إلى أن واشنطن أحبطت محاولة فرار 'شبه كارثية' لنحو 6 آلاف من أخطر معتقلي التنظيم في سوريا قبل نقلهم. وبحسب مصادر إعلامية، فإن نجاح عملية الهروب تلك كان من الممكن أن يغير الخارطة الأمنية للمنطقة برمتها، مما دفع لاتخاذ قرار النقل السريع والسري إلى الداخل العراقي.
وتبرز مخاوف جدية بشأن قدرة العراق على تأمين هؤلاء السجناء، خاصة مع استحضار تجارب سابقة شهدت هروب المئات من عناصر التنظيم من سجون الخالص وأبو غريب والتاجي. وتخشى الأوساط الأمنية من تكرار سيناريوهات الأعوام 2012 و2013 التي مهدت لسقوط مدن عراقية كاملة بيد التنظيم لاحقاً.
وعلى الصعيد اللوجستي، تعاني السجون العراقية أصلاً من اكتظاظ خانق، حيث صرح وزير العدل خالد شواني بأنها تضم نحو 65 ألف نزيل، وهو ضعف طاقتها الاستيعابية. ويطرح هذا الواقع تساؤلات حول المعايير الدولية للاحتجاز ومدى قدرة البنية التحتية العراقية على استيعاب آلاف العناصر الإضافية من المقاتلين الأجانب.
وتمثل التكلفة المالية عبئاً إضافياً على ميزانية الدولة، حيث تُقدر مصادر مطلعة ميزانية حماية وإطعام هؤلاء السجناء بنحو 250 مليون دولار سنوياً. ويأتي هذا الإنفاق الضخم في وقت تفرض فيه الحكومة إجراءات تقشفية ورفعاً للتعرفة الجمركية لتعظيم الإيرادات غير النفطية ومواجهة الأزمة الاقتصادية.
سياسياً، يتزامن هذا الملف مع انسداد في مسار تشكيل الحكومة الجديدة واستمرار أزمة انتخاب رئيس الجمهورية بين القوى الكردية. كما يبرز الخلاف حول منصب رئيس الوزراء، مع إصرار الإطار التنسيقي على ترشيح نوري المالكي، وهو ما يقابل برفض أمريكي واضح عبّر عنه الرئيس دونالد ترامب مؤخراً.
ويرى محللون أن تحويل العراق إلى مركز احتجاز دولي لعناصر داعش قد يكون جزءاً من 'حقبة جيوسياسية جديدة' أشار إليها وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو. هذا التوجه يضع العراق في 'عنق الزجاجة'، حيث يتحمل تبعات أمنية دولية في ظل وضع داخلي هش وقرب انسحاب القوات الأمريكية من بعض القواعد.
وتسود حالة من الغموض حول الضمانات الدولية لتمويل هذه العمليات أو توفير الدعم التقني لحماية السجون من أي هجمات خارجية محتملة. فالعراق الذي كافح لسنوات للتخلص من سطوة التنظيم، يجد نفسه اليوم مضطراً لاستضافة آلاف من كوادره الأجنبية التي رفضت دولهم الأصلية استعادتهم.
كما تثار شكوك حول نزاهة المحاكمات وسرعتها في ظل الضغوط الدولية والانتقادات الحقوقية السابقة للمنظومة القضائية العراقية. وتخشى منظمات حقوقية من صدور أحكام إعدام جماعية قد تثير ردود فعل دولية أو تؤدي إلى تأجيج التوترات الطائفية التي يحاول العراق تجاوزها منذ سنوات.
ويبقى السؤال الأبرز يدور حول المنفعة التي سيجنيها العراق من هذا الدور الجديد كـ 'سجان عالمي' لأخطر التنظيمات الإرهابية. فبينما تسعى واشنطن لضمان بقاء هؤلاء خلف القضبان، يواجه العراقيون مخاطر أمنية واقتصادية قد تهدد استقرار بلادهم في مرحلة ما بعد الانسحاب الأمريكي المرتقب.
إن المشهد الحالي بين بغداد وواشنطن يلفه الضباب، حيث تبدو الخيارات الأمريكية مبهمة تجاه مستقبل العملية السياسية في العراق. ومع استقبال هذه الدفعة الكبيرة من السجناء، يظل شبح المصير الغامض يلاحق الدولة العراقية التي تحاول الموازنة بين التزاماتها الدولية وأمنها القومي المهدد.
المصدر:
القدس