يعد علم الفلك أقدم العلوم، وقد ألهم البشرية دائما للنظر إلى ما يتجاوز حدودها وانقساماتها. فهو يعلّمنا أننا جميعا جزء من الكون الواسع نفسه، ندور حول نجم واحد مشترك، على كوكب صغير لكنه ثمين يدعى الأرض. إنه يربطنا بقصة أعظم بكثير من ذواتنا، قصة تتجاوز الجغرافيا والثقافات والمعتقدات.
ففي ليلة صافية من عام 2025، وفي أثناء نشاط للورشة الإقليمية المتوسطية لمبادرة "شاو" والاتحاد الفلكي الدولي حول تعليم علم الفلك لدول البحر الأبيض المتوسط في تركيا، رفع المشاركون أنظارهم إلى السماء المليئة بالنجوم، فكل ضوء فيها كان يهمس بقصص قديمة عن وحدة الكون، عن كوكب صغير يدعى الأرض حيث جميع البشر جزء من نفس الرحلة الكونية.
في تلك اللحظة، ولدت فكرة أن علم الفلك ليس مجرد مراقبة النجوم، بل رسالة سلام ومساواة تجمع البشر رغم اختلافاتهم، فانطلقت المبادرة العالمية.
أطلق "يوم المساواة" (Equal Day) على المبادرة التي طرحها المنسق الوطني لتعليم علم الفلك في لبنان، وعضو الاتحاد العربي لعلوم الفضاء والفلك، جان-بيير صغبيني، لتهدف إلى تعزيز قيم السلام والمساواة والتنوع من خلال علم الفلك.
ويقول جان بيير: من خلال عدسة علم الفلك نجد أرضية مشتركة تتلاشى فيها الاختلافات، حيث يوحّدنا الجمال الهائل للكون. إن يوم المساواة هو احتفال بهذه الوحدة، يدعونا إلى أن نرفع أنظارنا إلى الأعلى وإلى الداخل في آن معا -إلى النجوم وإلى ذاتنا- لندرك إنسانيتنا المشتركة ومسؤوليتنا المشتركة التي تربطنا جميعا".
وقد أطلق على يوم 20 آذار/مارس من كل سنة "يوم المساواة" رمزا لهذه الوحدة، فهو يوم الاعتدال، وفيه يتساوى الليل والنهار في جميع أنحاء الأرض، وهو يذكرنا بالتوازن الكامن في الطبيعة، ذلك التوازن الذي يعكس قيم المساواة والانسجام.
وسيجمع هذا الحدث الناس عبر الحدود، موحَّدين بدهشتهم المشتركة تجاه الكون، وستضيء أنشطة رصد النجوم والفعاليات التعليمية الحقائق الكونية التي يكشفها علم الفلك وهي: المساواة، والسلام، والتنوع، والاستدامة، والتعاطف.
وقد أعلن الاتحاد الفلكي الدولي عن اعتماد المبادرة عالميا للاحتفال بـ"يوم المساواة"، ودعوة الأفراد والمؤسسات حول العالم لتنظيم فعاليات وأنشطة فلكية خلال الفترة من 18 إلى 23 مارس/آذار 2026، وتحمل رسالة عالمية مفادها أن السماء ملك للجميع.
تشمل فعاليات المبادرة – كما يقول جان بيير- أنشطة متعددة، بدءا من رصد النجوم والتلسكوبات المفتوحة للجمهور، إلى ورش تعليمية ومحاضرات تفاعلية، إضافة إلى التصوير الفلكي الإبداعي والفعاليات الفنية والغنائية التي تؤدي إلى إبراز رسالة السلام بشكل حي.
كما يستطيع منظمو الفعاليات تقديم مبادراتهم عبر اجتماعات افتراضية على منصة زوم، ما يعزز التواصل بين النوادي والجمعيات الفلكية حول العالم، ويشجع على تعاون مستدام بين الطلاب من مختلف الجامعات والتخصصات.
يوم المساواة ليس مجرد مناسبة فلكية، بل دعوة لكل دول العالم، وعددها 195 دولة، للنظر إلى السماء بإعجاب والتفكير في وحدتنا المشتركة على الأرض. إنه تذكير أن العلم والثقافة والفن يمكن أن تكون جميعا أدوات سلام، وأن كل نجمة في السماء تحمل رسالة أمل، ومساواة، وتعاطف.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة