آخر الأخبار

مذبحة المبتدئين.. ما الذي تخفيه أوبن إيه آي وأنثروبيك عن مستقبلك المهني؟

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

نحن الآن في بريطانيا القرن التاسع عشر، حيث كان كل شيء يبدأ من الفحم؛ المصانع التي لا تهدأ، والقطارات التي تشق الريف، وأفران الحديد التي تبقي المدن الصناعية مستيقظة بعد غروب الشمس. وكان المهندسون يتسابقون على تحسين محركات البخار، حتى تضاعفت كفاءة المحرك 10 مرات في أقل من قرن. وبدا الاستنتاج بديهيا، فالوصول إلى محركات أكفأ يعني بالتبعية استهلاكا أقل للفحم، ومخزونا وطنيا يطول عمره. لكن بريطانيا لم تحرق فحما أقل، بل حرقت أضعافا مضاعفة.

انتبه إلى هذه المفارقة الاقتصادي الإنجليزي ويليام ستانلي جيفونز، ونشر عام 1865 كتابا بعنوان "مسألة الفحم"، أراد به أن ينذر بلاده بأن مناجمها تقترب من النفاد، وشرح فيه أن ترشيد استهلاك الوقود لا يقلله، بل يزيده. والآلية يفهمها كل من اشترى سلعة حين رخُص ثمنها، وقد ضرب جيفونز مثالا بالحديد، فقد خفضت المصانع الفحم اللازم لصهر الطن الواحد إلى أقل من ثلثه، فرخُص الحديد، فاتسع الطلب عليه، حتى تضاعف استهلاك اسكتلندا من الفحم 10 مرات. الكفاءة لم توفر الفحم، بل فتحت له أبواب استهلاك لم تكن مفتوحة من قبل.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 طريق الموت.. رحلة موريتاني إلى آخر الحلم الأمريكي وعودته منه
* list 2 of 2 التاج السبكي.. الفقيه الذي تحدى جباية المماليك ودفع ثمن ذلك end of list

دعنا الآن نعود إلى الوقت الحاضر. فبعد مرور أكثر من 160 عاما على كتاب جيفونز، سيقدم رواد الذكاء الاصطناعي تلك الملاحظة السابقة إلى ملايين البشر في محاولة لطمأنتهم على أرزاقهم التي يخشون عليها من توغل تلك الأدوات الذكية في مجالات عملهم. ولكي نفهم لماذا احتاجوا إلى ذكرها، علينا أن نعود عاما واحدا فقط إلى الوراء.

في مايو/أيار 2025، قال داريو أمودي، الرئيس التنفيذي لشركة "أنثروبيك" المطورة لنموذج الذكاء الاصطناعي "كلود"، لموقع "أكسيوس" إن الذكاء الاصطناعي قد يمحو نصف الوظائف المكتبية المخصصة للمبتدئين خلال عام إلى 5 أعوام، وإن البطالة في الولايات المتحدة قد تقفز إلى ما بين 10 و20%. وأضاف أن على صناع هذه التقنية واجبا أن يكونوا صادقين في وصف ما هو آت، ونشر الموقع ذلك التقرير تحت عنوان "مذبحة الياقات البيضاء"، فانتشر التحذير حول العالم في غضون أيام. بالطبع، هذا كان رأي أحد أهم رواد المجال، وهو ما يمكن اعتباره عينة ممثلة للبقية أمثال سام ألتمان وإيلون ماسك وغيرهم.

مصدر الصورة داريو أمودي الرئيس التنفيذي لشركة أنثروبيك (غيتي)

ولم يكن المستمعون جمهورا مجردا، إذ كانوا طلابا يختارون تخصصا، وخريجين يقررون إن كانوا سيتقدمون إلى وظيفة في المحاسبة أو البرمجة، وشبابا يعيدون حساب سنواتهم المقبلة. وربما اتخذ كثيرون منهم قرارات يصعب الرجوع عنها، لأن رجلا يشارك في تطوير هذه التقنية بنفسه قال لهم إن الباب يوشك أن يغلق أمامهم.

إعلان

ثم بعد مرور عام -تحمل تنقلنا في الزمن قليلا من فضلك- تحديدا في 5 مايو/أيار الماضي، جلس الرجل نفسه على مسرح قاعة في مانهاتن السفلى، إلى جوار جيمي ديمون رئيس مصرف "جيه بي مورغان تشيس"، أكبر مصارف العالم، ليقول كلاما مختلفا تماما. قال إنك إذا نجحت في أتمتة 90% من وظيفة ما، سيؤدي الجميع الـ 10% الباقية، ثم تتسع هذه النسبة حتى تصير هي الوظيفة كلها، فتتضاعف إنتاجية العامل 10 مرات، وأسند كلامه هذه المرة إلى مفارقة جيفونز التي تحدثنا عنها.

"الرجل الذي أطلق التحذير قبل عام، هو نفسه الذي عاد ليربت على أكتاف من أخافهم"

ما قيل في تلك القاعة لم يكن تحليلا اقتصاديا بقدر ما كان عزاء، فالرجل الذي أطلق التحذير قبل عام، هو نفسه الذي عاد ليربت على أكتاف من أخافهم، وليقول لهم إن ما ينتظرهم هو وظيفة أوسع وأثمن. والعزاء، حين يأتي ممن تسبب في الفزع، يستحق أن يفحص بعناية أكبر.

لم يكتب جيفونز هذه الفكرة عن الفحم وحده، بل طبقها في الفصل ذاته على البشر، وضرب مثالا يوضح مقصده، وهو مثال عن الخياطات التي لم يصبهن ضرر من ماكينة الخياطة، بل كسبن بفضلها أجورا لم يكنّ يتوقعنها. وفي ذلك المثال تفصيل يستحق التأمل، فالخياطة التي تحدث عنها جيفونز كانت تتقن مهارة الخياطة قبل أن تصل الماكينة إلى المشغل، وكل ما فعلته الآلة أنها رفعت قيمة مهارة تملكها بالفعل. أما الفتاة التي لم تمسك إبرة في حياتها، وتقف على الباب باحثة عن أول عمل تتعلم فيه أساسيات المهنة، فلم يكتب عنها جيفونز حرفا واحدا.

كنا قد تناولنا في تقرير سابق من يستفيد من الفجوة بين ما يفعله الذكاء الاصطناعي فعلا وما يقال إنه يفعله. ونحاول هنا أن نتتبع ما جرى بعد ذلك، أي هذا العزاء نفسه، من الغرفة التي قيل فيها إلى الشروط التي يحتاج إليها كي يصبح حقيقة فعلا، وأن نسأل إذا ما كانت الممارسات الحالية للشركات تقود إلى هذا الاتجاه فعلا، أم أنها تغلق الأبواب التي تزعم أنها تفتحها أمام الناس.

مصدر الصورة كتاب "مسألة الفحم" (الجزيرة)

القاعة وما بعدها

في ذلك الصباح في مايو/أيار الماضي، اجتمع في قاعة بنيويورك جمهور صغير دُعي إليها بالاسم، من مديري التقنية والمعلومات والعمليات في كبريات المصارف وشركات التأمين وصناديق الاستثمار. ولم يكن ذلك لقاء للتأمل في مستقبل العمل، بل كان يوم إطلاق منتج. إذ كشفت أنثروبيك عن 10 وكلاء أذكياء، والوكيل الذكي هو برنامج مصمم لتنفيذ مهمة كاملة دون أن يقف مراجع بشري عند كل خطوة.

أما ما ينفذه هؤلاء الوكلاء العشرة، فكان إعداد عروض صفقات الاندماج والاستحواذ، وفحص هويات العملاء والتحقق منهم، وتسويات الحسابات، ومراجعات التقييم، وتحليل نتائج الأرباح، وإقفال دفاتر الصناديق في نهاية الشهر. هذه القائمة، لو صادفتها في إعلان وظيفة، لن تجدها ضمن متطلبات وظيفة "مدير إدارة" أو حتى "محلل مخضرم"، بل ستجدها تحت عنوان "محلل مبتدئ".

ثم جاء الحديث عن الوظائف، فعلى تلك المنصة قال أمودي جملته عن الـ90% والـ 10% الباقية، وأسندها صراحة إلى مفارقة جيفونز، وإلى حجتين حديثتين لعالم الاقتصاد أليكس إيماس من جامعة شيكاغو، ولتورستن سلوك كبير اقتصاديي شركة "أبولو" الاستثمارية. وأيده جيمي ديمون بلغة أبسط، إذ قال إن المجتمع الرأسمالي بارع في إعادة خلق الوظائف، وإن الحياة تتحسن في المجمل، ولو لم تتحسن دائما في البلدة التي يغلق فيها مصنع.

إعلان

لكن أمودي، بعد جملتين أو ثلاث، قال شيئا آخر لم ينتبه إليه كثيرون، إذ أشار إلى أن "الذكاء الاصطناعي يتحرك أسرع من كل هذه التقنيات السابقة"، وإنك حين تُجهد نظاما فوق ما اعتاد أن يُجهَد، قد تظهر سلوكيات غريبة واضطراب كبير. وهذا القيد يمس صميم حجته، لأن آلية جيفونز تحتاج إلى وقت؛ وقت كي يتعرف السوق على الطلب الجديد، ووقت كي يتدرب العامل، ووقت كي يقرر صاحب العمل التوسع بدل الانكماش. فإذا كانت التقنية أسرع من الوقت الذي تحتاجه النظرية، فإن النظرية لن تعمل.

"إذا كانت التقنية أسرع من الوقت الذي تحتاجه النظرية، فإن النظرية لن تعمل"

ثم حدث ما يغني عن كل تخمين، إذ نشر أمودي، في يونيو/حزيران الماضي، مقالا مطولا بعنوان "سياسة للتعامل مع النمو الأسي للذكاء الاصطناعي"، وفيه كتب أن ثمة احتمالا معتبرا أن يتسبب الذكاء الاصطناعي في فقدان كبير ودائم للوظائف رغم كل الجهود، وأن هذا قد يكون "خاصية جوهرية" في التقنية نفسها. واقترح سلما من السياسات يتدرج مع حجم الضرر، يبدأ من سياسات التأمين على الأجور لتعويض من يضطرون لقبول وظائف ذات أجور أقل، والحوافز الضريبية للابقاء على الموظفين، ومنح تدريب القوى العاملة، وصولا إلى توفير دخل أساسي ثابت للمسرَّحين يمول من ضرائب الشركات.

غير أن في المقال هامشا صغيرا برقم 4 يستحق أن يقرأ مرتين؛ إذ يقول إن الآليات التي يستند إليها الاقتصاديون عادة في تفسير تعافي سوق العمل بعد كل موجة أتمتة، ومنها مفارقة جيفونز، قد تنهار أمام سرعة تطور الذكاء الاصطناعي. 37 يوما بين تلك المنصة وذلك الهامش، عرض فيها الرجل العزاء في قاعة مغلقة أمام مصرفيين، ثم سحبه في حاشية أسفل مقال طويل.

"عرض أمودي العزاء في قاعة مغلقة أمام مصرفيين، ثم سحبه في حاشية أسفل مقال طويل"

لكن العزاء لم يسحب من التداول، كان قد غادر القاعة، وصار يتردد على ألسنة اقتصاديين ومصرفيين وكتاب أعمال، ويقدم اليوم بوصفه الرد العلمي الهادئ على قلق ملايين البشر. وحين تنفصل الحجة عن قائلها على هذا النحو، لا يعود السؤال عما يؤمن به الرجل حاليا، وإنما يصير السؤال عن الحجة نفسها، وأقوى صياغة لها اليوم لا تأتي من أمودي، بل من موظف يعمل تحت إمرته.

طمأنينة من الداخل

اسم الموظف هو بيتر مكروري، رئيس الاقتصاد في أنثروبيك، وهو اقتصادي درس في جامعة كاليفورنيا في بيركلي، يقود فريقا صغيرا مهمته قياس ما يفعله الذكاء الاصطناعي بالاقتصاد فعلا، وهو الفريق الذي يصدر "المؤشر الاقتصادي" للشركة، وهو تقرير دوري يحلل ملايين المحادثات الحقيقية مع نموذج "كلود".

في الأسبوع الأخير من يوليو/تموز الماضي، نشر مكروري مقالا مطولا على منصة "إكس"، قدمه بوصفه خلاصة 18 شهرا من أبحاث الشركة الداخلية. وخلاصته أننا لا نرى أثرا كبيرا للذكاء الاصطناعي على سوق العمل الأمريكية حتى الآن، فالبطالة عند 4.2% في يونيو/حزيران، وهي نسبة يعدها البنك المركزي الأمريكي تشغيلا كاملا. ثم أجرى الاختبار الأدق، إذ قارن بطالة العاملين الذين تتضمن وظائفهم أكبر نصيب من مهام "كلود" ببطالة أولئك الأقل تعرضا. ولم يجد تدهورا نسبيا لدى الفئة الأولى، وكتب إنه "لا يتوقع أن تكون البطالة أعلى بصورة ملحوظة بعد عام من الآن"، على الأقل ليس بسبب الذكاء الاصطناعي.

والرجل ليس ناقدا من خارج الصناعة، ولا خصما يبحث عن ثغرة، وإنما هو اقتصادي، وموظف بارز في الشركة التي حذر رئيسها التنفيذي من بطالة قد تبلغ 20%، ويستخدم بيانات الشركة نفسها ليقول إن ذلك لم يحدث، فما تفسيره؟

"يتفوق الذكاء الاصطناعي على البشر في مهمة تفوقا ساحقا، ثم يفشل في مهمة مجاورة تبدو أسهل منها"

يقول مكروري إن قدرات الذكاء الاصطناعي "مسننة" على نحو عنيد، مستعيرا وصفا شاع على يد إيثان موليك أستاذ الإدارة في كلية وارتون للأعمال. ومعنى الحد المسنن (Jagged Frontier) أن النموذج يتفوق على البشر في مهمة تفوقا ساحقا، ثم يفشل في مهمة مجاورة تبدو أسهل منها، فلا يوجد خط واضح يفصل ما تجيده الآلة عما لا تجيده، بل حافة متعرجة لا يعرف حقيقتها إلا من جربها كثيرا. ويسوق دليلا محددا، ففي قاعدة بيانات "أونت" (O*NET)، وهي القاعدة الرسمية التي تفكك وزارة العمل الأمريكية بها كل مهنة إلى المهام التي تتألف منها، لا توجد مهنة واحدة يؤدي نموذج "كلود" كامل مهامها.

إعلان

ويضيف أن العمل المعقد ما زال يعتمد على إشراف بشري يوجه هذه الأنظمة ويلتقط أخطاءها، ثم يذكر ملاحظة مهمة، وهي أن أصحاب الخبرة الأعمق في مجالهم ينجحون أكثر من غيرهم في استعمال هذه الأدوات، ويتعافون أسرع من آثارها.

اقرأ هذه الجملة الأخيرة مرة ثانية، فالطمأنينة التي تقدمها أفضل ما لدينا من بيانات لا تقول إن الآلة لن تحل محل الإنسان، بل إن الآلة تحتاج إلى إنسان بجوارها يصحح لها، وليس أي إنسان، وإنما شخص يملك من الخبرة ما يجعله قادرا على أن يعرف، حين ينظر إلى مخرجات النموذج، أن فيها خطأ ما.

وفي مقابلة أجراها مكروري في يناير/كانون الثاني الماضي، قال إن النموذج يتعثر في أعقد المهام، وإن ذلك يعني أن "الخبرة البشرية في تقييم جودة المخرجات صارت أهم"، وأن الحاجة تزداد إلى التفويض البشري والإشراف، طارحا سؤالا مهما: كيف نصنع الجيل التالي من الخبراء؟

طرح الرجل السؤال ولم يجب عنه، ودارت حجته في الأشهر التالية على ألسنة كثيرين، ولم يلتفت أحد منهم إلى أنها معلقة على هذا السؤال. ولم يُخفِ مكروري نقاط ضعف حجته، فقد ذكر أن التوظيف قد ضعف فعلا بين صغار السن في المهن الأكثر تعرضا للذكاء الاصطناعي، واعترف بأنه إن بدأ الذكاء الاصطناعي في أتمتة الابتكار نفسه، فالنماذج الاقتصادية المعتادة تسمح بسيناريو قريب مما يخشاه رئيسه التنفيذي.

وهكذا يقف الرجلان على طرفين، لكنهما يتفقان على أمر واحد، إذ يرى داريو أمودي أن الـ 10% الباقية ستتسع وتضاعف إنتاجية صاحبها، ويقول مكروري إن ما يبقى للإنسان هو الحكم والخبرة وتصحيح نتائج الآلة. وكلاهما يفترض، ضمنا أو صراحة، أن الشريحة التي تنجو من الأتمتة هي تلك الأكثر مهارة. والمثير أن الشركة نفسها قاست، قبل أشهر، أي جزء ينجو فعلا، وجاءت النتيجة عكس ما يفترضان.

مصدر الصورة العمل المعقد ما زال يعتمد على إشراف بشري (بيكسابي)

أي 10%؟

في منتصف يناير/كانون الثاني الماضي، نشر فريق مكروري التقرير الرابع من "المؤشر الاقتصادي"، وهو تحليل لنحو مليوني محادثة حقيقية جرت في نوفمبر/تشرين الثاني 2025، نصفها من مستخدمي "كلود" العاديين ونصفها من الشركات. والطريقة بسيطة، إذ أخذوا قاعدة "أونت" الحكومية، وقدروا لكل مهمة فيها مستوى التعليم الذي تحتاج إليه، ثم سألوا سؤالا واحدا: ما مستوى التعليم الذي تتطلبه المهمة المتوسطة في الاقتصاد الأمريكي، وما مستواه في المهام التي يؤديها نموذج "كلود" فعلا؟

المهمة المتوسطة في الاقتصاد الأمريكي تحتاج إلى 13.2 سنة من التعليم، أما المهام التي يؤديها "كلود"، فتحتاج إلى 14.4 سنة. الفارق هنا سنة كاملة من التعليم، فالآلة في المتوسط لا تلتقط العمل البسيط في الوظيفة، وإنما تلتقط الجزء الأعلى مهارة فيها.

ثم سأل الفريق عما يتبقى لصاحب الوظيفة إذا انتقلت هذه المهام إلى الآلة، فكانت الإجابة، بعبارة التقرير نفسه، "أثر إفقار مهاري صاف" في معظم المهن. وهو ما يحدث حين تجعل التكنولوجيا وظيفة معينة أسهل بكثير، لدرجة أن العامل يفقد مهاراته وخبرته مع الوقت لأنه لم يعد بحاجة لاستخدام عقله أو يديه، وفي نفس الوقت لا يتعلم مهارات جديدة ذات قيمة تعوض هذا النقص.

"يحدث الإفقار المهاري حين تجعل التكنولوجيا وظيفة معينة أسهل بكثير، لدرجة أن العامل يفقد مهاراته وخبرته مع الوقت، وفي نفس الوقت لا يتعلم مهارات جديدة تعوض هذا النقص"

والمثال الذي ضربه التقرير هو وكيل السفر، الذي يشمل عمله تخطيط رحلات معقدة بين مدن ومواعيد وميزانيات متضاربة، ويشمل كذلك شراء التذاكر وتحصيل المدفوعات. فإذا تولى النموذج التخطيط، بقي له أن يشتري التذاكر ويحصل المال. هنا لم تختفِ الوظيفة، بل صارت أقل مما كانت.

والأثر ليس واحدا في كل المهن، فمدير العقارات يحدث له العكس، إذ تأخذ الآلة منه مسك الدفاتر فيتفرغ للتفاوض على العقود. وتقول أنثروبيك صراحة إن هذه ليست نبوءة حتمية، وإنما أثر أولي في تجربة مبسطة يعكس قدرات النماذج في لحظتها.

غير أن دعوى أمودي كانت عامة بلا استثناء، ولم يقل إنها تصح في مديري العقارات دون وكلاء السفر. أما الشركة فقاست الإفقار بوصفه المتوسط المحتمل لا الاستثناء. وسواء أكان ما يتبقى للإنسان رفيعا كما يفترض أمودي ومكروري، أم متواضعا كما تقول أرقام الشركة نفسها، فالحجتان تقومان معا على أن ثمة إنسانا واقفا هناك ليؤديه. وهذا الافتراض هو الذي انشغلت به الشركات في العامين الأخيرين، لا في تصريحاتها، بل في قراراتها.

درجة السلم الأولى

في مارس/آذار 2025، أرسل توبي لوتكي، الرئيس التنفيذي لشركة "شوبيفاي" (Shopify) الكندية التي تدير منصات التجارة الإلكترونية لملايين المتاجر، مذكرة إلى موظفيه، وحين بدأت تتسرب نشرها بنفسه علنا. تقول المذكرة إن على الفرق، قبل أن تطلب موظفين جددا، أن تُثبت عجزها عن إنجاز ما تريد بالذكاء الاصطناعي. وجعل لوتكي إتقان هذه الأدوات توقعا أساسيا من كل عامل، وأضاف أسئلة عنه إلى تقييمات الأداء، وطبق القاعدة على فريقه التنفيذي أيضا.

إعلان

انتبه إلى التاريخ، مارس/آذار 2025، أي قبل 14 شهرا من مسرح قاعة مانهاتن ونبوءة أمودي. تغيرت السردية مرتين في تلك الشهور؛ مرة من التحذير إلى الطمأنينة، ومرة من الطمأنينة إلى التحذير مجددا، أما القاعدة فبقيت كما هي.

وليست شوبيفاي حالة منفردة، ففي يونيو/حزيران الماضي (2026)، أصدرت "برايس ووترهاوس كوبرز" (PwC)، إحدى أكبر أربع شركات محاسبة واستشارات في العالم، مؤشرها السنوي عن الذكاء الاصطناعي والوظائف، مبنيا على تحليل أكثر من مليار إعلان وظيفة في 27 دولة، منها 2.4 مليون وظيفة للمبتدئين في الولايات المتحدة وحدها. والنتيجة ليست أن وظائف المبتدئين اختفت، بل كانت أغرب من ذلك.

"وظائف المبتدئين صارت تشترط مهارات كانت تُطلب عادة في كبار الموظفين وهو ما يعني أن السلم الوظيفي يتقلص"

وجدت الشركة أن وظائف المبتدئين في المهن الأكثر تعرضا للذكاء الاصطناعي صارت أكثر احتمالا بـ 7 مرات لأن تشترط مهارات كبار الموظفين، كالحكم على الأمور والقيادة والتعامل المباشر مع الناس. وفي المهن الأشد تعرضا، كانت 52% من المهارات التي ظهرت حديثا في إعلانات وظائف المبتدئين تُطلب عادة من ذوي الخبرة. وفي المهن الأقل تعرضا، كانت النسبة 7%، وتصف الشركة ما تراه بقولها إن "السُلّم الوظيفي التقليدي يتقلص".

بعبارة أوضح، لم يُلغَ الباب، بل رُفع عن الأرض، وصار المطلوب من ابن 22 عاما أن يثبت ما كان يثبته ابن 35 عاما. ولا يناقض هذا ما قاسته أنثروبيك، فتلك قاست ما يسلمه العامل إلى الآلة داخل وظيفة قائمة، وهذه تقيس ما يشترطه صاحب العمل حين يفتح بابا جديدا.

وتفسير شركة "برايس ووترهاوس كوبرز" مباشر، فالعمل الروتيني البسيط الذي كان المبتدئ يتعلم المهنة بأدائه لم يعد مذكورا في إعلان الوظيفة. وتؤكد أرقام أخرى الاتجاه ذاته، فشركة "سيغنال فاير" الأمريكية للاستثمار الجريء، التي تحلل بيانات نحو 650 مليون محترف حول العالم، وجدت أن توظيف الخريجين الجدد في كبريات شركات التقنية تراجع بأكثر من 50% عن مستويات 2019.

وتشير الأرقام أن حصة هذه الفئة من إجمالي التعيينات هبطت من 15% إلى 7%، وأن متوسط عمر المعين في الوظائف التقنية ارتفع 3 سنوات منذ 2021، وحذرت في توصياتها الموجهة إلى الشركات الناشئة التي تستثمر فيها، من أن إلغاء مسار المبتدئين يحسن هوامش الربح على المدى القصير، لكنه يصنع "أزمة هيكلية في القيادة والمواهب بعد 5 إلى 10 سنوات".

ثم نصل إلى الشركة التي بدأنا منها، إذ قال مايك كريغر، مدير المنتجات في أنثروبيك والمؤسس المشارك لتطبيق "إنستغرام"، في مقابلة صوتية سُئل فيها عن معاناة الخريجين الجدد، إن شركته "لم يكن لديها برنامج تدريب صيفي، ومن ثم فإن ميولها أقل لتوظيف الخريجين الجدد".

مصدر الصورة مارك بينيوف، الرئيس التنفيذي لشركة سيلزفورس (يمين)، مع جون كيري المبعوث الأمريكي لشؤون المناخ عام 2023 (أسوشيتد برس)

وفي المقابل يظهر استثناء لافت، فشركة "آي بي إم" (IBM) الأمريكية أتمتت قسم مواردها البشرية، فوجدت النظام ينجز نحو 94% من الطلبات الروتينية، ويعجز عن الـ 6% التي تحتاج إلى حكم بشري، فأعلنت مضاعفة توظيف المبتدئين 3 مرات. وقالت نيكل لامورو، رئيسة الموارد البشرية فيها، "لا يوجد خط إمداد، والبئر تجف ببساطة"، مسؤولة واحدة نظرت إلى ما بعد 5 سنوات، وقالت ما رأته علنا.

على أن الأدلة تشير إلى الجهتين معا، ففي أبريل/نيسان الماضي، أعلن مارك بينيوف، الرئيس التنفيذي لشركة "سيلزفورس" للبرمجيات، أن شركته توظف 1000 خريج ومتدرب جديد، وكتب أنهم قالوا إن الذكاء الاصطناعي سيقتل وظائف المبتدئين، وها هم المبتدئون يبنونه. وتقول رابطة الكليات وأصحاب العمل الأمريكية إن أصحاب العمل يخططون لزيادة توظيف خريجي 2026 بنسبة 5.6%. وتقول "برايس ووترهاوس كوبرز" نفسها إن التوظيف الإجمالي في الشركات الأكثر استخداما للذكاء الاصطناعي ينمو أسرع من نظيره في الشركات الأقل استخداما.

هذه أرقام حقيقية، ومن يتجاهلها يبني حجة على نصف الأدلة، لكن سيلزفورس كانت قد استغنت عن نحو 1000 موظف في فبراير/شباط 2025، وعن أقل من 1000 آخرين في فبراير/شباط الماضي، ومنهم عاملون في فريق الذكاء الاصطناعي نفسه. وقال بينيوف إنه لن يوظف مزيدا من مطوري البرمجيات أو موظفي خدمة العملاء هذا العام بسبب وكلائه الآليين.

فالخلاصة التي تحتملها هذه الأدلة مجتمعة ليست أن وظائف المبتدئين تختفي من الاقتصاد، وإنما هي أضيق وأدق من ذلك؛ فالباب يضيق، على الأرجح، في المواضع التي يُستخدم فيها الذكاء الاصطناعي أكثر من غيرها، وما تبقى منه صار يشترط مهارات تتطلب سنوات لاكتسابها.

ويبقى بعد هذا سؤالان: على أي دليل يقوم عزاء أمودي نفسه؟ وعلى أي دليل يقوم ما قلناه عنه؟

مصدر الصورة شركة "آي بي إم" الأمريكية أتمتت قسم مواردها البشرية (رويترز)

الشاهد والأرقام

للعزاء شاهد واحد يتكرر في كل نقاش عن الأتمتة منذ 40 عاما، هو الصراف الآلي.

القصة كما تُروى بسيطة، إذ انتشرت ماكينات الصراف الآلي في الولايات المتحدة حتى صارت في كل زاوية بحلول منتصف الثمانينيات، وكان المتوقع أن تُنهي وظيفة الصراف البشري. لكن عدد الصرافين لم ينخفض، بل ارتفع. وقد فسر الاقتصادي جيمس بيسن من جامعة بوسطن هذا اللغز المعروف تفسيرا صار هو الرواية الرسمية، فالماكينة خفضت عدد الصرافين اللازمين لتشغيل الفرع الواحد في المدن من 21 إلى نحو 13 فقط، فرخُص تشغيل الفرع، وارتفع عدد الفروع الحضرية بنحو 43%. النتيجة النهائية كانت فروعا أكثر بصرافين أقل في كل منها.

قصة نظيفة ومقنعة، وهي صحيحة، لكنها تتوقف عند منتصفها.

في عام 2007 ظهر الآيفون إلى النور، ثم جاءت تطبيقات المصارف، وتقول إحصاءات مكتب العمل الأمريكية اليوم إن وظائف الصرافين مرشحة للتراجع بنسبة 13% بين عامي 2024 و2034، وإن الوظائف التي ستُعلن خلال هذا العقد كلها لسد أماكن من يتركون المهنة، لا لتوسع في العمل. والسبب الذي يذكره المكتب صراحة أن عدد الفروع يتناقص، وأن من يودع شيكا من هاتفه لا يقف أمام شباك.

الصراف الآلي لم يقتل مهنة الصراف البشري، لكن الهاتف الذكي قتلها. والفرق بين الآلتين هو المتغير الحاسم، فالماكينة أخذت مهمة من مهام الوظيفة، لكنها ظلت في حاجة إلى الفرع، والفرع ظل في حاجة إلى إنسان يقف داخله. أما الهاتف فلم يأخذ مهمة، بل ألغى الحاجة إلى المكان الذي تُؤدّى فيه المهام كلها، والفارق بينهما في نسبة ما غطته كل آلة من الوظيفة، لا في مقدار ذكائها.

ثم يبقى سؤال الوقت، فهناك 40 عاما فصلت بين وصول الصراف الآلي واستقرار الصورة اليوم، وهي مدة تكفي لأن يدخل جيل المهنة ويخرج منها بالتقاعد. أما الفترة بين إطلاق أول نموذج لغوي قادر على كتابة برنامج وبين اليوم الذي صارت فيه الشركات تشترط إثبات عجز الذكاء الاصطناعي قبل توظيف إنسان، فهي أقل من 3 سنوات.

ذلك عن الشاهد التاريخي، أما أرقام اليوم فالخلاف حول معناها لم يُحسم.

في أغسطس/آب 2025، نشر إريك برينيولفسون، مدير مختبر الاقتصاد الرقمي في جامعة ستانفورد، مع زميلين له، ورقة بحثية حملت عنوانا لافتا هو "كناري في منجم الفحم؟"، اعتمدت على سجلات رواتب شهرية فعلية تغطي نحو واحد من كل 6 عاملين أمريكيين. ووجدت أن العاملين بين 22 و25 عاما، في المهن الأكثر تعرضا للذكاء الاصطناعي، شهدوا انخفاضا نسبيا في التوظيف مقداره 13%. وفي المقابل، لم يتراجع زملاؤهم الأكبر سنا في المهن ذاتها.

"نحن أمام ظاهرة حقيقية لكنها لا تزال محصورة في فئات ومهن بعينها، تظهر حين تنظر إلى الشاب في مهنة يغزوها الذكاء الاصطناعي، وتذوب حين تنظر إلى الاقتصاد كله"

وأهم ما في الدراسة ليس الرقم، وإنما الآلية التي تقف خلفه، فالانخفاض جاء من توظيف لم يحدث أصلا، لا من موجات تسريح طالت من كانوا في وظائفهم. ولا يُصدر أحدا بيانا صحفيا عن وظيفة لم يخلقها.

في المقابل، يتتبع "مختبر الموازنة " في جامعة ييل سوق العمل الأمريكية منذ أكتوبر/تشرين الأول 2025، ويحدث نتائجه دوريا. وقد قاس الباحثون سرعة تغير التركيبة المهنية منذ إطلاق "شات جي بي تي"، ومدة بقاء العاطلين بلا عمل في المهن الأكثر تعرضا، فلم يجدوا إزاحة تُذكر على مستوى الاقتصاد كله. ولا يعرض المختبر نتيجته نقضا لدراسة ستانفورد، بل يقول صراحة إن عمله يكملها، وإن منهجه قد لا يرصد حريقا صغيرا في زاوية من السوق، لكنه يرصد بالتأكيد لو كان البيت كله يحترق.

وهكذا تتبدى لدينا ظاهرة حقيقية لكنها لا تزال محصورة في فئة صغيرة وفي مهن بعينها، تظهر بوضوح حين تنظر إلى الشاب في المهنة المعرضة للذكاء الاصطناعي، وتذوب حين تنظر إلى الاقتصاد كله. ويقر برينيولفسون نفسه بأن بياناته تقيس ارتباطا لا سببية، وبأن أثر الذكاء الاصطناعي يصعب فصله عن أثر أسعار الفائدة وعن تصحيح التوسع المفرط في التوظيف بعد الجائحة.

غير أن استعصاء الحسم ليس ثغرة في البحث، هو في تقديرنا الشرط الذي يسمح لسردية عن أرزاق الناس بأن تنقلب رأسا على عقب في 12 شهرا، ثم تنقلب مرة أخرى بعد شهر، دون أن يستطيع أحد أن يثبت خطأها في أي اتجاه. على أن هذا كله جدل حول فاتورة تُستحق بعد عقد من الزمن، ولكن هناك شركة واحدة دفعتها بالفعل.

فورد أعادت خلال الأعوام الثلاثة الماضية توظيف نحو 350 مهندسا ومختصا تقنيا من قدامى العاملين (الأوروبية)

اللحى الرمادية

في يونيو/حزيران 2025، وقف جيم فارلي، الرئيس التنفيذي لشركة "فورد" للسيارات، على مسرح مهرجان أسبن للأفكار في ولاية كولورادو، يحاوره الكاتب وصاحب السير الشهير والتر إيزاكسون، وقال إن "الذكاء الاصطناعي سيحل محل 50% من العاملين المكتبيين في الولايات المتحدة".

كان ذلك بعد شهر واحد من حديث أمودي إلى "أكسيوس"، النبوءة كانت تدور، والرجال الذين يقودون كبرى الشركات يرددونها. وكانت فورد في تلك الأثناء تفعل ما يليق بمن يؤمن بتلك النبوءة، إذ نصبت مئات الكاميرات المزودة بالذكاء الاصطناعي في مصانعها لالتقاط عيوب التصنيع، واعتمدت أنظمة آلية لضبط الجودة.

ثم حدث ما لم يكن في الحسبان، إذ تبين في يونيو/حزيران الماضي، وفي مؤتمر صحفي عقدته الشركة، أن فورد أعادت خلال الأعوام الثلاثة الماضية توظيف نحو 350 مهندسا ومختصا تقنيا من قدامى العاملين، بعضهم موظفون سابقون فيها، وبعضهم انتُزع من شركات الموردين. وتسميهم الشركة داخليا "اللحى الرمادية"، في إشارة إلى عقود الخبرة التي يحملونها.

"فورد أعادت خلال الأعوام الثلاثة الماضية توظيف نحو 350 مهندسا ومختصا تقنيا من قدامى العاملين تسميهم اللحى الرمادية"

والسبب قاله تشارلز بون، نائب رئيس هندسة العتاد في فورد بمدينة ديربورن بولاية ميشيغان، بصراحة يندر أن تصدر عن مسؤول تنفيذي، فقد قال إنهم "ظنوا خطأ أن مجرد إدخال الذكاء الاصطناعي وتلقيمه متطلبات التصميم التي لديهم سينتج منتجا عالي الجودة". وأضاف أن الذكاء الاصطناعي لا يجود إلا بقدر جودة المعلومات التي يُدرَّب عليها، وأن الشركة لم تُعِر خبرة أمهر مهندسيها ما تستحقه من انتباه.

ثم شرح الآلية، فقال إن ضبط الجودة يحتاج إلى حدس لا يُكتسب إلا بعقود من الممارسة، وإن كثيرا ممن كانوا يملكون هذا الحدس قد غادروا الشركة قبل أن تتاح للأنظمة الذكية فرصة للتعلم منهم. المعرفة خرجت من الباب في رؤوس أصحابها، قبل أن تلتقطها الآلة التي بنيت لتحل محلهم، وحين حُرمت الأدوات من هذا الحدس لم تكتشف العيوب، وربما رسخت الافتراضات الخاطئة التي دُربت عليها.

لاحظ ما يفعله هؤلاء الرجال اليوم، فهم يؤدون مهمتين، إذ يعيدون برمجة أدوات الذكاء الاصطناعي وتدريبها على بيانات أفضل، ويدربون المهندسين الشباب في الوقت نفسه. والمهمتان تجريان عبر الأشخاص أنفسهم، فالآلة تتعلم منهم، والشباب يتعلمون منهم.

أما النتيجة فقد أعلنتها الشركة بالأرقام، إذ قال فارلي إن الأمر أسهم في توفير مئات الملايين من الدولارات من تكاليف الضمان واستدعاء المركبات المعيبة. وحلت فورد في المركز الأول بين العلامات التجارية في دراسة مؤسسة "جيه دي باور"، وهي المرجع الأشهر في قياس جودة السيارات الجديدة، لعام 2026، بعد أن كانت في المركز العاشر في العام السابق.

في يونيو/حزيران 2025، قال الرجل إن الذكاء الاصطناعي سيحل محل نصف العاملين المكتبيين في أمريكا. وفي يونيو/حزيران 2026، كان الرجل نفسه يحصي ما وفرته عليه استعادة البشر الذين عجزت الآلة عن استبدالهم.

وينبغي أن نُنصف شركة فورد في نقطة، فما تفعله الآن هو إعادة تشغيل قناة النقل بالضبط؛ اللحى الرمادية تدرب الشباب، والشباب يتعلمون المهنة من أصحابها. هذا هو السُلّم يُعاد بناؤه في شركة واحدة، وهو أكثر مما تفعله معظم الشركات التي مرت بنا هنا.

لكن انتبه إلى الشرط الذي جعل هذا ممكنًا، إذ استطاعت فورد أن تصلح خطأها لأن اللحى الرمادية كانت موجودة؛ رجال أحياء، يمكن العثور عليهم، وكلهم يملك حدسا اكتسبه على مدى عقود. وهم موجودون لأن شخصا ما وظفهم مبتدئين في ثمانينيات القرن الماضي أو تسعينياته، ووقف إلى جوارهم شخص آخر حتى تعلموا أن يروا العيب قبل أن يصل إلى أرض المصنع.

فورد لم تصنع هذا المخزون، بل سحبت منه، وجملة بون نفسها تخبرنا أنه ينضب، لأن أصحابه يغادرون قبل أن يُنقل ما في رؤوسهم. والسؤال الذي لا تجيب عنه هذه القصة هو ما يحدث بعد 30 عاما، حين تحتاج شركة أخرى إلى لحًى رمادية، فتذهب لتبحث عن الجيل الذي لم يُوظَّف اليوم.

قد نكتشف بعد 20 عاما أن مخاوفنا من الذكاء الاصطناعي كانت ذعرا لا مبرر له (رويترز)

العودة إلى الفحم

بالعودة إلى حيث بدأنا؛ سنجد أن جيفونز كان محقا في ملاحظته، فحين يرخص شيء يزيد استعماله، وقد صمدت مفارقته 160 عاما لأنها تصف سلوكا بشريا حقيقيا. وكان محقا في تحذيره كذلك، فقد بلغ إنتاج بريطانيا من الفحم ذروته عام 1913، بعد نحو نصف قرن من صدور كتابه، ثم أخذ ينحدر حتى صار اليوم أقل من 20 مليون طن. المنجم نضب فعلا، كما قال، لكنه أخطأ في المآل.

توقع جيفونز أن نضوب الفحم سينهي تفوق بريطانيا الصناعي ويُفقر اقتصادها. ولم يحدث ذلك، لأن شيئا لم يكن في وسعه أن يتخيله ظهر في الأثناء وهو الوقت. فالرجل كان مصيبا في الآلية، ومصيبا تقريبا في التوقيت، ومخطئا في النتيجة، لأن العالم أنتج بديلا لم يكن يملك اسما له وهو يكتب.

"قد يكون هذا التقرير كله، بعد 20 عاما، وثيقة عن ذعر لم يكن له ما يبرره"

وهذه هي حجة المطمئنين اليوم في أقوى صورها؛ قد يتسع الطلب فعلا، قد يظهر عمل لا يستطيع أحد منا تسميته الآن، كما ظهر النفط. وقد يكون هذا التقرير كله، بعد 20 عاما، وثيقة عن ذعر لم يكن له ما يبرره. وهذا احتمال قائم، ولا ينبغي إنكاره، غير أن في المقارنة فارقا واحدا يستحق أن يُقال في النهاية. النفط كان في الأرض ينتظر، ولم يحتج إلى تدريب، والفحم يمكن مضاعفة استخراجه في عام واحد إن ارتفع الطلب، كما حدث في اسكتلندا حين تضاعف استهلاكه 10 مرات، لأنه موجود في الطبقات وكل ما يلزم أن تحفر أعمق.

أما المهندس الذي عادت فورد تشتريه بعد 30 عاما من تخرجه، فليس في الأرض، بل صُنعت خبراته. صُنعت في وظيفة أولى وقف فيها إلى جواره من يعرف، ثم في 15 أو 20 عاما من الأخطاء التي صححها له أحدهم. مفارقة جيفونز تعمل على ما يمكن إنتاجه عند الطلب، والخبرة ليست منها؛ لا تُستخرج، وإنما تُورَّث، وهي تُورَّث تحديدا في الوظيفة التي يُرفع بابها عن الأرض اليوم.

لم يطرح أحد في تلك القاعة بمانهاتن هذا السؤال، ولم يكن جيفونز مضطرا إلى طرحه، لأن الفحم لا يحتاج إلى خبرة معرفية أو تسلسل مهني. ولكن حين يصل العمل الجديد الموعود اليوم، أيا كان شكله، ستقف على بابه فتاة لم تُمسك إبرة في حياتها، فمن الذي سيعلمها حينها أساسيات الخياطة؟

لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار