يعتبر البروتين من أهم العناصر الغذائية التي تحتاجها أجسامنا للنمو وبناء العضلات وإصلاح الأنسجة، ويتوفر -كما هو معلوم- في مصادر حيوانية مثل اللحوم والبيض والألبان، ونباتية مثل البقوليات وفول الصويا والمكسرات. لكن هل كنت تعلم أن أوراق النباتات هي المصدر الأبرز للبروتينات على الإطلاق؟
تحتوي أوراق النباتات على بروتين يعرف باسم روبيسكو (Rubisco)، والذي يعد أكثر البروتينات وفرة على كوكب الأرض. ومع تزايد الطلب العالمي على البروتين، يعمل روّاد أعمال على إدخاله إلى النظام الغذائي للبشر.
أنتجت شركة ليفت (Leaft) النيوزيلندية، على سبيل المثال، ما يسمى بـ"Leaft Blade "، وهو مشروب بروتيني سائل يعتمد على روبيسكو وقد دخل مؤخرا إلى السوق الأمريكية، وفقا لمجلة "تايم " الأمريكية.
يقول الرئيس التنفيذي للشركة، روس ميلن: "اليوم لا يعرف أحد عنه تقريبا، لكن خلال السنوات العشر المقبلة سيصبح روبيسكو أحد البروتينات الرئيسية ".
يوجد الروبيسكو في كل ورقة خضراء، وهو البروتين المسؤول بشكل أساسي عن عملية التمثيل الضوئي. ويصفه العلماء بخصائص متعددة، فهو يحتوي على جميع الأحماض الأمينية الأساسية، ويمكن تحويله إلى مسحوق أبيض عديم الطعم تقريبا، كما يمكن تشكيله وهضمه بسهولة نسبية مقارنة بمعظم البروتينات النباتية الأخرى.
كما لا يسبب الحساسية في الغالب، على عكس منتجات مثل الألبان أو الصويا، إضافة إلى أنه سهل الهضم وذو وفرة هائلة في الطبيعة.
ويقول سلافكو كومارنيتسكي، عالم الأحياء في معهد "النباتات لصحة الإنسان" (Plants for Human Health) التابع لجامعة ولاية نورث كارولاينا: "من منظور مكونات الغذاء، إنه أحد أفضل البروتينات الطبيعية الموجودة ".
ويؤكد على ذلك مؤسس شركة "إمبوسبل فودز" (Impossible Foods) المتخصصة في اللحوم البديلة، بات براون. ففي حديث له مع مجلة نيويوركر عام 2019 قال إن روبيسكو كان أفضل بروتين اختبرته الشركة أثناء تطوير نموذج أولي لبرغر نباتي، لكن الشركة لم تستخدمه في النهاية بسبب عدم القدرة على توفير كميات كافية منه.
رغم أن روبيسكو هو البروتين الأساسي في الأوراق، فإنه لا يشكّل سوى نحو 3% من محتوى الورقة، مقارنة بالبقوليات وفول الصويا التي تصل نسبة البروتين فيها إلى نحو 80%. وهذا يعني ضرورة حصاد كميات هائلة من الأوراق للحصول على كمية تجارية من روبيسكو.
ورغم أن زراعة هذا الكم من النباتات ليست مشكلة بحد ذاتها، إلا أنها تؤدي إلى إنتاج كميات ضخمة من المخلفات السائلة واللبّية بعد الاستخلاص. كما أن عملية استخراج روبيسكو من داخل الخلايا النباتية صعبة ومعقدة للغاية، إذ يجب تكسير جدار الخلية وغشاء البلاستيدات الخضراء، وكل مرحلة من هذه العمليات تضيف تكاليف إضافية.
وفي النهاية، يصبح إنتاج روبيسكو أكثر كلفة من إنتاج بروتينات أخرى، ما يؤدي إلى تراجع اهتمام الشركات به.
كما أن الأوراق تتحول إلى اللون البني بسرعة بعد الحصاد، ما يفرض على الشركات استخراج البروتين خلال ساعات قليلة فقط، وإلا فلن يكون صالحا للاستخدام.
ويقول بيرس: "من أكبر التحديات التي تواجه الشركات أنها لا تحصل على مسحوق أبيض ناعم، بل على مادة بنية لزجة، لأن كل شيء يتحول إلى اللون البني بمجرد بدء المعالجة ".
وقد حاولت الشركات عصر الأوراق فور حصادها، إلا أن عزل روبيسكو كيميائيا وإزالة اللون الأخضر للحصول على مسحوق أبيض نقي لا يزال عملية معقدة.
رغم صعوبة إنتاجه، يرى داعمو روبيسكو أن استخراجه مباشرة من الأوراق أكثر كفاءة من العديد من طرق إنتاج البروتين التقليدية. ففي النظام الغذائي الحالي، تُستخدم النباتات كعلف للحيوانات، ثم نحصل على البروتين عبر اللحوم أو الحليب، وهي عملية ترتبط بانبعاثات الميثان وهدر الموارد وتلوث المياه.
أما الاستخلاص المباشر للبروتين من الأوراق، فيتجنب هذا "الوسيط "، إذ من الممكن إنتاج نحو 5 أضعاف كمية البروتين لكل هكتار مقارنة بتربية الأبقار لإنتاج الألبان.
ويعتبر ذلك مهما في حالات الأزمات العالمية أو نقص الغذاء مستقبلا. فقد أظهرت دراسة نُشرت في مايو/أيار من قبل تحالف "تحالف إطعام الأرض في الكوارث " (ALLFED) أن بروتين الأوراق، بما في ذلك روبيسكو، يمكن أن يلبي احتياجات العالم من البروتين في حالات الطوارئ، نظرا لسهولة زراعة النباتات الخضراء في مناطق متعددة من العالم.
منذ اكتشافه في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، حظي روبيسكو باهتمام واسع في أوساط علوم الغذاء. لكن رغم وفرة وجوده، لم تتمكن سوى شركات قليلة من تحويله إلى منتج غذائي عملي خلال العقود الماضية.
وتُعد Leaft من بين الشركات القليلة التي توفر روبيسكو للمستهلكين مباشرة، حيث تدير منشأة إنتاج بمساحة 30 ألف قدم مربع في كانتربري بنيوزيلندا، وتعمل مع مزارعين محليين للبرسيم الحجازي، وقد بدأت نشاطها في السوق الأمريكية مطلع عام 2026.
ولا يقتصر استخدام المنتج على المشروبات، إذ تنتج الشركة أيضا بسكويت (كوكيز) يحتوي على روبيسكو، كما تتعاون مع سلسلة "بالميتو سوبرفودز " (Palmetto Superfoods) لإدخاله في العصائر، وتبيع مسحوق بروتيني لشركات غذائية في اليابان ونيوزيلندا لاستخدامه في منتجاتها.
كذلك تسوّق شركة "فودي بروتين " (Fudi Protein)، ومقرها ويسكونسن، روبيسكو كبديل لبياض البيض، لكنها لا تزال في مرحلة جمع التمويل لبناء منشأة إنتاج واسعة النطاق. أما شركة "بلانتيبل " (Plantible)، التي تُعد من أبرز اللاعبين في السوق حاليا، فلا تبيع منتجاتها مباشرة للمستهلكين، بل تركز على تزويد شركات الأغذية بالبروتين الخام.
وتزرع الشركة نبات العدس المائي (Duckweed أو Lemna) في تكساس وتستخرج منه روبيسكو الذي تسوّقه تحت اسم "روبي بروتين " (Rubi protein). ويقول الرئيس التنفيذي للشركة إن الطلب على هذا البروتين يتزايد عالميا، خاصة مع ارتفاع أسعار مصادر البروتين التقليدية، مشيرا إلى أن الشركة حصلت في فبراير/شباط على موافقة من هيئة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA)، ما يعني اعتباره آمنا للاستخدام الغذائي.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة