في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
عندما نسمع خبر اقتراب كويكب من الأرض، تتسارع دقات القلوب وتتصدر العناوين عبارات مثيرة عن "نهاية محتملة للحياة"، لكن المفارقة أن هذه الأجسام نفسها، التي نخشى اصطدامها اليوم، كانت قبل مليارات السنين أحد الأسباب الرئيسية لوجودنا.
فالكويكبات والنيازك ليست مجرد صخور طائشة في الفضاء، بل هي شهود على نشأة النظام الشمسي، وحملة محتملون للماء والمواد العضوية، وفي الوقت ذاته قنابل كونية صامتة تذكرنا بهشاشة كوكبنا.
هذا المقال يأخذ القارئ في رحلة علمية متوازنة: ما هي الكويكبات والنيازك؟ كيف ساهمت في نشوء الحياة؟ متى تصبح خطرا حقيقيا؟ وما الذي تفعله البشرية اليوم لحماية نفسها من اصطدام كوني محتمل؟
الكويكبات (Asteroids) هي أجسام صخرية أو معدنية قديمة تعود إلى بدايات تشكل النظام الشمسي قبل نحو 4.6 مليار سنة، معظمها يوجد في حزام الكويكبات بين المريخ والمشتري، لكنها قد تُقذف أحيانا بفعل الاضطرابات الجاذبية إلى مدارات تقترب من الأرض.
أما النيزك (meteoroid) فهو قطعة صغيرة من كويكب أو مذنب، وعندما يدخل الغلاف الجوي للأرض ويحترق جزئيا أو كليا، نراه مثل شهاب، وإذا نجا جزء منه ووصل إلى سطح الأرض يُسمى حجرا نيزكيا (meteorite).
وهذه الأجسام من وجهة نظر علمية مواد أولية لم تتغير كثيرا منذ ولادة الكواكب، ولذلك يصفها العلماء بأنها كبسولات زمنية تحمل أسرار الماضي السحيق.
تشير الأدلة الجيولوجية والفلكية إلى أن الأرض في مراحلها المبكرة تعرضت لقصف مكثف من الكويكبات والمذنبات، وعلى الرغم من الدمار المصاحب لذلك، يعتقد العلماء أن هذه الأجسام جلبت معها الماء والمركبات العضوية الغنية بالكربون، وهي المكونات الأساسية للحياة.
يقول علماء الكواكب إن بعض الكويكبات، مثل "سيريس" و"بالاس"، أظهرت دلائل على وجود ماء في الماضي، كما كشفت النيازك الكربونية التي عُثر عليها على الأرض عن أحماض أمينية، وهي اللبنات الأساسية للبروتينات. بهذا المعنى، يمكن القول إن الحياة على الأرض مدينة جزئيا لهذه الصخور الفضائية.
ورغم أن النظام الشمسي اليوم أكثر هدوءا بكثير مما كان عليه قبل مليارات السنين، إلا أن الخطر لم يختفِ تماما، فالسجل الجيولوجي للأرض، وسطح القمر المثقّب بالفوهات، وحتى سطوح الكويكبات نفسها وحتى بعض المذنبات، تروي جميعا قصة اصطدامات عنيفة.
أشهر هذه الأحداث وقع قبل 66 مليون سنة، عندما اصطدم كويكب قطره بين 5 و15 كيلومترا بمنطقة تشيكشولوب في شبه جزيرة يوكاتان، متسببا في انقراض نحو 75% من الكائنات الحية، ومنها الديناصورات. لم يكن الدمار ناتجا عن الاصطدام وحده، بل عن التغير المناخي العالمي الذي تلاه: ظلام طويل وبرودة حادة وانهيار السلاسل الغذائية.
ليس كل كويكب يهدد الحياة على الأرض، فحجم الجسم وسرعته وزاوية دخوله كلها عوامل لها دور حاسم. ويوضح الجدول التالي صورة مبسطة لما قد يحدث.
ويوضح هذا التصنيف أن الكويكبات "القاتلة للمدن" أكثر شيوعا بكثير من تلك القادرة على إنهاء الحضارة، لكنها تظل نادرة على مقياس الزمن البشري.
الإجابة العلمية المختصرة: لا، ولكن لا مجال للإهمال، فبحسب علماء وكالة الفضاء الأميركية (ناسا) ووكالات الفضاء الأخرى، لا يوجد حاليا أي كويكب كبير معروف في مسار تصادمي مع الأرض في المستقبل المنظور.
وتقول عالمة الكواكب نانسي تشابوت إنه لا توجد كويكبات كبيرة معروفة على مسار اصطدام بالأرض في المستقبل القريب، وجميع البيانات متاحة للعامة، لكن المشكلة تكمن في أننا لم نكتشف بعد جميع الكويكبات القريبة من الأرض، خصوصا تلك التي تختبئ في وهج الشمس.
وظهر مفهوم "الدفاع الكوكبي" بوصفه مجالا علميا وتقنيا يهدف إلى اكتشاف وتتبع الأجرام القريبة من الأرض، وتقدير احتمالات الاصطدام وتأثيراته، وتطوير تقنيات الانحراف قبل فوات الأوان.
ومن أبرز الإنجازات في هذا المجال:
وهذه الجهود تعتمد على التعاون الدولي، لأن الخطر إن وقع لا يعترف بالحدود.
النيازك التي تصل إلى الأرض مختبرات طبيعية مجانية، فبدراستها يعرف العلماء عمر النظام الشمسي والتركيب الكيميائي للكويكبات وتاريخ التصادمات القديمة، كما أن بعض النيازك ثبت أنها قادمة من المريخ أو القمر، وهو ما يجعلها عينات كوكبية وصلت إلينا دون بعثات فضائية.
ولوسائل الإعلام دور مزدوج، فبينما تساعد على نشر الوعي، قد تقع أحيانا في فخ العناوين المثيرة. فالخبر العلمي الدقيق عن كويكب مارّ قرب الأرض لا يعني خطرا وشيكا، بل غالبا ما يكون دليلا على نجاح برامج الرصد، والعبرة ليست في الخوف بل في الاستعداد المبكر، فالتاريخ يعلمنا أن الاصطدامات الكبرى نادرة لكنها حتمية على المدى الطويل.
وليست الكويكبات والنيازك أعداء مطلقين ولا ملائكة منقذين، إنها جزء من قصة كونية أكبر، قصة تشكل الكواكب ونشوء الحياة وتطور الحضارات، فلقد ساهمت في بناء عالمنا، وقد تكون يوما تهديدا له.
لكن الفارق الجوهري بيننا وبين الديناصورات هو المعرفة، فنحن نملك اليوم عيونا تراقب السماء وعقولا تحسب المسارات، وتقنيات بدأت فعلا في تغيير مصير صخور سماوية. والاهتمام بالكويكبات ليس ترفا علميا بل هو استثمار في بقاء الحضارة الإنسانية على كوكب هش يدور في كون واسع لا يعرف الرحمة.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة