أكد والي بنك المغرب عبد اللطيف الجواهري أن تداعيات التوترات الدولي والحرب في الشرق الأوسط خاصة على مستوى تقلبات أسعار الطاقة، تظل تحت السيطرة في الأمد القريب، مشدداً على أن مستويات التضخم لن تعرف، وفق المعطيات الحالية، ارتفاعات مقلقة تتجاوز الهدف المحدد، مبرزا أن المغرب راكم خلال السنوات الماضية خبرة مهمة في تدبير الأزمات المتعاقبة والتخفيف من انعكاساتها الاقتصادية والاجتماعية.
وأبرز الجواهري اليوم الثلاثاء، خلال ندوة صحفية أعقبت الاجتماع الفصلي الأول لسنة 2026 لمجلس بنك المغرب، أن البنك يتابع عن كثب تطورات الأوضاع المرتبطة بأسعار الطاقة وانعكاساتها، مشيراً إلى أن الفرضيات المتاحة متعددة ومتباينة، غير أن العنصر الحاسم يتمثل في التتبع المستمر للمعطيات، حيث تقرر اعتماد مراجعة شهرية للأرقام بما يتيح تحديد ما يمكن القيام به من تدابير وفق تطور المؤشرات.
وأوضح أن المعطيات الحالية لا تثير تخوفاً في الأمد القريب، خاصة إلى غاية اجتماع المجلس المرتقب في يونيو، مبرزاً أنه لا يتوقع تسجيل مستويات تضخم تتجاوز الهدف المحدد في حدود 2 في المائة، بعدما بلغ التضخم 0.8 في المائة سنة 2026، مع توقع بلوغه 1.4 في المائة سنة 2027، وذلك بناء على فرضية سعر 80 دولاراً للبرميل، مع الإقرار بأن أي ارتفاع محتمل في الأسعار ستكون له انعكاسات، دون أن يبلغ في الأشهر الثلاثة المقبلة مستويات تستدعي اتخاذ تدابير أساسية أو هيكلية.
وأضاف أن المغرب راكم تجربة تمتد لنحو 15 سنة في تدبير الأزمات المتتالية، سواء على المستوى الحكومي أو النقدي، وهو ما مكّنه من اكتساب خبرة في التعامل مع مختلف الانعكاسات الاقتصادية، مشيراً إلى أن الأزمات لا تتشابه، إلا أن التجربة التي راكمها المغرب، وفق تعبيره، آخرها أزمة أوكرانيا أبانت عن قدرة الحكومة على التدخل لدعم الأسر وقطاعات حيوية مثل السياحة والنقل، إلى جانب إطلاق حوار اجتماعي، مع الحرص في الآن ذاته على الحفاظ على التوازنات الماكرو-اقتصادية التي اعتبرها عنصراً أساسياً في سيادة الدولة، خاصة في سياق دولي يتسم بتعدد الأزمات وانشغال كل دولة بأوضاعها الداخلية، إلى جانب حالة الارتباك التي تطبع مواقف القوى الكبرى.
وشدد الجواهري على أن استمرار الإصلاحات الاجتماعية، رغم كلفتها المرتفعة، يعكس عدم توقف جهود الدولة، مبرزاً أن توفر التجربة السابقة يقلل من منسوب القلق، ويعزز القدرة على اتخاذ القرارات المناسبة وفق تطور الأوضاع، خاصة في حال ارتفاع أسعار النفط إلى مستويات مرتفعة مثل 100 أو 120 أو 130 دولاراً للبرميل، حيث يطرح آنذاك إشكال نقل الزيادة إلى المستهلك أو اللجوء إلى الدعم، وهو ما تحكمه التجربة المتراكمة في هذا المجال.
وفي ما يخص دور البنك المركزي، أوضح أن مسألة العملة الصعبة تظل مؤطرة بأدوات متاحة، من بينها “خط الوقاية والسيولة” مع صندوق النقد الدولي، والذي يبلغ حالياً 5 مليارات دولار، مؤكداً أنه يمكن اللجوء إليه فوراً إذا استدعت الضرورة، كما تم في سنة 2020 عندما تم سحب 3 مليارات دولار.
وأوضح أن هذا الخيار يظل غير مطروح في ظل سعر 80 دولاراً للبرميل وتوفر احتياطات تغطي نحو خمسة أشهر ونصف من الواردات، لكنه يظل وارداً في حال ارتفاع الأسعار إلى مستويات أعلى، بالنظر إلى الاتفاق الذي تم تجديده في يناير الماضي مع بعثة الصندوق والمصادقة عليه من طرف مجلس إدارته.
وأكد أن بنك المغرب يتوفر على أدوات للتدخل وقد راكم خبرة في التعامل مع مثل هذه الأوضاع إذا ما اتجهت نحو التفاقم، مع التنبيه إلى أن تحول الوضع إلى أزمة دولية شاملة أو ركود عالمي سيطرح تحديات مختلفة تتطلب تتبعاً دقيقاً، مشيراً في هذا السياق إلى إحداث “خلية يقظة” مشتركة بين وزارة المالية وبنك المغرب لتتبع التطورات بشكل يومي واتخاذ القرارات في الوقت المناسب.
وفي ما يتعلق باختبارات الضغط، أوضح الجواهري أنها تقوم على بناء فرضيات عمل متعددة، خاصة وأن الإشكال الرئيسي حالياً يرتبط بأسعار الطاقة وتأثيرها على عدد من القطاعات، من بينها النقل والخدمات، مؤكداً أنه تم القيام بمسح شامل لمختلف التوقعات الصادرة عن المنظمات الدولية والبنوك والهيئات الحكومية، حيث تتراوح التقديرات، وفق العقود الآجلة لخام برنت، بين 100 دولار في نهاية مارس، و93 دولاراً في الربع الثاني من 2026، و85 دولاراً في الربع الثالث، و79 دولاراً في الربع الرابع.
وأوضح أن اختلاف الفرضيات يؤدي بالضرورة إلى اختلاف النتائج، مؤكداً أن بنك المغرب يركز على العناصر الأساسية، وفي مقدمتها تأثيرات الفاتورة الطاقية على قنوات الاستيراد والتصدير، حيث تم تقدير ارتفاعها من 110 إلى 125 مليار درهم، مع إمكانية بلوغها 150 مليار درهم في حال ارتفاع الأسعار، مبرزاً أن هذا يشكل جوهر “اختبارات الضغط” التي تعتمد فرضية مركزية في حدود 80 دولاراً، مع اختبار سيناريوهات عند 100 دولار، وإمكانية توسيعها إلى 120 أو 140 دولاراً حسب تطور الأوضاع الدولية.
وأضاف والي بنك المغرب أن هذه الاختبارات تأخذ بعين الاعتبار أيضاً تأثيرات الأسعار على ميزان المدفوعات، والتضخم، والتوازنات الميزانياتية، بما في ذلك كلفة المقاصة، حيث يطرح التساؤل حول كيفية تعامل الحكومة مع الارتفاعات المحتملة، سواء بنقلها إلى المستهلك أو عبر آليات الدعم.
وأكد عبد اللطيف الجواهري أن القرارات ستُتخذ بشكل تدريجي من اجتماع إلى آخر، مع تحيين المعطيات بشكل مستمر، مع إمكانية عقد اجتماعات استثنائية، حضورياً أو عن بعد، إذا اقتضت الضرورة ذلك، بالنظر إلى تأثير هذه التطورات على الاقتصاد الوطني ومستوى التضخم.
المصدر:
العمق