تمكن عالم رياضيات، بمساعدة نموذج للذكاء الاصطناعي، من العثور على مثال صغير نسبيا كان كافيا لإسقاط واحدة من أشهر المسائل المفتوحة في الرياضيات، والتي حيرت الباحثين منذ عام 1939.
المسألة تعرف باسم "حدسية جاكوبيان" (Jacobian Conjecture)، وقد طرحها عالم الرياضيات الألماني أوت-هاينريش كيلر قبل 87 عاما.
وفي يوليو/تموز 2026 أعلن عالم الرياضيات ليفنت ألبوغه، الذي يعمل في شركة أنثروبيك ، أنه استخدم نموذج الذكاء الاصطناعي "كلود فابل 5" (Claude Fable 5) للعثور على مثال مضاد للحدسية في ثلاثة أبعاد.
لفهم الفكرة ببساطة، يمكن تخيل الدالة الرياضية كآلة، ندخل إليها مجموعة من الأرقام، فتجري عليها عمليات رياضية وتخرج مجموعة أخرى. بعض هذه الآلات يمكن تشغيلها بالعكس؛ فإذا عرفنا الناتج يمكننا استعادة الأرقام التي دخلت إليها في البداية.
كانت حدسية جاكوبيان تقول، بصورة مبسطة، إن نوعا معينا من الدوال المبنية من كثيرات الحدود يجب أن يكون قابلا للعكس دائما، إذا تحقق فيه شرط رياضي يسمى "محدد جاكوبيان"، وكان ثابتا وغير مساو للصفر. هذا الشرط يعني تقريبا أن الدالة لا تسحق الفضاء أو تطويه محليا بطريقة تفقد المعلومات.
لكن المثال الذي عثر عليه ألبوغه بمساعدة الذكاء الاصطناعي يفعل شيئا غريبا، حيث إن محدد جاكوبيان الخاص به يساوي ثابتا هو "سالب 2″، ومع ذلك ترسل الدالة عدة نقاط مختلفة إلى النقطة نفسها.
وهنا تنهار إمكانية عكسها، فإذا وصلت ثلاثة مدخلات مختلفة إلى الناتج نفسه، فلن توجد طريقة لمعرفة أي واحد منها كان نقطة البداية. وبذلك يحقق المثال الشرط الذي افترضت الحدسية أنه يضمن قابلية العكس، لكنه مع ذلك غير قابل للعكس.
واللافت أن المثال الرياضي نفسه قصير بدرجة تكفي لكتابته في منشور واحد على منصة إكس. ولم يحتج الباحثون إلى برهان يمتد عشرات الصفحات لإظهار المشكلة، بل إلى العثور على هذه "الحالة الاستثنائية" الصغيرة المختبئة وسط عدد هائل من الدوال المحتملة.
وبعد الإعلان الأول، بدأ رياضيون آخرون في دراسة الفكرة وتوسيعها. ففي ورقة بحثية أولية نشرها عالم الرياضيات شوهونغ غاو على منصة "أركايف إكس" في 31 يوليو/تموز، عرض الباحث بناءات أخرى وأظهر أن أمثلة مضادة مماثلة يمكن إنتاجها في كل الأبعاد الأكبر من اثنين. كما قدم تفسيرا هندسيا للآلية التي تجعل هذه الدوال غير قابلة للعكس.
لكن ذلك لا يعني أن حدسية جاكوبيان انتهت بالكامل. فالنسخة الخاصة ببعدين فقط لا تزال مسألة مفتوحة، ولم يحسمها المثال الجديد. بل إن نتائج سابقة أظهرت صحة الحدسية في بعدين ضمن حالات واسعة، منها كثيرات الحدود حتى درجات مرتفعة، لكن البرهان العام ما يزال مفقودا.
وتبرز أهمية النتيجة كذلك من زاوية الذكاء الاصطناعي. ففي هذه الحالة لم تكن المهمة الأساسية كتابة برهان طويل، وإنما البحث داخل فضاء هائل من الاحتمالات عن تركيب رياضي نادر يمتلك الصفات المطلوبة.
وتشير الباحثة ميليسا لي من جامعة موناش، في بيان صحفي رسمي، إلى أن ذلك قد يكشف عن دور جديد للذكاء الاصطناعي في الرياضيات، وهو العثور على الأمثلة والأجسام الرياضية غير المتوقعة التي يصعب على البشر اكتشافها بالبحث التقليدي.
ومع ذلك، لا تزال تفاصيل الطريقة التي استخدم بها كلود للوصول إلى المثال غير منشورة بالكامل، كما أن الورقة اللاحقة المتاحة حاليا على "أركايف إكس" هي نسخة أولية لم تمر بعد بعملية مراجعة الأقران التقليدية.
لذلك فإن الجانب المتعلق بدور الذكاء الاصطناعي نفسه يحتاج إلى توثيق أكبر، حتى وإن أصبح المثال الرياضي متاحا للباحثين كي يفحصوه بصورة مستقلة.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة