نشر الاتحاد المصري لكرة القدم فيديو قصيرًا للاعبي المنتخب الوطني وهم يتلون آيات من القرآن الكريم (سورة الفاتحة وسورة الإخلاص) داخل غرفة الملابس قبل إحدى المباريات، تحت عنوان "سر الفوز.. روح الفريق".
لكن الفيديو لم يبق في سياقه الرياضي طويلا؛ فخلال ساعات، انتقل من حساب رسمي إلى موجة اتهامات على منصة "إكس"، حيث أعادت حسابات مؤيدة لإسرائيل وأخرى يمينية غربية تقديمه باعتباره دليلا على "تحريض ديني".
ولم يكن الجدل حول ما ظهر في الفيديو فقط، بل حول المعنى الذي أُلصق به لاحقا، فالمشهد الذي قُدم عربيا باعتباره أمرا معتادا داخل غرفة الملابس، أعيدت ترجمته وتأويله بلغات مختلفة، ليتحول من لحظة رياضية عابرة إلى مادة في سجال أوسع عن الإسلام والهوية والدين في الرياضة.
وتتبعت وحدة المصادر المفتوحة في شبكة الجزيرة مسار انتشار الادعاء، وتبين أن الجدل لم ينشأ من مضمون الفيديو نفسه، بل من إعادة تفسيره دينيا وسياسيا، ثم تضخيم هذا التفسير عبر عشرات الحسابات بلغات مختلفة.
بدأت موجة التفاعل بعد منشورمن حساب باسم صفاء صبحي، قالت فيه إن الاتحاد المصري لكرة القدم نشر الفيديو بعنوان "سر الفوز"، مضيفة أن "سر الفوز هو أن تبدأ المباراة بالدعاء على الآخرين". وحصد المنشور مئات آلاف المشاهدات، ليصبح نقطة الانطلاق الرئيسية لإعادة تداول الفيديو خارج سياقه.
وبعد ساعات، انتقل الادعاء إلى اللغة الإنجليزية، إذ زعم حساب باسم مايكل أن الاتحاد المصري نشر "محتوى رسميا يروج للكراهية الدينية"، متسائلا عن سبب عدم تدخل "فيفا".
كما أعادت داليا كورتز نشر الرواية نفسها بصياغة ساخرة، وربطت الفيديو بجائزة "فيفا للعب النظيف"، في محاولة لتوسيع دائرة الانتقاد خارج الإطار الرياضي.
لم يقتصر تداول الادعاء على الحسابات العربية أو الإنجليزية، بل انتقل بسرعة إلى حسابات ناطقة بالهولندية والفرنسية، حافظت جميعها على الرسالة الأساسية نفسها، مع اختلاف اللغة فقط.
ويكشف هذا الانتشار أن عملية إعادة التأطير لم تبق محلية، بل تحولت إلى موجة رقمية عابرة للغات، أعادت تقديم ممارسة دينية معتادة داخل غرفة الملابس باعتبارها دليلا على خطاب كراهية.
وفي هذه المرحلة، لم يعد الفيديو متداولا بوصفه مشهدا رياضيا، بل بوصفه "دليلا" يجري تداوله وترجمته وتوظيفه داخل سرديات أوسع تتجاوز المباراة والمنتخب والاتحاد المصري.
ومع اتساع التفاعل، انتقل الخطاب من انتقاد الاتحاد المصري إلى تعميمات استهدفت الإسلام والمسلمين بصورة مباشرة.
فقد استخدم عدد من الحسابات الفيديو للحديث عن "طبيعة الإسلام" أو "محتوى القرآن"، بينما ذهب آخرون إلى تقديم المقطع باعتباره دليلا على ما وصفوه بـ"الكراهية الدينية"، متجاوزين تماما سياق الفيديو الأصلي.
كما توسع بعض الحسابات في ربط الفيديو بقضايا لا علاقة لها بالمشهد الأصلي، مثل تمثيل الأقباط داخل المنتخب المصري، في محاولة لإدراج المقطع ضمن نقاشات سياسية وهوياتية أوسع.
في المقابل، ظهرت منشورات حاولت تصحيح أكثر الادعاءات تداولا، مؤكدة أن الفيديو لا يتضمن العبارات التي نسبتها إليه الحسابات الأخرى، مع استمرار الجدل حول طبيعة الممارسة الدينية داخل فريق يمثل الدولة.
يكشف تحليل عينة من الحسابات التي نشرت الادعاء أو ساعدت في تضخيمه أن الحملة لم تأت من اتجاه واحد، فقد شاركت فيها حسابات مؤيدة لإسرائيل، وحسابات من اليمين الغربي المعروف بخطابه المناهض للإسلام، إلى جانب حسابات صغيرة أو حديثة أعادت نشر الادعاء بلغات مختلفة.
ولم يكن تأثير هذه الحسابات مرتبطا بعدد المتابعين فقط، بل بالدور الذي لعبته في تغيير معنى الفيديو، فبدلا من التعامل معه كمشهد رياضي داخل غرفة ملابس المنتخب المصري، قدمته على أنه دليل على تحريض ديني أو إقصاء للآخرين.
وبرز ضمن هذه الحسابات حساب @DahliaKurtz، وهي صحفية يهودية مؤيدة لإسرائيل يتابعها نحو 90 ألف حساب، وقد أعادت نشر الفيديو بصيغة ساخرة ربطته بفكرة "اللعب النظيف"، وحصد منشورها أكثر من 366 ألف مشاهدة، وأكثر من 2100 إعجاب، و302 رد.
كما ظهر حساب @DanBurmawy، وهو مؤلف يكتب في قضايا الإسلام والغرب، ضمن الحسابات التي ربطت الفيديو بقضايا أوسع عن الدين والهوية، وبرز أيضا حساب @hahussain، يعرف نفسه بأنه باحث في مؤسسة FDD المصنفة بمواقفها المؤيدة لإسرائيل، ضمن النقاشات التي تناولت الفيديو خارج سياقه الرياضي.
لا تظهر العينة أن الحملة خرجت من مركز واحد واضح، لكنها تكشف أن حسابات مختلفة التقت حول معنى واحد وهو تصوير تلاوة الفاتحة داخل غرفة الملابس كأنها رسالة عدائية، لا ممارسة دينية معتادة لدى رياضيين مسلمين.
ويمكن تقسيم الحسابات المشاركة إلى 3 مجموعات، الأولى حسابات مؤثرة أعطت الادعاء دفعة واسعة، والثانية حسابات ذات خطاب سياسي أو ديني أعادت ربط الفيديو بالإسلام والأقليات والهوية، والثالثة حسابات أصغر أعادت نشر الادعاء أو ترجمته أو صاغته بطريقة أكثر حدة.
وساعد هذا التداخل على نقل الفيديو من نقاش عربي محدود إلى جمهور أوسع، خاصة بعد انتقاله إلى الإنجليزية ثم إلى لغات أخرى.
اعتمد انتشار الادعاء على 3 خطوات رئيسية: إعادة الاقتباس، والترجمة، وربط الفيديو بقصص جاهزة عن الإسلام والأقليات.
في البداية، نُزع الفيديو من سياقه الأصلي، فقد نشره الاتحاد المصري لكرة القدم تحت عنوان "سر الفوز"، باعتباره مشهدا من كواليس المنتخب، ثم أضافت حسابات أخرى تفسيرا مختلفا له، وادعت أن قراءة الفاتحة كانت دعاء على غير المسلمين.
بعد ذلك، انتقل الادعاء عبر الاقتباس والترجمة إلى حسابات ناطقة بالإنجليزية ولغات أوروبية أخرى، ومع كل إعادة نشر، ابتعد الفيديو أكثر عن سياقه الرياضي الأصلي.
وفاز المنتخب المصري على منتخب نيوزيلندا بثلاثة أهداف لواحد، في مباراة أُقيمت على أرض ملعب "بي سي بليس"، الاثنين الماضي، ضمن منافسات الجولة الثانية من دور المجموعات بكأس العالم 2026.
وسجّل أهداف منتخب "الفراعنة" كل من مصطفى "زيكو" ومحمد صلاح ومحمود "تريزيجيه" في الدقائق 59 و67 و82، فيما أحرز فين سورمان هدف منتخب نيوزيلندا الوحيد عند الدقيقة 15.
المصدر:
الجزيرة