في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
تصدر الفئران أصواتا لا يستطيع الإنسان سماع كثير منها، لأن ترددها يقع في نطاق الموجات فوق الصوتية، أي أعلى من نحو 20 كيلوهرتز، وهو الحد التقريبي الأعلى للسمع البشري.
لكن هذه الأصوات ليست نوعا واحدا، فقد ربطت أبحاث سابقة بين أنماط مختلفة من هذه الأصوات وبين حالات تحفيزية وانفعالية مختلفة لدى الفئران.
وأراد باحثون من كلية العلوم الطبية بجامعة فوكوي باليابان، معرفة ما إذا كانت الفئران تصدر نمطا صوتيا مميزا عندما تتناول طعاما تحبه بدرجة كبيرة، مثل الشوكولاتة، وللإجابة، راقبوا الأصوات فوق السمعية (أصوات ذات تردد أعلى من قدرة الأذن البشرية على السماع)، التي تصدرها الفئران أثناء تناول الشوكولاتة، وقارنوها بالأصوات التي تصدر أثناء تناول الطعام العادي.
ووجد الباحثون في دراستهم المنشورة بدورية "إي نيورو" (eNeuro) نمطا صوتيا محددا عبارة عن إشارة فوق سمعية عند نحو 40 كيلوهرتز ذات شكل ترددي يشبه حرف (U) مقلوب.
ولم يعتمد الباحثون في اكتشاف هذه الإشارة على الاستماع إلى التسجيلات فقط، لأن الإنسان لا يستطيع سماع هذه الأصوات أصلا في نطاقها الطبيعي، بل قاموا بتسجيل الأصوات وتحليل خصائصها الصوتية، مثل التردد، شكل الصوت، مدته، خصائصه الزمنية والطيفية، ثم استخدموا أدوات تحليل تعتمد على التعلم الآلي للبحث عن الأنماط التي تميز أصوات الفئران أثناء تناول الشوكولاتة.
والنتيجة كانت أن خوارزميات التحليل استطاعت تمييز الإشارة فوق السمعية ذات الشكل الترددي الذي يشبه حرف (U) مقلوب عند نحو 40 كيلوهرتز، بوصفها مرتبطة بقوة بتناول الشوكولاتة.
وأوضح الباحثون أنه لو كانت الإشارة الصوتية مجرد نتيجة لعملية المضغ أو تناول الطعام، فمن المفترض أن تظهر بالقدر نفسه تقريبا أثناء تناول أي نوع من الطعام، وهو لم يظهر عندما أجروا مقارنة بين الشوكولاتة والطعام العادي.
واللافت أن الفئران تناولت كميات متقاربة من الطعامين، لكن عدد أصوات 40 كيلوهرتز كان أكبر بكثير أثناء تناول الشوكولاتة، وهذا يعني أن الصوت لا يبدو مرتبطا بأن "الفأر يأكل"، وإنما يبدو أكثر ارتباطا بأنه يتناول طعاما ذا قيمة مكافئة مرتفعة بالنسبة إليه.
وعززت تجربة أجراها الباحثون هذه الفكرة، إذ أعطى الباحثون الفئران خيارا بين الشوكولاتة والطعام العادي، وكانت النتيجة أن 15 فأرا من أصل 16 اختاروا الشوكولاتة، أي أن 93.75% من الفئران اختارت الشوكولاتة.
وهذه النتيجة لا تثبت وحدها أن الفئران "تشعر بالسعادة"، لكنها تؤكد أن الشوكولاتة كانت ذات قيمة تفضيلية أعلى بالنسبة إلى معظم الحيوانات في التجربة.
ووجد الباحثون أن الغالبية العظمى من أصوات 40 كيلوهرتز ظهرت خلال ثانية واحدة من حدث التغذية، أي أن الصوت كان مرتبطا زمنيا بصورة شديدة القرب من لحظة الحصول على الطعام أو تناوله.
وربط الباحثون هذه الإشارة بمنظومات عصبية وكيميائية لمعالجة المكافأة والمتعة في الدماغ، ومن بينها نظام الأفيونات الداخلية، وهذه المواد ليست المخدرات الأفيونية الخارجية نفسها، وإنما مواد ينتجها الجسم طبيعيا، مثل الإندورفينات، وتشارك في تنظيم الألم والمكافأة والمتعة.
وتأكد الباحثون من ارتباط هذا النظام بالإشارة عن طريق رؤية ما يحدث عند تثبيطه، فعندما قاموا بتثبيطه انخفضت الإشارة الصوتية المميزة المرتبطة بتناول الشوكولاتة بشكل حاد، وهذه النتيجة كانت مهمة جدا لأنها تربط الصوت ليس فقط بسلوك تناول الطعام، وإنما أيضا بآلية عصبية معروفة في معالجة المكافأة.
وعن كيفية استفادة البشر من الدراسة، يشير الباحثون إلى أنها ربما تساعد مستقبلا على تشخيص مشكلة نفسية وعضوية سميت "الأنهيدونيا"، أو انعدام اللذة.
والأنهيدونيا هي فقدان القدرة على الشعور بالمتعة أو انخفاضها، وهي أحد الأعراض المهمة في بعض الاضطرابات، ومنها الاكتئاب.
وإذا تمكن العلماء من تحديد مؤشرات سلوكية وصوتية مرتبطة بالمكافأة لدى الحيوانات، فقد تساعدهم هذه المؤشرات في دراسة كيف ينتج الدماغ الشعور بالمتعة، وكيف يتغير هذا النظام عندما يفقد الحيوان القدرة الطبيعية على الاستمتاع بالمكافآت.
ويقول الباحثون إن ذلك قد يكون مفيدا مستقبلا في تطوير تشخيص جديد للاكتئاب، وهذا أحد التطبيقات البحثية المحتملة للدراسة.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة