تتصاعد مأساة آلاف العائلات الفلسطينية في قطاع غزة مع استمرار تدفق جثامين الشهداء مجهولي الهوية، وهو الملف الذي بات يثقل كاهل نحو 9500 عائلة فقدت الاتصال بأبنائها. وأفادت مصادر ميدانية بأن الأيام الأخيرة شهدت مواراة جثامين 53 شهيداً الثرى، بعد أن سلمتهم سلطات الاحتلال الإسرائيلي عبر اللجنة الدولية للصليب الأحمر دون أي بيانات توضيحية.
ووصلت هذه الجثامين إلى مواقع الدفن في حالة من الغموض التام، حيث امتنع الجانب الإسرائيلي عن تقديم أي تفاصيل تتعلق بملابسات استشهاد هؤلاء المواطنين أو الأماكن التي احتجزوا فيها طوال الفترة الماضية. وأكدت اللجان المختصة بملف المفقودين أن غياب المعلومات الرسمية يضاعف من عذاب ذوي الضحايا الذين يبحثون عن إجابات شافية.
وعلى مدار أسبوع كامل، شهد مجمع الشفاء الطبي توافد مئات العائلات في محاولات يائسة للتعرف على رفات أبنائها، إلا أن الصدمة كانت سيدة الموقف بسبب التشويه الشديد الذي طال الجثامين. وأوضحت المصادر أن فقدان أجزاء من الأجساد وتحللها جعل من عملية التعرف البصري أمراً شبه مستحيل في معظم الحالات التي وصلت مؤخراً.
وفي محاولة لتسهيل المهمة على الأهالي، لجأت اللجنة المختصة إلى تصوير بعض الرفات وعرضها عبر شاشات تلفزيونية داخل المستشفيات، على أمل رصد أي علامات فارقة قد تميز الشهيد. ورغم هذه الجهود المضنية، لم تسفر عمليات العرض عن نتائج ملموسة حتى الآن، مما اضطر الجهات المعنية للمضي قدماً في إجراءات الدفن الجماعي المنظم.
وجرت عمليات الدفن في ما بات يُعرف بـ 'مقبرة الأرقام' الواقعة جنوب مدينة دير البلح، حيث يتم تخصيص مساحات لمجهولي الهوية الذين تعذر الوصول لذويهم. وتشير الإحصائيات إلى مواراة أكثر من 450 شهيداً في هذه المقبرة منذ دخول اتفاق التهدئة حيز التنفيذ في العاشر من أكتوبر تشرين الأول لعام 2025.
وتم وضع الجثامين داخل أكياس بيضاء مع وضع أرقام تسلسلية على القبور، في خطوة تهدف إلى حفظ حقوق العائلات في إجراء فحوصات الحمض النووي (DNA) مستقبلاً. وتأمل السلطات المحلية في توفر الأجهزة التقنية والمخبرية اللازمة في وقت لاحق، لتمكين العائلات من استعادة رفات أبنائها ونقلهم إلى مقابر عائلاتهم.
ومنذ سريان اتفاق وقف إطلاق النار، تسلمت وزارة الصحة في غزة رفات 414 فلسطينياً عبر الصليب الأحمر، وذلك ضمن تفاهمات شملتها المرحلة الأولى من الاتفاق. وتؤكد المعطيات الرسمية أن الاحتلال كان يحتجز قبل هذا التاريخ نحو 735 جثماناً في مقابر سرية، بالإضافة إلى مئات المفقودين الذين لا يُعرف مصيرهم حتى اللحظة.
وتشير تقارير حقوقية ومصادر إعلامية دولية إلى أن جيش الاحتلال يحتجز في معسكر 'سدي تيمان' وحده نحو 1500 جثمان لفلسطينيين من قطاع غزة. وتثير هذه الأرقام مخاوف كبيرة لدى المنظمات الإنسانية حول طبيعة الظروف التي قُتل فيها هؤلاء، ومدى الالتزام بالقوانين الدولية المتعلقة بمعاملة جثامين الضحايا في النزاعات المسلحة.
وتبقى العائلات الفلسطينية معلقة بين أمل العثور على أبنائها أحياء في سجون الاحتلال، أو الحصول على جثامينهم لدفنها بكرامة، حيث تستمر عمليات الاستدعاء للمطابقة الظاهرية. وتعتمد هذه العمليات على فحص الملابس أو الطول أو الإصابات القديمة، وهي وسائل تظل قاصرة أمام حجم التشويه والتحلل الذي يلحق بالجثامين المستلمة.
المصدر:
القدس