أظهرت الجولة الأولى من مسلسل المشاورات الذي أطلقته فاطمة الزهراء المنصوري، رئيسة الحكومة المكلفة بتشكيلها، أن الطريق معبد أمامها لتشكيل حكومة بأغلبية مريحة، بعدما عبرت كل الأحزاب التي حلت بمقر “البام” عن استعدادها لتكون ضمن الائتلاف الحكومي.

وباستثناء حزب العدالة والتنمية و”تحالف اليسار” اللذين أعلنا تموقعهما في المعارضة، واللذين رفضا الالتحاق بمقر “الأصالة والمعاصرة” لإجراء المشاورات، رغم دعوة المنصوري لهما، تركت باقي الأحزاب السبعة التي لبت الدعوة باب المشاركة مفتوحا، بل ومنها من سارع إلى إصدار بلاغ لمكتبه السياسي يعلن بوضوح عن الرغبة في أن يكون ضمن التشكيلة الحزبية لحكومة المنصوري.

الأحرار.. رغبة معلنة في البقاء ضمن الحكومة

بداية اللقاءات التي أطلقتها المنصوري غداة تعيينها، كانت مع حليفها الحالي، وصاحب المركز الثاني في نتائج الانتخابات؛ حزب التجمع الوطني للأحرار، وكان المشهد البارز؛ لقاء “خصوم الحملة الانتخابية”، وجلوس رشيد الطالبي العالمي جنبا إلى جنب مع فوزي لقجع، الذي هاجمه قبل أيام واتهمه بالترهيب، في المقطع الصوتي المسرب من أحد اجتماعات المكتب السياسي لحزب “الحمامة”. ولم يكن في كلمة رئيس الحزب محمد شوكي بعد لقاء المنصوري ما يشير إلى وجود تفاهمات بين الحزبين كما سيبرز مع قادة أحزاب أخرى، واكتفى بالتأكيد على أن مساهمة حزبه المستقبلية “ستستحضر المصلحة العليا للوطن”.

ومع استمرار المشاورات، وتعبير الأحزاب عن ترحيبها بالمشاركة، بدأ يظهر في تصريحات قادة الأحزاب توجه عام يدعو لضرورة إقصاء “الأحرار” من الأغلبية المقبلة، بتعبيرات من قبيل “القطيعة مع المرحلة السابقة”، و”تصحيح أخطاء الحكومة السابقة”، و”احترام إرادة الناخبين”…، وهو ما التقطته قيادة “الأحرار”، وسارعت في بلاغ لمكتبها السياسي إلى الإعلان عن رغبتها الصريحة بالمشاركة في حكومة المنصوري، وربطتها أيضا بـ”مصلحة الوطن”، من خلال استكمال “الأوراش والإصلاحات المفتوحة”.

وبعدما أقسم رشيد الطالبي العلمي في التسريب أنه في حال حصول “الأحرار” على المركز الثاني فسيضع شروطا لمشاركته في “حكومة البام”، وعلى رأسها الإبقاء على وزارة الاقتصاد والمالية في يد “لالة نادية”، خرج المكتب السياسي ببلاغ ينكث فيه هذا القسم، ويقدم نفسه للمنصوري كحليف دون شرط، في وقت عبر فيه قياديون من “البام”، في العلن عن رفضهم إدخال “الحمامة” في الأغلبية، وأشار عبد اللطيف وهبي إلى أن لقجع هو المرشح لحقيبة “الاقتصاد والمالية”، سادا هذا الطريق.

الاستقلال.. دعم لحكومة المنصوري

ثاني لقاء للمنصوري كان مع الحليف الحكومي الآخر حزب الاستقلال، الذي نأى بنفسه خلال الحملة الانتخابية عن الصراع وتبادل الاتهامات مع مكونات الأغلبية، ما جعله في نظر جل المراقبين الحليف الأقرب للمنصوري، خاصة وأنه حصل على 65 مقعدا.

ولم يتأخر حزب الاستقلال في التعبير عن رغبته وترحيبه بالمشاركة في الحكومة، حيث أكد أنه لن يكون معارضا لتجربة المنصوري، وصرح أمينه العام نزار بركة بعد لقاء قيادة “البام” قائلا إن “حزب الاستقلال سيدعم هذه التجربة من أي موقع كان”، مبرزا أيضا التقاء نظرة الحزبين حول القضايا ذات الراهنية، وضرورة الوفاء بالوعود الانتخابية من خلال البرنامج الحكومي. في حين تسود الرغبة داخل الحزب للمشاركة في الحكومة.

الحركة الشعبية.. القطيعة مع المرحلة السابقة

حزب الحركة الشعبية الذي غلب الود والانسجام على صور أمينه العام مع رئيسة الحكومة المعينة خلال اللقاء الثالث من المشاورات، سارع بدوره إلى التعبير، وإن بشكل غير مباشر، عن ترحيبه بالمشاركة في الحكومة المقبلة، بل ذهب أوزين إلى حد التأكيد على أن اللقاء أسفر عن قناعة مشتركة بضرورة “إحداث قطيعة إيجابية مع المرحلة السابقة”.

وعبر الأمين العام لحزب “السنبلة” عن وجود تفاهم مع قيادة “الأصالة والمعاصرة” حول الملفات ذات الأولوية أمام الحكومة المقبلة، ومنها ملف الشباب والبطالة، وملف الحكم الذاتي، والتنمية الترابية المندمجة، والتي تحتاج بحسبه “الخبرة ديالنا جميع” لتنزيلها وتجاوز مغرب السرعتين.

الاتحاد الاشتراكي.. تحالف يراعي تنامي التطرف اليميني

بعد لقاء الاتحاد الاشتراكي مع قيادة “البام”، خرج الكاتب الأول لحزب “الوردة” في تصريح مقتضب، أشار فيه إلى علاقة الصداقة مع قيادة “الجرار”، واعتبر أن “المشاورات أمانات”. لكنه سرعان ما عقد اجتماعا لمكتبه السياسي في نفس الليلة، صدر عنه بلاغ بدا فيه الحزب مرحبا بالالتحاق بالحكومة.

واعتبر الاتحاد الاشتراكي في بلاغه أن الحكومة المقبلة عليها أن تقدم عرضا سياسيا يجيب على تحديات الفساد، وفقدان الثقة، وغيرها من القضايا التي كانت محور لقاء المنصوري مع لشكر وغيره من قادة الأحزاب. كما أكد الاتحاد على ضرورة أن تكون الحكومة منسجمة، رابطا نجاح تحقيق البرنامج الحكومي بوجود “تحالف حكومي ينطلق من مرجعيات تتقاسمها مكوناته كقناعات فكرية وسياسية”، مع استحضار الأزمات الدولية، والانتباه لـ”تصاعد مظاهر التطرف اليميني في جوارنا الأوروبي وتبعاته”.

التقدم والاشتراكية.. دخول مشروط بطبيعة التحالف

استقبال قيادة حزب الأصالة والمعاصرة لقيادة حزب التقدم والاشتراكية، كان الأكثر دفئا، والأطول من حيث المدة الزمنية التي استغرقها، وبدا في اللقاء الانسجام بالنظر إلى اشتراك الحزبين في عدة نقاط، وهو ما أكده نبيل بنعبد الله في تصريحه للصحافة، دون أن يخفي أن الحزب لم يحسم قراره بعد، ولمح إلى أن قراره مرتبط أساسا بطبيعة مكونات التحالف، والأحزاب التي ستشارك فيه، في إشارة إلى تحرّج “الكتاب” من المشاركة في حكومة تضم أغلبيتها حزب التجمع الوطني للأحرار.

وترك بنعبد الله باب دخول حزبه للحكومة مفتوحها، وعضد ذلك بتصريحه الذي أكد فيه وجود نقط التقاء عديدة بين الحزبين، فيما يتعلق بالوضع الاجتماعي، وضرورة إحداث انفراج سياسي…، مسجلا بارتياح وجود تجاوب مع كل هذه القضايا، من طرف قيادة “البام”، إلى جانب إشارته إلى وجود نقط التقاء عديدة بين البرنامجين الانتخابيين للحزبين.

“الحصان” و”النخلة”.. كل المساعدة لنجاح الحكومة

بدوره، حزب الاتحاد الدستوري الذي لم يجد في استقباله عند مدخل مقر حزب الأصالة والمعاصرة أحدا، توقف أمينه العام على أن لقاءه بالمنصوري أبان عن اشتراك في الرؤية حول ما ينبغي أن يتضمنه البرنامج الحكومي من ملفات ويجيب عنه من تحديات، مع الإشارة إلى أن المشاورات ستستمر.

ولم يختلف الأمر مع حليفه حزب الحركة الديمقراطية الاجتماعية الذي سبق أن أعلن عن تشكيل فريق برلماني مشترك مع “الاتحاد الدستوري”، حيث عبر الأمين العام عبد الصمد عرشان، الذي كان مرفوقا بوالده “الكوميسير عرشان”، عن استعداد حزبه لتقديم كل المساعدة للمنصوري من أجل نجاح حكومتها. مع التأكيد على “ضرورة علاج كل ما أخفقت فيه الحكومة السابقة”، لا سيما في الشق الاجتماعي والقدرة الشرائية. ونقل عن المنصوري تعبيرها عن استعدادها وعزمها على أن تكون الفترة المقبلة حافلة بالعطاء والقرارات الجريئة، والمرور للسرعة القصوى حتى يحس المغاربة بالتغيير الذي ينشدونه.

طريق معبد أمام حكومة المنصوري

وفي الأخير، بينت مُخرجات الجولة الأولى من المشاورات، أن الصورة واضحة أمام رئيسة الحكومة المكلفة وقيادة حزب الأصالة والمعاصرة، التي يظهر أنها ستفاوض الأحزاب في قادم اللقاءات من مركز قوة، يمكنها من اختيار الشروط والبرنامج، وحيازة أهم الحقائب الوزارية، دون عناء ولا حاجة كبيرة إلى إغراء الشركاء المرتقبين، في ظل استعداد الأغلبية إلى التحالف.

ويشار إلى أن تشكيل الأغلبية يحتاج إلى 198 مقعدا على الأقل، وهو ما يجعل المنصوري أمام طريق معبد لتشكيل أغلبية مريحة، مع خيارات متعددة، فحزبها يتوفر على 97 مقعدا، أما باقي الأحزاب التي لم تغلق باب المشاركة فتحوز على 66 مقعدا بالنسبة لحزب الأحرار، و65 مقعدا بالنسبة لحزب الاستقلال، و29 لحزب الحركة الشعبية، و26 للاتحاد الاشتراكي، و19 للتقدم والاشتراكية، و25 للفريق المشترك بين الاتحاد الدستوري والحركة الديمقراطية الاجتماعية.