دخل الاتحاد الدولي لكرة القدم “فيفا” واحدة من أكثر أزماته تعقيدا منذ سنوات، بعدما فجرت خطة إنشاء شركة تجارية جديدة تضم مستثمرين مقربين من دائرة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب موجة غير مسبوقة من الاعتراضات داخل أروقة اللعبة، انتهت باستقالة أحد أبرز مستشاري رئيس الاتحاد جياني إنفانتينو، واتسعت لتشمل معظم الاتحادات القارية، وسط تحذيرات من أن المشروع قد يغير طبيعة إدارة كرة القدم العالمية ويفتح الباب أمام نفوذ المستثمرين في أهم بطولة رياضية على مستوى المنتخبات.
وتحولت الأزمة إلى اختبار حقيقي لقيادة إنفانتينو، بعدما أعلن كارلوس كورديرو، أحد أقرب مستشاريه، استقالته بأثر فوري احتجاجا على المشروع، معتبرا أن الخطة تمثل “صفقة سيئة لكرة القدم”، وأنها ترهن مستقبل اللعبة دون مبررات مقنعة، في وقت تمسك فيه “فيفا” بمواصلة المشاورات مع الاتحادات الوطنية، مؤكدا أن أي قرار نهائي لن يصدر إلا بعد موافقة الأغلبية.
ويقوم المشروع على إنشاء شركة جديدة تحمل اسم “فيفا فورورد إنتربرايز”، تتولى إدارة الحقوق التجارية لكأس العالم وبقية بطولات الاتحاد الدولي، مع فتح الباب أمام مستثمرين من القطاع الخاص لامتلاك ما يصل إلى 20 في المائة من أسهمها، في صفقة تقدر قيمة الشركة فيها بنحو 20 مليار دولار، بينما يأمل “فيفا” في جمع أكثر من أربعة مليارات دولار لتوسيع موارده المالية المخصصة لتطوير كرة القدم.
ويراهن الاتحاد الدولي على أن المشروع سيمكنه من مضاعفة التمويل الموجه إلى الاتحادات الوطنية خلال السنوات المقبلة، إذ أكد أن الخطة قد ترفع إجمالي تمويل برامج التطوير إلى عشرة مليارات دولار خلال أربع سنوات، مع منح كل اتحاد وطني دفعة استثنائية قد تصل إلى 20 مليون دولار، إضافة إلى رفع مخصصات التمويل الدورية من ثمانية ملايين دولار إلى عشرين مليونا خلال دورة 2027-2030، وهي الأرقام التي يعتمد عليها إنفانتينو لإقناع الاتحادات الوطنية بدعم المشروع.
غير أن هذه الوعود المالية لم تمنع تصاعد المعارضة، إذ جاءت الضربة الأولى من داخل الدائرة المقربة لرئيس “فيفا”، بعدما أعلن كارلوس كورديرو، الذي عينه إنفانتينو مستشارا سنة 2021، انسحابه من منصبه، مؤكدا أنه لم يشارك في إعداد المقترح، وأنه يعارضه “بشكل قاطع”، مضيفا أن المشروع لا يخدم الاتحادات الأعضاء ولا مستقبل كرة القدم، ويعرض أهم أصول الاتحاد الدولي لمخاطر طويلة الأمد، وهو موقف اعتبره مراقبون مؤشرا على حجم الانقسام داخل المؤسسة نفسها.
ولم تتوقف الانتقادات عند استقالة كورديرو، إذ وجه كيفن لامور، المدير التنفيذي للعمليات في “فيفا”، انتقادات مباشرة إلى إنفانتينو، معتبرا أن المشروع يمثل “مبادرة شخص واحد”، ومتهما رئيس الاتحاد بتضليل الموظفين، ومشددا على أن مهمة “فيفا” تتمثل في خدمة كرة القدم العالمية، وليس خدمة المصالح الشخصية، في واحدة من أشد الانتقادات الداخلية التي تواجه قيادة الاتحاد الدولي منذ سنوات.
ورد “فيفا” على هذه الانتقادات ببيان رسمي، أكد فيه أن الحديث عن بيع كرة القدم “غير صحيح”، وأن الاتحاد لا يعتزم التخلي عن سيطرته على بطولاته أو قراراته التنظيمية، موضحا أن المستثمرين سيظلون مساهمين أقلية، بينما ستبقى الحوكمة والروزنامة الرياضية والقرارات المتعلقة بالبطولات من الاختصاص الحصري للاتحاد الدولي، كما شدد على أن إنشاء الشركة الجديدة لن يتم إلا بعد موافقة أغلبية الاتحادات الوطنية الأعضاء وعددها 211 اتحادا، معتبرا أن عملية التشاور الجارية تعكس المبادئ الديمقراطية التي يقوم عليها “فيفا”.
ورغم هذه التطمينات، اتسعت دائرة الرافضين للمشروع بصورة متسارعة، إذ قاد الاتحاد الأوروبي لكرة القدم “يويفا” حملة المعارضة، معتبرا أن الخطة تعرض “روح كرة القدم” للبيع، ولوح بمقاطعة بطولات “فيفا” إذا مضى الاتحاد الدولي في تنفيذ المشروع، قبل أن يصوت ممثلو الاتحادات الأوروبية الخمسة والخمسين بالإجماع على رفض المقترح، في خطوة غير مسبوقة تعكس حجم التوتر بين المؤسستين.
وسرعان ما انضم اتحاد أمريكا الشمالية والوسطى والكاريبي “كونكاكاف” إلى المعارضين، معلنا رفضه للمشروع، وإن اختار عدم التلويح بالمقاطعة، بينما أعلن الاتحاد الآسيوي لكرة القدم تضامنه مع موقفي “يويفا” و”كونكاكاف”، مؤكدا أن المشروع لا يستطيع، في ظل الانقسامات الحالية، تحقيق الإجماع الضروري للمضي قدما، كما اعتبر أن الطريقة التي أعد بها المقترح كشفت نقاط ضعف في آليات التشاور وصنع القرار داخل “فيفا”، داعيا إلى مراجعة عاجلة لمنظومة الحوكمة.
وأشار الاتحاد الآسيوي إلى أن أي مشروع بهذا الحجم، يمكن أن يؤثر في المستقبل التجاري والرياضي لكرة القدم، لا ينبغي أن يطرح بطريقة تمنح الاتحادات القارية والوطنية شعورا بأنها مستبعدة من عملية اتخاذ القرار، وهو موقف عكس اتساع الهوة بين قيادة “فيفا” وعدد من أبرز شركائها في إدارة اللعبة.
وفي المقابل، لم يتبن اتحاد أوقيانوسيا موقفا معارضا، واكتفى بدعوة اتحاداته الوطنية إلى دراسة المشروع والمشاركة في المشاورات التي أطلقها “فيفا”، فيما دعا الاتحاد الإفريقي لكرة القدم أعضاءه إلى دراسة المقترح قبل اتخاذ موقف نهائي، بينما ظل اتحاد أمريكا الجنوبية “كونميبول” خارج دائرة التعليق، من دون إعلان موقف رسمي حتى الآن.
وامتدت ردود الفعل إلى خارج المؤسسات الرياضية، إذ اعتبر رئيس الوزراء البريطاني آندي بورنام أن مجرد التفكير في المشروع يثبت أن جياني إنفانتينو “ليس الشخص المناسب لقيادة فيفا”، واصفا الخطة بأنها “اقتراح فاضح”، في تصريحات تعكس انتقال الجدل من الأوساط الرياضية إلى الساحة السياسية.
ومن جانبه، أعلن المدرب الإسباني شابي ألونسو دعمه لموقف المعارضين، مؤكدا أن كرة القدم يجب أن تبقى “ملكا للجماهير”، لا للمستثمرين من القطاع الخاص، معتبرا أن بطولات بحجم كأس العالم ينبغي أن تحافظ على طبيعتها وقيمتها الرياضية بعيدا عن الاعتبارات التجارية.
وفي خضم هذه التطورات، برز اسم المستثمر الأمريكي جوشوا كوشنر، مؤسس شركة “ثرايف كابيتال”، بوصفه المرشح لقيادة مجموعة المستثمرين المحتملين في الشركة الجديدة، وهو شقيق جاريد كوشنر، صهر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الأمر الذي زاد من حجم الاهتمام السياسي والإعلامي بالمشروع، رغم أن ترامب نفى إجراء أي محادثات مع إنفانتينو بشأن الخطة، مؤكدا، خلال اجتماع لمجلس الوزراء في كامب ديفيد، أنه لم يناقش مع رئيس “فيفا” مسألة بيع حصة من الحقوق التجارية للاتحاد الدولي.
ويؤكد معارضو المشروع أن الخطر لا يكمن في حجم الأموال التي قد يوفرها، وإنما في السابقة التي سيؤسس لها، إذ يرون أن فتح الباب أمام المستثمرين الخواص للدخول إلى أهم الأصول التجارية لكرة القدم العالمية قد يؤدي مستقبلا إلى تغليب منطق الربح على الاعتبارات الرياضية، ويمنح القطاع الخاص نفوذا متزايدا داخل منظومة كانت تدار تاريخيا بواسطة الاتحادات الوطنية والقارية.
في المقابل، يصر “فيفا” على أن المشروع يمثل فرصة تاريخية لتعزيز موارد اللعبة، وتوسيع برامج التطوير، وتقليص الفوارق المالية بين الاتحادات، مؤكدا أن الملكية الفعلية ستظل بيد الاتحاد الدولي، وأن المستثمرين لن يمتلكوا سوى حصة أقلية، بينما ستبقى جميع القرارات الرياضية والتنظيمية خارج نطاق الاستثمار.
وتأتي هذه الأزمة في توقيت حساس بالنسبة إلى جياني إنفانتينو، الذي يستعد لخوض انتخابات رئاسة “فيفا” العام المقبل، وسط تقارير تتحدث عن احتمال ترشح رئيس اتحاد “كونكاكاف” فيكتور مونتاياني لمنافسته، وهو ما يجعل معركة “فيفا فورورد إنتربرايز” تتجاوز الجدل المالي لتتحول إلى اختبار حقيقي لمستقبل قيادة الاتحاد الدولي، ولمدى قدرة إنفانتينو على الحفاظ على الإجماع داخل المؤسسة التي تدير اللعبة الأكثر شعبية في العالم.
المصدر:
هسبريس