في قلب المعاناة بمدينة غزة، تعيش السيدة أم دياب داخل خيمة مهترئة لا تقي برد الشتاء، حيث يثقل الحمل روحها قبل جسدها النحيل الذي لم يعد يقوى على احتضان حياة جديدة. منذ نزوحها القسري من شمال القطاع، تفتقر أم دياب لأدنى مقومات الاستقرار الغذائي، مما جعل جسدها المنهك في الشهر الخامس من الحمل عاجزاً عن توفير التغذية اللازمة للجنين.
تصف أم دياب رحلة عذابها اليومية، حيث تقطع مسافات طويلة في البرد القارس للوصول إلى مستشفى الحلو الدولي أملاً في الحصول على مكملات غذائية. وغالباً ما تعود خالية الوفاض بسبب النقص الحاد في الأدوية، لتبقى خيمتها شاهدة على انتظار مرير يهدد سلامة جنينها الذي يواجه مخاطر صحية مضاعفة.
يزداد قلق أم دياب نظراً لتاريخها الطبي، حيث أنجبت سابقاً طفلاً يعاني من تشوهات خلقية، مما يضع حملها الحالي ضمن فئة المخاطر العالية. وفي ظل تعطل زوجها عن العمل والاعتماد الكلي على مساعدات شحيحة، تصبح أمنيتها الوحيدة هي خروج طفلها للحياة سالماً دون أن تنهشه آثار الجوع.
وفي حي الزيتون شرق غزة، تعيش إسراء قاسم في منزل متصدع بلا نوافذ أو كهرباء، وهي في شهرها السابع من الحمل. تعاني إسراء من دوار دائم وإرهاق شديد جعل من الوقوف مهمة شاقة، وقد شُخصت حالتها بنقص حاد في الحديد والفيتامينات نتيجة سوء التغذية المستمر.
تؤكد إسراء أن الطعام المتوفر لا يسمن ولا يغني من جوع، حيث تكتفي الأسرة بما يسد الرمق فقط دون مراعاة للاحتياجات الغذائية للحامل. وتخشى إسراء من لحظة الولادة، حيث يداهمها الخوف من الولادة المبكرة أو إنجاب طفل بوزن منخفض، وهي ظاهرة باتت شائعة بين النساء في محيطها.
تمثل هذه القصص نموذجاً لآلاف الحوامل اللواتي يعشن تداعيات المجاعة التي ضربت القطاع خلال عام 2025. ورغم الانحسار النسبي للمجاعة، إلا أن آثارها لا تزال محفورة في أجساد النساء وأرحامهن، وسط انهيار شبه كامل للمنظومة الصحية ونقص حاد في الرعاية الطبية اللازمة.
يشير أطباء في قطاع غزة إلى ملاحظة مؤشرات مقلقة تتعلق بصحة الأجنة، تشمل ارتفاع حالات عدم اكتمال نمو الأعضاء ومشكلات الجهاز العصبي. ويعزو المختصون هذه الحالات إلى نقص العناصر الأساسية مثل حمض الفوليك والحديد، بالإضافة إلى الإجهاد النفسي والجسدي المستمر الذي تتعرض له الأم.
يوضح الدكتور سهيل أبو مصطفى، استشاري أمراض النساء والولادة أن آثار الحرب والمجاعة تتجلى بوضوح في أجساد الحوامل. ويؤكد أن النقص الشديد في البروتينات والفيتامينات ينعكس مباشرة على الجنين، الذي يستنزف ما تبقى من مخزون ضئيل في جسد الأم المنهك أصلاً.
ويقسم الدكتور أبو مصطفى مراحل الخطر إلى ثلاث، حيث تؤدي المجاعة في المرحلة الأولى إلى تشوهات أو إجهاض مبكر. وفي المراحل المتقدمة، قد يولد الجنين بتشوهات متعددة أو أجهزة حيوية غير مكتملة النمو، مما يستدعي رعاية طبية فائقة لا تتوفر في أغلب مستشفيات القطاع المحاصر.
من أبرز الإحصائيات المقلقة التي رصدتها الطواقم الطبية هو التراجع الكبير في أوزان المواليد الجدد. فبعد أن كان الوزن الطبيعي يصل إلى 3.5 كيلوغرامات، انخفض في الآونة الأخيرة ليصل إلى نحو 2.5 كيلوغرام، وهو مؤشر خطير يعكس عمق الأزمة الغذائية التي تعصف بالسكان.
وفي سياق متصل، يحذر محمد أبو عفش، مدير الإغاثة الطبية، من الآثار البيئية للأسلحة المستخدمة في الحرب على صحة الأجنة. ويرى أن الملوثات المعدنية والدخان السام، جنباً إلى جنب مع نقص التغذية، ترفع من احتمالات الإصابة باضطرابات النمو والتشوهات الخلقية التي يصعب تشخيصها بدقة حالياً.
من جانبه، يؤكد الدكتور زياد المصري، استشاري طب الأطفال أن المستشفيات تستقبل أعداداً متزايدة من الأطفال الخدج الذين يولدون قبل أوانهم. هؤلاء الأطفال يحتاجون إلى حضانات ورعاية مركزة لفترات طويلة، وهي إمكانيات تواجه ضغطاً هائلاً في ظل الحصار ونقص الوقود والمستلزمات الطبية.
ورغم قتامة المشهد، يلوح أمل حذر في الأفق مع التحسن النسبي الطفيف في الإمدادات الغذائية خلال فترة الهدنة. ويأمل الأطباء أن ينعكس هذا التحسن على الأجنة التي ستولد في الأشهر المقبلة، شريطة استمرار تدفق المساعدات وتوفير المكملات الغذائية الضرورية للنساء بشكل منتظم.
تبقى الأمومة في غزة تجربة محفوفة بالمخاطر، حيث تحولت من فرحة منتظرة إلى رحلة محفوفة بالخوف والقلق الدائم. وبين الخيام المتهالكة وغرف العمليات المكتظة، تستمر نساء غزة في صراعهن من أجل منح أطفالهن فرصة للحياة في واقع يفتقر لأبسط مقومات الأمان الصحي والغذائي.
المصدر:
القدس