تبدو تحركات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على الساحة الدولية للوهلة الأولى كأنها تفتقر إلى التنسيق أو التركيز، نظراً لشمولها مساحات جيوسياسية متباعدة تمتد من أمريكا اللاتينية إلى القوقاز والشرق الأوسط. ومع ذلك، فإن التدقيق في هذه السياسات يكشف عن خيط ناظم يستند إلى ركيزتين أساسيتين تهدفان إلى تثبيت أركان الهيمنة الأمريكية في عالم متغير.
تتمثل الركيزة الأولى في السيطرة المحكمة على مفاصل الجغرافيا العالمية، وتحويلها من مجرد مساحات عسكرية إلى منصات إدارية منضبطة. هذا التحول يعكس تبدلاً عميقاً في العقل الاستراتيجي الأمريكي، حيث يتم استبدال الهيمنة العسكرية المباشرة بأساليب تتناسب مع نهاية زمن القوة الخشنة التقليدية وبروز تحديات دولية جديدة.
تأتي هذه التحركات في سياق السباق المحموم مع الصين، التي باتت تمتلك شبكة علاقات دولية تهدد المصالح الأمريكية الحيوية. وتسعى واشنطن من خلال هذه الاستراتيجية إلى استباق التفوق الصيني عبر الإمساك بالمناطق التي تعتبر 'مفاتيح' للنظام العالمي الجديد، وضمان بقاء المبادرة في يد الولايات المتحدة.
تتميز المناطق المستهدفة، رغم تباعدها الجغرافي، بكونها مراكز للثروات الجديدة أو ممرات تجارية حاسمة. فبينما تمتلك أوكرانيا وغرينلاند ونيجيريا مخزونات هائلة من المعادن النادرة المطلوبة للصناعات المستقبلية، يبرز ممر 'زنغزور' في القوقاز كحلقة وصل استراتيجية بين آسيا وأوروبا لا يمكن تجاوزها.
وفي منطقة الشرق الأوسط، تبرز غزة كمنصة استراتيجية تتجاوز أبعادها الجغرافية الضيقة لتصبح مركزاً لإعادة تشكيل المنطقة أيديولوجياً وسياسياً. وترى القراءة الأمريكية أن السيطرة على هذه النقطة تمنح واشنطن قدرة فائقة على إدارة التفاعلات الإقليمية وضمان انخراطها ضمن المشروع الجيوسياسي المحدث.
أما الركيزة الثانية في فكر ترامب، فهي العمل الدؤوب على تحطيم الهياكل الدولية القديمة التي تأسست بعد الحرب العالمية الثانية. ويرى ترامب أن منظمة الأمم المتحدة وهيئاتها باتت تشكل عائقاً أمام الطموحات الأمريكية، بل وأصبحت مظلة تستفيد منها القوى الصاعدة لحماية نموها على حساب النفوذ الأمريكي.
يسعى ترامب إلى استبدال هذه المنظومات بهياكل جديدة تضمن تفرد الولايات المتحدة بالقرار وتلغي مبدأ الندية الدولية. ويعد 'مجلس السلام' الذي تم تشكيله بخصوص غزة نموذجاً واضحاً لهذا التوجه، حيث يتجاوز دور مجلس الأمن ويضع أمريكا على رأس هرم تنفيذي يحول العالم إلى أداة لتعظيم المصالح الأمريكية.
تعتمد الاستراتيجية الأمريكية الجديدة على رؤية موسعة لجغرافيا العالم، حيث لم يعد هناك 'قلب واحد' للأرض كما في النظريات الكلاسيكية. بدلاً من ذلك، يتم التعامل مع العالم كمجموعة من المفاصل الحيوية، مثل فنزويلا التي تعتبر منصة لضبط البر اللاتيني ومنع أي حيوية صاعدة قد تهدد المصالح القومية الأمريكية.
يستخدم ترامب مزيجاً من الأدوات الناعمة والصلبة لتحقيق هذه الغايات، حيث يظل التهديد بالعمل العسكري قائماً في ملفات مثل إيران. وفي الوقت ذاته، تبرز العقوبات الاقتصادية والرسوم الجمركية كأدوات فعالة للتعامل مع الحلفاء والمنافسين في أوروبا، لفرض الإرادة الأمريكية دون الحاجة لصدام مباشر.
وفي حالات التعقيد السياسي الكبرى، يلجأ ترامب إلى سياسة التفاهمات والاسترضاء لضمان المصالح الجوهرية. ويظهر ذلك بوضوح في التعامل مع روسيا، حيث يمكن منحها نفوذاً في مناطق معينة مثل الدونباس مقابل ضمان الهيمنة الأمريكية على بقية الأراضي الأوكرانية الغنية بالموارد الاستراتيجية.
إن الهدف النهائي من هذه التحركات هو وقف عملية التراجع في الرصيد الأمريكي العالمي وتجديد عناصر القوة في النظام الدولي. ويؤمن ترامب أن القوة المتفردة لبلاده تمنحها الحق في إعادة صياغة القواعد الدولية بما يضمن استمرار التفوق الأمريكي لعقود قادمة بعيداً عن قيود المنظمات الدولية التقليدية.
تمثل هذه السياسة محاولة لتعطيل الصيرورة التاريخية التي تشير إلى احتمال فوز الصين في سباق النفوذ العالمي. ومن خلال الإمساك بـ 'الجغرافيا المفيدة'، يسعى البيت الأبيض إلى خلق واقع جيوسياسي جديد يصعب على المنافسين اختراقه أو الالتفاف عليه، مما يجعل من كل منطقة صراع حالية جزءاً من رقعة شطرنج كبرى.
تؤكد هذه الرؤية أن العالم في عهد ترامب لا يدار بالعشوائية، بل بخطة تهدف إلى تحويل الأزمات إلى فرص لإعادة التمركز. فالمناطق التي كانت تعتبر بؤر توتر مزمنة، يتم إعادة تعريفها الآن كمنصات انطلاق لمشاريع اقتصادية وسياسية تخدم الرؤية الأمريكية 'أولاً' وتجعل من بقية الدول أدوات تشغيلية في هذا النظام.
في الختام، يظهر أن ترامب يعيد تعريف مفهوم 'قلب العالم' ليكون مرتبطاً بالموارد والقدرة على الضبط الإداري والسياسي. إنها محاولة جريئة لإعادة هندسة النظام الدولي، حيث لا مكان للمؤسسات المتعددة الأطراف، وحيث السيادة المطلقة هي لمن يمتلك القدرة على القبض على مفاصل الجغرافيا الحيوية.
المصدر:
القدس