آخر الأخبار

قرار الكابينيت الإسرائيلي 2026: الضم الفعلي للضفة ونهاية أوس

شارك

شكّل القرار الذي صادق عليه المجلس الوزاري المصغر للاحتلال (الكابينيت) في الثامن من شباط 2026 تحولاً استراتيجياً يتجاوز الإجراءات الإدارية الروتينية. هذا القرار يمثل إعلاناً سياسياً وقانونياً صريحاً بانتهاء المرحلة الانتقالية التي بدأت في التسعينيات، مدشناً مرحلة السيادة المطلقة للاحتلال على كامل أراضي الضفة الغربية.

بموجب هذه التعديلات الجديدة، مُنح المستوطنون الضوء الأخضر لتملك الأراضي والعقارات في عمق التجمعات الفلسطينية المصنفة ضمن المنطقتين (أ) و(ب). كما خول القرار أجهزة الاحتلال صلاحيات إنفاذ القانون بشكل مباشر في هذه المناطق، مما أزال الحواجز القانونية التي كانت تفصل بين الاحتلال العسكري والسيادة المدنية.

تأتي هذه الخطوات ضمن استراتيجية ممنهجة لتفكيك البنية السياسية للسلطة الوطنية الفلسطينية، وهي وتيرة تسارعت بشكل حاد منذ أحداث السابع من أكتوبر 2023. وقد استغلت حكومة اليمين المتطرف الظروف الراهنة لتنفيذ أوسع عملية تغيير ديموغرافي وجغرافي في الضفة منذ عام 1967.

تشير الأرقام الصادرة عن مصادر دولية وفلسطينية إلى حجم الكارثة؛ ففي عام 2024 وحده، صادرت سلطات الاحتلال ما يزيد عن 24 ألف دونم (وتصل إلى 46 ألفاً حسب المصادر المحلية). هذه المساحات أُعلنت كـ 'أراضي دولة'، وهو رقم غير مسبوق يعادل نصف ما تمت مصادرته طوال ثلاثة عقود مضت.

تركزت عمليات قضم الأراضي في مناطق استراتيجية مثل الأغوار وجنوب الخليل، بهدف قطع التواصل الجغرافي الفلسطيني بشكل نهائي. هذا السلوك لم يكن عشوائياً، بل استهدف عزل التجمعات السكانية الفلسطينية وتحويلها إلى معازل بشرية مخنوقة بالمستوطنات.

على صعيد البناء الاستيطاني، سجل عام 2023 المصادقة على مخططات لبناء أكثر من 12 ألف وحدة جديدة، وهو الرقم الأعلى منذ عام 2012. وترافق ذلك مع دفع آلاف الوحدات الإضافية في العام التالي، مما يعكس رغبة الاحتلال في فرض وقائع يصعب التراجع عنها في أي تسوية مستقبلية.

تعد 'شرعنة' البؤر الاستيطانية التي كانت توصف سابقاً بأنها غير قانونية من أخطر ملامح المرحلة الحالية. فقد تم الاعتراف بنحو 70 بؤرة رعوية وزراعية، مع توفير تمويل حكومي مباشر لربطها بالبنية التحتية، لتتحول إلى نقاط ارتكاز لشن اعتداءات على القرى المجاورة.

نحن أمام لحظة الوفاة السريرية لمسار أوسلو، حيث انتقلت دولة الاحتلال من مرحلة المناورة بالوضع المؤقت إلى التثبيت النهائي للضم الفعلي.

وثقت المنظمات الحقوقية الدولية تهجير أكثر من 47 مجتمعاً بدوياً ورعوياً فلسطينياً قسرياً، لا سيما في مسافر يطا والأغوار. وتتم هذه العمليات تحت وطأة إرهاب منظم يمارسه المستوطنون بحماية مباشرة من جيش الاحتلال، حيث تجاوزت الاعتداءات 1400 هجوم عنيف خلال عام واحد.

إن سياسة الأرض المحروقة التي ينتهجها الاحتلال تشمل حرق المحاصيل وتسميم الآبار ومنع الرعاة من الوصول إلى أراضيهم. هذه الممارسات تهدف إلى جعل حياة الفلسطينيين جحيماً لا يطاق، مما يدفعهم للرحيل القسري دون الحاجة لعمليات ترحيل عسكرية مباشرة.

بإلغاء العمل بالقوانين الأردنية التي كانت تحمي الملكيات الخاصة، يفتح الاحتلال الباب أمام تفتيت النسيج المجتمعي الفلسطيني من الداخل. زرع البؤر الاستيطانية في المراكز الحضرية الكبرى يجعل من فكرة الدولة المتصلة جغرافياً مجرد خيال سياسي بعيد المنال.

تحولت السلطة الفلسطينية عملياً من مشروع 'نواة دولة' إلى وكالة خدماتية منزوعة الصلاحيات السيادية. ومع نقل صلاحيات الإدارة المدنية إلى وزير مدني، تأكد الانتقال من الاحتلال العسكري المؤقت إلى الضم المدني الدائم الذي يخدم الرؤية التوراتية لليمين الحاكم.

في المقابل، يظهر المشهد السياسي الفلسطيني الرسمي حالة من العجز والارتهان لبيانات الشجب والإدانة التقليدية. هذا التناقض بين واقع الضم المتسارع وسلوك السلطة المتمسك باتفاقيات من طرف واحد يضع القضية الفلسطينية أمام مأزق تاريخي ووجودي غير مسبوق.

بات من الضروري اليوم إجراء مراجعة شاملة للعقيدة السياسية التي حكمت المرحلة الماضية والتحلل من التزامات أوسلو. إن مواجهة سياسات التهجير تتطلب إعادة بناء البيت الداخلي على أسس نضالية توحد مختلف مكونات الشعب الفلسطيني في مواجهة الصراع الوجودي.

ختاماً، يضع هذا التصعيد النظام الرسمي العربي أمام مسؤولياته التاريخية، حيث لم تعد الدبلوماسية الناعمة تجدي نفعاً. إن الرهان على التهدئة أثبت عقمه أمام كيان يمضي في مشروعه الاستيطاني غير عابئ بالقوانين الدولية، مما يستدعي تفعيل أوراق ضغط حقيقية لوقف هذا النزيف.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا