على امتداد أيام الحملة الانتخابية التي تنتهي رسميا الليلة، ركّز المرشحون لعضوية مجلس النواب جانبا مهما من تحركاتهم على الوسط القروي، متنقلين بين المداشر والقرى والأسواق، في مسعى لاستمالة الناخبين وكسب أصواتهم، باستحضار ما تمثله هذه الكتلة من وزن بعدد من الدوائر الانتخابية.
وتشير المؤشرات الميدانية والقراءات السوسيولوجية إلى أن نسب المشاركة الانتخابية في المداشر والقرى تسجل، باستمرار، مستويات أعلى من نظيرتها في المراكز الحضرية خلال مختلف الاستحقاقات؛ وهو ما يرتبط بطبيعة العلاقات الاجتماعية المحلية وأشكال التعبئة المباشرة، بما يمنح الناخبين في الوسط القروي وزنا لافتا في تحديد مستوى المشاركة ورسم ملامح المشهد الانتخابي.
من أصل حوالي 15 مليونا و801 ألف و162 ناخبا مسجلا في اللوائح الانتخابية، يبلغ عدد الناخبين المنتمين إلى الوسط القروي تقريبا 7 ملايين و110 آلاف و523 ناخبا، أي بنسبة 45 في المائة من الكتلة الناخبة، مقابل 55 في المائة بالوسط الحضري.
وعلى الرغم من أن أصوات الناخبين في القرى والأرياف تظهر، رياضياتيا، أقل من عددها بالحواضر، فإنها تُسيل لعاب المرشحين لعضوية مجلس النواب، بدليل نسبة المشاركة الانتخابية المرتفعة التي تميزها عادة.
وتظهر الحاجة أكثر لدى المرشحين إلى إقناع الكتلة الناخبة القروية بالدوائر الانتخابية التي تشمل، في غالبيتها، جماعات قروية، مقابل عدد محدود من الجماعات الحضرية.
وتظهر عدد من الدوائر الانتخابية التي يشملها هذا الوصف؛ من بينها ـ على سبيل المثال لا الحصر ـ دائرة تارودانت الشمالية، ودائرة تيزنيت، ودائرة وزان، ودائرة مولاي يعقوب، ودائرة تاونات وتيسة، ودائرة القرية وغفساي، ودائرة شيشاوة، إلى جانب دوائر محلية أخرى كخنيفرة والفحص أنجرة وطاطا والحوز (..).
وفي هذا الإطار، يزداد الرهان على الكتلة الناخبة القروية في هذه الدوائر المحلية، خاصة إذا تعلق الأمر بالمنافسة على 3 مقاعد برلمانية أو أقل؛ ما يعطي للوسط القروي إمكانية تغيير موازين القوى، وتغليب كفة مرشح على حساب آخر.
تتداخل في رسم السلوك الانتخابي بالوسط القروي في المغرب محددات سوسيولوجية معقدة؛ إذ لا تزال أشكال التضامن التقليدي ونفوذ الشخصيات المحلية والعائلات الكبرى تمثل توجها حاسما في تصويت الناخبين.
ويمنح هذا البعد الاجتماعي القوة التصويتية بالقرى قدرة عالية على الانضباط والتعبئة المكثفة؛ مما يفسر استمرار القرى في تسجيل معدلات مشاركة مرتفعة تقلب الموازين في الدوائر المحلية ذات الطابع القروي.
وعلى سبيل المثال، فقد سجلت الدوائر الانتخابية التي يغلب عليها الناخبون القرويون، خلال انتخابات 8 شتنبر 2021، نسب مشاركة محلية أعلى؛ فعلى سبيل المثال، سجلت دائرة الفحص أنجرة 70,14 في المائة كنسبة مشاركة، في مقابل 35,96 في المائة في دائرة تطوان التي تغلب عليها الكتلة الناخبة الحضرية.
ويقبل هذا الحساب نوعا من “التعميم”، لا سيما إذا استحضرنا أن دائرة انتخابية من حجم تارودانت الشمالية، المعروفة بسيادة المجال القروي، سجلت نسبة مشاركة بلغت 68,36 في المائة؛ في حين لم تتجاوز نسبة المشاركة بالدائرة الانتخابية لإنزكان آيت ملول حاجز 35,48 في المائة؛ وهي الدائرة المعروفة بغالبية الكتلة الناخبة الحضرية.
ويأتي فك العزلة وتأمين التزود بالماء الصالح للشرب وتحسين الخدمات الصحية والتعليمية ودعم الفلاحة الصغرى وتجاوز تداعيات التغيرات المناخية على رأس أولويات الأجندة التي قد يستحضرها الناخب القروي وهو يتجه نحو صناديق الاقتراع.
وفي هذا الإطار، سارعت مختلف الأحزاب السياسية المغربية، التي حرصت على التنقل بين المداشر والقرى والأرياف، إلى طرح عدد من الالتزامات التي تعهدت بتحويلها إلى إجراءات عملية في حالة قيادتها الحكومة المقبلة.
ومن بين هذه الالتزامات رفع قيمة الدعم الاجتماعي، الذي تتوزع نسبة 60 في المائة من المستفيدين منه على العالم القروي؛ فضلا عن توسيع خدمات النقل المدرسي ورفع جودة المستوصفات القروية، ثم ضمان تزويد الساكنة بالماء الصالح للشرب، وبناء أقطاب قروية، والمساهمة في توفير تمويلات لتقليص الفوارق المجالية، ومكافحة “مغرب السرعتين”.
وعلى الرغم من صعوبة إسقاط نتائج انتخابات 8 شتنبر 2021، بشكل حرفي، على نتائج انتخابات 23 شتنبر 2026، فإنه من المتوقع أن تكون للناخبين القرويين مساهمتهم البارزة في تشكيل موازين القوى بعدد من الدوائر، باستحضار خصوصية الوسط القروي التي ظل محافظا عليها على مر السنوات وتعاقب الاستحقاقات الانتخابية.
المصدر:
هسبريس