د. رائد أبو بدوية: الاجتماع يحمل رسائل مفادها أن واشنطن هي القائد الفعلي للملف وأي هامش لاستقلال القرار الفلسطيني سيظل محدوداً
د. عبد المجيد سويلم: إمكانية تورط أعضاء بالمجلس في ملف إبستين يثير تساؤلات خطيرة حول الجهات التي قد تُمنح أدواراً بإدارة شؤون غزة
د. رهام عودة: الاجتماع يشكل فرصة لإطلاق مؤتمر للمانحين لحثهم على المساهمة في تمويل عملية إعادة الإعمار وبحث آليات التفاوض مع "حماس"
د. حسين الديك: قد نشهد الإعلان عن صندوق دولي لتمويل التكاليف الإدارية والتشغيلية في غزة بإشراف مباشر من ترمب وربما من مسؤولين دوليين
د. أسامة عبد الله: نتنياهو سوف يضع شروطًا أمنية مشددة قبل الموافقة على أي خطة إعمار أبرزها المطالبة بضمانات تتعلق بنزع سلاح الفصائل
د. عقل صلاح: هناك سيناريو متوقع بإحياء استراتيجية "السلام الاقتصادي" عبر تحويل القطاع إلى منطقة استثمارية بهدف إحداث تغييرات سريعة
رام الله - خاص بـ"القدس"-
يحمل الاجتماع المرتقب لما يُعرف بـ"مجلس السلام" في واشنطن في التاسع عشر من الشهر الجاري، أبعاداً سياسية تتجاوز الأهداف التقليدية، إذ يُنظر إليه كخطوة تهدف إلى رسم إطار شامل لإدارة المرحلة التالية في قطاع غزة بعد الحرب، وربط مسارات إعادة الإعمار بالترتيبات الأمنية والسياسية.
وبحسب كتاب ومحللين سياسيين ومختصين وأساتذة جامعات في أحاديث منفصلة مع "ے"، يعكس عقد الاجتماع توجهاً نحو إنشاء آلية دولية تقود جهود التمويل والإشراف على المشاريع المدنية، مع بحث صيغ لتنظيم إدارة الشؤون المدنية ودور الهيئات الفنية في القطاع.
ويشيرون إلى أن الاجتماع يأتي في سياق سعي واضح لتحديد أهداف المرحلة الثانية، وعلى رأسها إطلاق مسار منظم لإعادة الإعمار، وبحث آليات إشراك المانحين الدوليين، إلى جانب مناقشة ترتيبات أمنية تشمل دور قوات دولية محتملة والإشراف على المعابر.
كما يُنتظر أن يناقش المجتمعون أطر التفاوض المتعلقة بملفات السلاح والاستقرار الأمني، بما يربط التقدم الإنساني بالتفاهمات السياسية.
وتشير التقديرات إلى أن الاجتماع يمثل محاولة لتأسيس نموذج إدارة يخضع لرقابة دولية مشتركة، يوازن بين متطلبات الاستقرار وإعادة الإعمار، ويضع أسساً مؤسسية لإدارة القطاع في المرحلة المقبلة، وسط تعقيدات سياسية وأمنية تجعل تحقيق هذه الأهداف مرهوناً بتفاهمات دقيقة بين الأطراف المعنية.
رسم ملامح التحكم في مستقبل القطاع
يعتبر أستاذ القانون الدولي والعلاقات الدولية في الجامعة العربية الأمريكية د. رائد أبو بدوية أن اجتماع "مجلس السلام" المزمع عقده في واشنطن في التاسع عشر من فبراير/ شباط الجاري، يتجاوز كونه جلسة تنسيق عادية، ليشكل خطوة استراتيجية تهدف إلى رسم ملامح التحكم في مستقبل قطاع غزة بعد الحرب، عبر آلية تجمع بين الرقابة الأميركية والإشراف الأمني الإسرائيلي.
ويوضح أبو بدوية أن التوقيت والمكان يحملان دلالات سياسية واضحة، إذ يعكس انعقاد الاجتماع قبل لقاء الرئيس الأميركي دونالد ترمب برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو حرص واشنطن على استباق أي ضغوط أو اعتراضات محتملة، ودمج التفاهمات الإسرائيلية مسبقاً في مخرجات الاجتماع. وبحسب أبو بدوية، فإنه بهذا، تمتلك الإدارة الأميركية القدرة على توجيه مسار النقاش والتحكم بنتائجه، بما يضمن ربط أي عملية إعادة إعمار بشروط محددة سلفاً.
ويشير أبو بدوية إلى أن استضافة واشنطن للاجتماع تؤكد أن ملف إدارة غزة لم يعد شأناً إقليمياً فحسب، بل أصبح تحت إشراف مباشر للولايات المتحدة، التي تسعى إلى وضع إطار متكامل للتحكم بالتمويل الدولي والمشاريع المدنية وإدارة المعابر.
إسرائيل في موقع الشريك الاستراتيجي
ووفق أبو بدوية، فإنه في هذا السياق، توضع إسرائيل في موقع الشريك الاستراتيجي المسؤول عن الجانب الأمني، ما يعني أن أي تحرك فلسطيني خارج هذا الإطار قد يواجه تعليقاً للتمويل أو إجراءات عقابية، حفاظاً على توازن القوى القائم.
ويشير أبو بدوية إلى أن المخرجات المتوقعة للاجتماع تعكس هذا الترتيب، أولها إعادة تأطير إدارة غزة عبر ربط التمويل والإعمار بالالتزام الصارم بالشروط الأمنية والسياسية، مع الإبقاء على لجنة التكنوقراط الفلسطينية كواجهة مدنية ذات دور رمزي محدود، لا تمتلك صلاحيات سيادية فعلية.
أما المخرج الثاني وفق أبو بدوية، فيتمثل في تفعيل قوة استقرار دولية تضطلع بدور إشرافي على المشاريع المدنية ومراقبة المعابر، من دون أن تكون قوة مستقلة، الأمر الذي يبقي السيطرة الأمنية الفعلية بيد إسرائيل.
رسائل مباشرة للفصائل الفلسطينية وللإقليم
ويرى أبو بدوية أن الاجتماع يحمل رسائل سياسية مباشرة للفصائل الفلسطينية وللإقليم، مفادها بأن واشنطن هي القائد الفعلي للملف، وأن أي هامش لاستقلال القرار الفلسطيني في غزة سيظل محدوداً، كما أن أي خروج عن الشروط الموضوعة قد يؤدي إلى تجميد التمويل أو تعطيل المشاريع، ما يضع الفصائل، وخصوصاً حركة حماس، تحت ضغط مستمر للامتثال.
ويرى أبو بدوية أن هذه الترتيبات تسمح لإسرائيل بالحفاظ على سيطرتها الاستراتيجية على القطاع عبر الإشراف على المعابر والملف الأمني، من دون الحاجة إلى تدخل مباشر في الإدارة المدنية اليومية.
ووفق أبو بدوية، فإنه في المقابل، تعمل واشنطن على تأسيس نموذج إدارة مشتركة فلسطينية–إسرائيلية–دولية يمكن إعادة استخدامه في ملفات إقليمية أخرى، بما يعزز دورها كقوة قائدة في إدارة الأزمات الإقليمية مع حماية مصالحها الأمنية والسياسية.
كما يمكن قراءة الاجتماع، وفق أبو بدوية، كرسالة موجهة إلى الفاعلين الإقليميين والدوليين بأن التوازن بين إعادة الإعمار والاستقرار السياسي في غزة مرتبط برقابة مشتركة صارمة، وأن الفصل بين المسارين الإنساني والأمني غير مطروح.
ويرى أبو بدوية أن هذا يمنح الولايات المتحدة وإسرائيل فرصة مبكرة للسيطرة على السرد السياسي والإعلامي قبل بدء أي خطوات عملية، سواء في ما يتعلق بتوسيع فتح المعابر أو إطلاق مشاريع مدنية.
ويشير أبو بدوية إلى أن مجلس السلام يمثل مرحلة استراتيجية لإعادة صياغة قواعد إدارة غزة: إعادة إعمار مشروطة برقابة أميركية–إسرائيلية، وإدارة مدنية فلسطينية رمزية، وإشراف دولي محدود، وسيطرة أمنية إسرائيلية مستمرة، ما يجعل أي استقلال فلسطيني فعلي في القطاع مؤجلاً في المرحلة الراهنة.
السيناريوهات بشأن المجلس "عقيمة"
يرى الكاتب والمحلل السياسي د. عبد المجيد سويلم أن انعقاد "مجلس السلام" يأتي في سياق محاولة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب إظهار أن الاضطرابات الداخلية في الولايات المتحدة لم تصل إلى مستوى يعيق استئناف خطته المتعلقة بقطاع غزة، معتبراً أن هذا الانعقاد يحمل بعداً سياسياً داخلياً أمريكياً بقدر ما يحمل أبعاداً إقليمية.
ويوضح سويلم أن الإدارة الأمريكية تنظر إلى ملف غزة بوصفه معياراً لقدرتها على المضي في معالجة تعقيدات الشرق الأوسط، ولذلك فإن عقد الاجتماع يُعد، من وجهة النظر الأمريكية، خطوة ضرورية لتجنب إعطاء انطباع بأن الاضطراب الداخلي الأمريكي بلغ مرحلة خطرة. لكن سويلم يصف السيناريوهات المطروحة بشأن المجلس بأنها "عقيمة"، لأنها تفتقر إلى الوضوح والآليات التنفيذية، مشيراً إلى أن ما يجري تداوله لا يتجاوز إطار الإجراءات البيروقراطية الشكلية التي لا تفضي إلى نتائج ملموسة.
ويشير سويلم إلى غياب إجابات واضحة حول قضايا أساسية، مثل طبيعة القوات الدولية المفترض نشرها في غزة، ودور الهيئة الفلسطينية المزمع تشكيلها، إضافة إلى غياب موقف أمريكي حازم إزاء المواقف الإسرائيلية، سواء فيما يتعلق بآلية فتح معبر رفح، أو التعامل مع الفلسطينيين العائدين إلى القطاع، أو استمرار العمليات العسكرية.
انعقاد مجلس السلام بوصفه إنجازاً
ويرى سويلم أن عدم وجود خطوات عملية متسلسلة تقود إلى أهداف محددة يعكس حالة من الضبابية قد تكون مقصودة لتجنب بلورة التزامات واضحة.
ويعتبر سويلم أن التركيز على انعقاد مجلس السلام بوصفه إنجازاً بحد ذاته يمثل تزييفاً للواقع، لأن القضايا الجوهرية المرتبطة بمستقبل غزة ما تزال بلا إجابات، وعلى رأسها مسألة الانسحاب الإسرائيلي، وإعادة الإعمار، وتوفير ضمانات أمنية توقف القصف والقتل.
ويرى سويلم أن ما يجري حالياً هو أقرب إلى إدارة للوقت وإيحاء بأن الأمور تتقدم، بينما تظل الحلول الحقيقية مؤجلة بانتظار اتضاح اتجاهات الإقليم.
نتنياهو والانسجام الشكلي مع خطة ترمب
وفي ما يتعلق بموقف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، يؤكد سويلم أن موقفه واضح ويتمثل في الانسجام الشكلي مع خطة ترمب مع إبقاء تنفيذها خاضعاً للمصلحة الإسرائيلية المباشرة، لافتاً إلى أن الاعتبارات التي تُقدَّم باعتبارها أمنية تخفي أهدافاً سياسية.
ويعتبر سويلم أن سلوك إسرائيل على الأرض يعكس قدرتها على فرض تفسيرها الخاص للخطة، في ظل غموض أمريكي إما ناتج عن غياب رؤية واضحة أو مقصود كجزء من إدارة المشهد.
ويؤكد سويلم أن هذا الواقع يضع المنطقة أمام حالة "السريالية السياسية"، حيث تُطرح هياكل ومجالس جديدة من دون تحديد أهداف نهائية لما سيؤول إليه وضع قطاع غزة.
وبحسب سويلم، فإن الخطوات الحالية لا تمثل جوهر القضية، إذ يبقى السؤال المركزي متعلقاً بشكل المستقبل السياسي والأمني والاقتصادي للقطاع.
تورط أعضاء من المجلس بملف إبستين
وفي سياق متصل، يشير سويلم إلى ما وصفه بتداول معلومات عن تورط أربعة إلى ستة من أعضاء مجلس السلام في قضايا مرتبطة بملف جيفري إبستين، معتبراً أن هذه الأنباء، إن صحت، تثير تساؤلات خطيرة حول طبيعة الجهات التي قد تُمنح أدواراً في إدارة شؤون غزة.
ويرى سويلم أن هذه المسألة تضيف بعداً مقلقاً للنقاش حول المجلس، خاصة في ظل محاولة تشكيل هياكل بديلة عن الأطر القانونية الدولية القائمة.
ويشير سويلم إلى أن المشهد الحالي يعكس عملية تشكيل هياكل مؤقتة بانتظار اتضاح الوجهة النهائية للإقليم والعالم، في ظل اضطراب أمريكي ينعكس على مجمل التوازنات الدولية، مؤكداً أن الفلسطينيين ما زالوا أمام واقع يفتقر إلى حلول واضحة أو شبه حلول بشأن مستقبل قطاع غزة.
مناقشة معالم المرحلة الثانية
ترى الكاتبة والمحللة السياسية د. رهام عودة أن انعقاد "مجلس السلام" يعكس رغبة أعضائه في مناقشة معالم المرحلة الثانية من خطة إدارة قطاع غزة، وتحديد أهم الخطوات التنفيذية على الأرض، فضلاً عن دراسة دور المجلس ولجنة التكنوقراط في إدارة القطاع.
إعادة الإعمار مشروطاً بملف نزع السلاح
وتشير عودة إلى أن الاجتماع يشكل فرصة لإطلاق مؤتمر للمانحين بهدف حثهم على المساهمة في تمويل عملية إعادة إعمار غزة، بالإضافة إلى بحث آليات التفاوض مع حركة حماس بشأن نزع سلاحها، ودور القوات الدولية المزمع إرسالها للإشراف على الوضع الأمني في القطاع.
وتوضح عودة أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو من المرجح أن يشترط على مجلس السلام عدم البدء بأي خطوات تتعلق بإعادة الإعمار قبل الانتهاء من ملف نزع السلاح، وهو ما قد يعيق العملية بالكامل.
وترى عودة أنه في أفضل السيناريوهات، إذا أصر الرئيس الأمريكي دونالد ترمب على بدء إعادة الإعمار، قد يطالب نتنياهو بالتركيز على المنطقة الصفراء الواقعة تحت سيطرة الجيش الإسرائيلي والميليشيات المسلحة، في محاولة لتخفيف اعتراضه المباشر على خطة ترامب وتفادي أي توتر بين الطرفين.
لجنة التكنوقراط ومواجهة التحديات الكبيرة
وفيما يتعلق بمصير لجنة التكنوقراط، ترى عودة أن نتنياهو قد يسمح لها بالدخول إلى غزة، لكن بشكل مقيد، مع اشتراط عدم تدخلها في العملية السياسية والتركيز على الملفات الإنسانية والإغاثية.
وتوضح عودة أن اللجنة تواجه تحديات كبيرة في إدارة الموارد البشرية، لا سيما موظفي القطاع العام في مجالات التعليم والصحة والشرطة، الذين سلمتهم حماس للجنة.
وبحسب عودة، فإن اللجنة لا تستطيع ممارسة مهامها دون دعم هؤلاء الموظفين، وفي الوقت نفسه لا يمكن للموظفين الالتزام بتعليمات اللجنة دون تغطية رواتبهم، الأمر الذي قد ترفضه إسرائيل بسبب تبعية الموظفين السابقة لحكومة حماس، مما يهدد بتأجيج الصراع حول الصلاحيات وإدارة القطاع بين اللجنة وحماس.
وتعتقد عودة أن هذا المأزق يجعل عمل لجنة التكنوقراط محدوداً حتى يتم حسم ملف الموظفين، مؤكدة أن أي تقدم في المرحلة الثانية مرتبط بتوازن دقيق بين إعادة الإعمار، ونزع السلاح، وضمان استقرار الإدارة الفعلية في غزة.
خطوة مفصلية تعكس الجدية بتنفيذ خطة ترمب
يعتبر أستاذ العلوم السياسية والمختص بالشأن الأمريكي د. حسين الديك أن انعقاد "مجلس السلام" في واشنطن في التاسع عشر من الشهر الجاري، يشكل خطوة مفصلية تعكس جدية إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب في المضي قدماً بتنفيذ خطتها الخاصة بقطاع غزة، ويمثل عملياً محطة انتقالية من المرحلة الأولى إلى المرحلة الثانية من الخطة، وهي المرحلة الأكثر تعقيداً لارتباطها المباشر بملفي نزع السلاح وإعادة الإعمار.
ويوضح الديك أن فتح معبر رفح، ولو بشكل جزئي ورغم القيود والمعيقات الإسرائيلية المرتبطة بالتحكم في حركة الدخول والخروج، يُعد خطوة أساسية أنهت المرحلة الأولى من الخطة، إلا أن الانتقال إلى المرحلة الثانية يواجه تحديات كبيرة، في ظل إصرار الحكومة الإسرائيلية على ربط إعادة الإعمار وإدخال المواد اللازمة، وحتى السماح بدخول اللجنة الإدارية إلى غزة، بالتوازي مع مسألة نزع سلاح الفصائل.
ويؤكد الديك أن هذا الملف يطرح تساؤلات جوهرية حول الجهة التي ستتولى عملية نزع السلاح، وما إذا كانت قوات استقرار دولية ستضطلع بهذه المهمة، أو إذا كان التسليم سيتم طوعياً، وهي أسئلة ما تزال دون إجابات واضحة.
ويشير الديك إلى أن قضية نزع السلاح ترتبط أيضاً بإعادة الانتشار العسكري بين ما يعرف بالخطين الأصفر والأحمر، في وقت تؤكد فيه إسرائيل أن الخط الأصفر يمثل حدودها الغربية مع غزة، وهو ما يشكل إشكالية سياسية كبيرة.
وبحسب الديك، يأتي اجتماع المجلس في ظل ظروف إقليمية معقدة، بالتزامن مع زيارة مرتقبة لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى واشنطن قبل يوم من انعقاد المجلس، لإجراء مباحثات مع ترامب، وسط مشهد سياسي لا يزال ضبابياً.
دلالات الاجتماع
ويبيّن الديك أن للاجتماع ثلاث دلالات رئيسية: أولها رسالة أمريكية للحلفاء تؤكد استمرار واشنطن في تنفيذ خطتها، وثانيها إصرار ترمب على إنجاح المبادرة رغم التعثر، وثالثها استمرار التنسيق مع الوسطاء والأطراف الضامنة للاتفاق الموقع في شرم الشيخ. وطرح عدة وحول السيناريوهات المحتملة، يؤكد الديك أن من بينها الإعلان عن صندوق دولي لتمويل التكاليف الإدارية والتشغيلية في غزة بإشراف مباشر من ترمب وربما مسؤولين دوليين، أو الاكتفاء بإطلاق المرحلة الثانية والضغط على الفصائل لتقديم تنازلات إدارية وأمنية.
ويشير الديك إلى احتمال إعلان دول مشاركة استعدادها للانضمام إلى قوات استقرار دولية، أو البدء بإعادة الإعمار في مناطق خاضعة للسيطرة الإسرائيلية، خاصة في رفح، ضمن مشاريع حضرية واقتصادية تبقى تحت إشراف الجيش الإسرائيلي.
ويرجح الديك أن تتجه الأمور إلى تفاهمات توافقية بين ترامب ونتنياهو بشأن هذه الترتيبات.
ببيئة قانونية جديدة تتحكم بلجنة التكنوقراط
وفي ما يتعلق بلجنة التكنوقراط، يوضح الديك أن مجلس السلام بات يمتلك صلاحيات إدارية وتشريعية واسعة تتيح له تعديل القوانين وتغيير أعضاء اللجنة، ما ينذر ببيئة قانونية جديدة تتحكم بها جهة دولية.
ويحذر الديك من أن هذه التطورات قد تقود إلى فصل غزة عن المنظومة السياسية والقانونية الفلسطينية، معتبراً أن القطاع يقف أمام مرحلة خطرة قد تدفع نحو مشاريع تدويل ووصاية وانتداب، بما يهدد وحدة الكيان السياسي الفلسطيني.
آلية دولية تهدف إلى حشد التمويل
يوضح الباحث السياسي والأكاديمي د. أسامة عبد الله أن انعقاد اجتماع ما يُعرف بـ"مجلس السلام" في 19 فبراير / شباط الجاري، يشكّل محطة سياسية مهمة قد تمثل أول اختبار عملي لإطار دولي جديد أطلقه الرئيس الأمريكي دونالد ترمب لإدارة مرحلة ما بعد الحرب في قطاع غزة وإعادة إعماره.
ويشير عبد الله إلى أن الاجتماع يُنظر إليه كآلية دولية تهدف إلى حشد التمويل وتنسيق الجهود لتنفيذ الخطة التفاوضية الأمريكية، بما يجعله رافعة أساسية لمرحلة ما بعد وقف إطلاق النار.
ويبيّن عبد الله أن خطورة الاجتماع تنبع من توقيته الحساس، إذ يتزامن أو يسبق زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى واشنطن، ما يمنحه بعدًا سياسيًا مباشرًا مرتبطًا بمواقف الحكومة الإسرائيلية من شروط تنفيذ أي خطة إعمار، وعلى رأسها قضايا نزع السلاح ومراحل إعادة البناء.
قيادة الملف الدولي بعيدًا عن الأطر التقليدية
ويعتبر عبد الله أن هذه الخطوة تعكس رغبة أمريكية في قيادة الملف الدولي بعيدًا عن الأطر التقليدية للأمم المتحدة، الأمر الذي يثير تحفظات لدى بعض الدول الغربية والعربية التي تخشى أن يتحول المجلس إلى بديل عن المؤسسات الدولية القائمة أو أن يمنح واشنطن نفوذًا غير متوازن في إدارة ملفات الشرق الأوسط.
سيناريو الجمود السياسي
وحول السيناريوهات المحتملة لما بعد الاجتماع، يشير عبد الله إلى ثلاثة مسارات رئيسية، يتمثل الأول في سيناريو الجمود السياسي، حيث قد يؤدي التعنّت الإسرائيلي واشتراط نزع السلاح قبل أي تقدم إلى تعطيل التوافق الدولي، ما يبقي الخطة دون تنفيذ ويُبقي الأزمة الإنسانية قائمة.
الإعلان عن آليات تمويل واضحة لإعادة الإعمار
أما السيناريو الثاني وفق عبد الله، فهو التنفيذ التقدمي، ويتضمن الإعلان عن آليات تمويل واضحة لإعادة الإعمار، والتوافق على إدخال المواد وفرق الإنعاش، والبدء بمشاريع عاجلة تخفف من معاناة السكان، وهو مسار يتطلب ضغطًا دوليًا وإقليميًا مكثفًا.
تحول دبلوماسي أوسع
ويشير عبد الله إلى أن السيناريو الثالث هو وجود تحول دبلوماسي أوسع قد يحوّل المجلس إلى منصة لإصلاحات سياسية وترتيبات حكم انتقالية في غزة بدعم عربي ودولي، رغم أن تحقيق ذلك يستلزم تنازلات كبيرة، خاصة من الجانب الإسرائيلي.
وفي ما يتعلق بالخطوات العملية المتوقعة بعد الاجتماع، يرجّح عبد الله تحديد آليات تمويل وإنشاء صندوق دعم دولي لإعادة الإعمار، وربط تنفيذ المشاريع بتثبيت وقف إطلاق النار وتحسين الأوضاع الإنسانية، إضافة إلى بدء مناقشة آليات حكم مؤقتة عبر تفعيل لجنة تكنوقراطية محتملة، إلى جانب تثبيت أطر لمشاركة جهات دولية في مراقبة الاستقرار الأمني بالتنسيق مع مصر والأمم المتحدة.
نتنياهو والشروط الأمنية المعقدة
وبشأن موقف نتنياهو، يتوقع عبد الله أن يضع شروطًا أمنية مشددة قبل الموافقة على أي خطة إعمار، أبرزها المطالبة بضمانات تتعلق بنزع سلاح الفصائل في غزة.
ويحذر عبد الله من أن تمسك إسرائيل بربط الإعمار بهذه الشروط قد يؤدي إلى عرقلة تنفيذ الخطة وتأجيل تدفق التمويل والمواد.
تأجيل دخول لجنة التكنوقراط
أما لجنة التكنوقراط المقترحة لإدارة المرحلة الانتقالية، يوضح عبد الله أنها لم تدخل القطاع حتى الآن بسبب خلافات تتعلق بالترتيبات الأمنية والسيطرة على المعابر وغياب آليات واضحة لإدارة المرحلة المقبلة.
ويرجّح عبد الله تأجيل دخول اللجنة إلى حين تحقيق توافق فلسطيني داخلي، وتبلور تفاهمات دولية حول الجوانب الأمنية، أو ممارسة ضغوط دولية تدفع نحو تخفيف الشروط الإسرائيلية.
إنشاء مظلة سياسية جديدة تقودها واشنطن
يعتبر الكاتب والباحث السياسي وأستاذ النظم السياسية المقارنة د. عقل صلاح أن الهدف الأساسي من انعقاد "مجلس السلام" يتمثل في إنشاء مظلة سياسية جديدة تقودها واشنطن، تكون بديلاً عملياً عن منظومة القرارات والشرعية الدولية، بما يمنح الإدارة الأمريكية موقع القيادة المباشرة في إدارة ملف قطاع غزة.
ويوضح صلاح أن انعقاد المجلس يأتي ضمن سعي الإدارة الأمريكية إلى إدارة الحكم في القطاع بصورة مباشرة، عبر الالتفاف على الحل الجذري للقضية الفلسطينية وحصرها في إطار خدماتي ومعيشي، سواء في غزة أو ربما في الضفة الغربية، كبديل عن أي مسار سياسي شامل.
مساحة استثمارية تستقطب التمويل
ويرى صلاح أن عقد المجلس يأتي ضمن السعي للبدء في جمع أموال إعادة الإعمار وتحويل القطاع إلى مساحة استثمارية تستقطب التمويل، وهو ما ينسجم مع رؤية اقتصادية يوليها الرئيس الأمريكي دونالد ترمب اهتماماً خاصاً.
ويشير صلاح إلى هدف آخر لعقد المجلس وهو التسريع في الترتيبات الأمنية، وعلى رأسها نزع سلاح المقاومة، خصوصاً شبكة الأنفاق، بما يخدم المتطلبات الأمنية الإسرائيلية.
احتمال الإعلان عن انضمام إسرائيل للمجلس
ويتطرق صلاح إلى هدف آخر خطير لعقد المجلس وهو احتمال الإعلان عن انضمام إسرائيل رسمياً إلى مجلس السلام عقب اللقاء الأمريكي–الإسرائيلي المرتقب، وهو ما قد يكرّس شراكة مباشرة داخل إطار المجلس.
ويشير صلاح إلى أن هذه التحركات تجري وسط تحفظات من بعض الدول الغربية والدولية على الصلاحيات الواسعة التي منحها ترامب لنفسه عبر ميثاق المجلس، لافتاً إلى احتمال ارتباط هذه الترتيبات بملفات إقليمية أخرى، من بينها الملف الإيراني واللبناني، معتبراً أن جزءاً مهماً من مباحثات ترامب ونتنياهو قد يتركز على إيران.
إحياء استراتيجية "السلام الاقتصادي"
وفي ما يتعلق بالسيناريوهات المتوقعة، يرجح صلاح سيناريو واحداً يتمثل في إحياء استراتيجية "السلام الاقتصادي"، عبر تحويل غزة إلى منطقة استثمارية بهدف إحداث تغييرات اقتصادية سريعة تخفف من حدة الغضب الشعبي في غزة والضفة الغربية، مقابل تأجيل الحل السياسي النهائي للقضية الفلسطينية، بما قد يفتح المجال أمام خطوات إسرائيلية لضم أجزاء من الضفة.
ويبيّن صلاح أن هذه السياسة قد تتجسد في تأسيس صندوق خاص لإعمار غزة، وتسريع تشكيل لجنة أمنية عليا لإدارة القطاع تحت إشراف أمريكي مباشر، إلى جانب ترتيبات متصلة بفتح المعابر.
ويؤكد صلاح أن هذه الخطوات تجري في ظل موقف إسرائيلي يميني متشدد يعطل حتى ما يتم الاتفاق عليه، مع غياب واضح لدور السلطة الفلسطينية، واستمرار وجود المليشيات المسلحة المتعاونة مع إسرائيل، في وقت ما تزال فيه حركة حماس تمثل قوة رئيسية في القطاع.
نتنياهو وابتكار ملفات وتذرعات جديدة
وحول موقف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، يعتقد صلاح أنه سيواصل، بحسب تجربته السياسية منذ تسعينيات القرن الماضي، ابتكار ملفات وتذرعات جديدة حتى في حال التوصل إلى تفاهمات بشأن نزع السلاح، مشيراً إلى أن نتنياهو اعتاد ربط كل استحقاق بسلسلة مطالب إضافية تعقّد أي تقدم.
ويلفت صلاح إلى أن قدرة نتنياهو على المناورة تبقى مرتبطة بالموقف الأمريكي، معتبراً أن المؤشرات منذ توقيع الاتفاق الأخير في أكتوبر / تشرين الأول الماضي، تشير إلى منح واشنطن تل أبيب هامش حركة واسع، مستشهداً بتأخر فتح المعبر واستمرار خروقات وقف إطلاق النار.
وفي ما يخص لجنة التكنوقراط، يتوقع صلاح أن تعمل إسرائيل على تقييد دورها ومواءمته مع الرؤية الإسرائيلية، ومنع أي ارتباط لها بالسلطة الفلسطينية، مع فرض قيود على تحركاتها ومواردها المالية، بحيث يبقى دورها شكلياً، فيما تستمر إسرائيل في التحكم غير المباشر بإدارة القطاع.
المصدر:
القدس