بوز: “حزب المقاطعين” اكتسح الانتخابات.. والنتائج تفتقد للشرعية السياسية المطلوبة
اعتبر أحمد بوز، أستاذ العلوم السياسية والقانون الدستوري بجامعة محمد الخامس بالرباط، أن “حزب المقاطعين” كان الرابح الأكبر في الانتخابات الأخيرة، معتبراً أن ضعف المشاركة الانتخابية أفرز نتائج تظل، رغم مشروعيتها القانونية، مفتقدة إلى ما يكفي من الشرعية السياسية.
وأبرز بوز، خلال حلوله ضيفاً على برنامج “نبض العمق” الذي سيبث، يومه الثلاثاء على مختلف منصات “العمق المغربي”، أن النتائج التي أفرزتها الانتخابات التشريعية الأخيرة لا تعكس تحولاً جذرياً في الخريطة السياسية بقدر ما تكشف عن استمرار ملامح المشهد السابق، مع بروز معطى أساسي يتمثل في ضعف المشاركة الانتخابية، الذي وصفه بأنه “اكتساح” حزب المقاطعين لنتائج الانتخابات.
وأوضح بوز، أن تصدر حزب الأصالة والمعاصرة للنتائج لا يشكل مفاجأة كبيرة، بالنظر إلى كونه كان جزءاً من الأغلبية الحكومية السابقة إلى جانب التجمع الوطني للأحرار وحزب الاستقلال، مشيراً إلى أن العديد من الملاحظين والمتابعين كانوا يتوقعون ألا يخرج ترتيب الصف الأول عن مكونات الأغلبية السابقة.
وبخصوص عودة حزب العدالة والتنمية بقوة إلى الواجهة، قال البوز إن تقدمه لم يكن بدوره مفاجئاً بشكل كبير، وإن كان حجم النتائج قد تجاوز بعض التقديرات التي كانت تتحدث عن حصول الحزب على ما بين 30 و40 مقعداً، موضحاً أن الأهم بالنسبة إلى الحزب كان تسجيل تقدم واضح مقارنة بنتائج انتخابات 2021، وهو ما كان سيُعتبر في جميع الأحوال مكسباً سياسياً.
وأشار أستاذ العلوم السياسية والقانون الدستوري إلى أن نتائج تحالف اليسار كانت بدورها لافتة وغير متوقعة، معتبراً أن نتائج العدالة والتنمية وتحالف اليسار تكشف عن إمكانية وجود “تصويت سياسي” و”تصويت عقابي”، في مقابل استمرار أنماط أخرى من التصويت المرتبطة بالمعطيات الاجتماعية والسوسيولوجية.
غير أن البوز شدد على أن انتقال الصدارة من حزب إلى آخر داخل المشهد السياسي، سواء تعلق الأمر بالأصالة والمعاصرة أو التجمع الوطني للأحرار أو العدالة والتنمية أو الاستقلال أو الاتحاد الاشتراكي، لا يغير، في نظره، من الإشكال الأعمق الذي يطبع الحياة السياسية، والمتمثل في استمرار ما وصفه بـ”انقطاع التيار بين الناخبين والمواطنين، وبين العمل السياسي المؤسساتي والمؤسسات المنتخبة”.
واعتبر أن هذا الوضع يمثل أزمة حقيقية، مشيراً إلى أن أحد الباحثين وصفها بأنها قد تكون “أخطر من أزمة 2007″، بالنظر إلى مستوى المشاركة الانتخابية عند احتساب مختلف معايير القياس، وما يعكسه ذلك من اتساع الفجوة بين المواطنين وصناديق الاقتراع.
وفي قراءته لأسباب هذا العزوف، أوضح بوز أن المعارضة من حقها أن تربط جزءاً من هذه النتيجة بطريقة تدبير الحكومة للسنوات الخمس الماضية، في ظل عدد من القضايا والإشكالات التي طبعت المرحلة، من بينها قضايا الفساد التي ارتبطت بمنتخبين، وارتفاع الأسعار، وغيرها من الملفات التي أثرت في النقاش العمومي.
لكنه شدد في المقابل على أن تحميل الأغلبية وحدها مسؤولية تعمق ظاهرة العزوف الانتخابي لا يفسر المشهد كاملاً، مبرزاً أن المعارضة والمجتمع المدني ووسائل الإعلام يتساءلون أيضاً حول مدى نجاح المعارضة في تقديم عرض سياسي وخطاب قادرين على الاقتراب من المواطنين ودفعهم إلى التوجه نحو صناديق الاقتراع.
وأضاف أن عدم قدرة المعارضة على استقطاب المواطنين للمشاركة قد يكون ساهم بدوره في استمرار الوضع السياسي نفسه، بما قد يكرس نوعاً من “النمطية والرتابة” في الحياة السياسية، مؤكداً أن المغرب كان، بعد ما جرى منذ انتخابات 2021، في حاجة إلى “رجة” أو “صدمة سياسية” تنعكس في طبيعة النتائج وفي الأحزاب التي ستفوز وتنتصر.
وقال البوز إن هذه “الصدمة السياسية جاءت من زاوية العزوف وعدم المشاركة”، موضحاً أن النقاش سينتقل الآن إلى النتائج، ومن فاز ومن انتصر، قبل تعيين رئيس الحكومة وتشكيل الحكومة والمصادقة على البرنامج الحكومي وفق الفصل 88 من الدستور، لكن ذلك كله لن يلغي الإشكال المرتبط بمستوى الشرعية السياسية التي تحظى بها هذه النتائج.
وفي هذا السياق، ميز البوز بين “المشروعية” و”الشرعية السياسية”، مؤكداً أن النتائج تظل مشروعة من الناحية القانونية، لكنه اعتبر أن ضعف المشاركة يطرح سؤالاً حول مدى تمتعها بما يكفي من الشرعية السياسية، وهو ما يستدعي، بحسبه، عملاً جماعياً تشترك فيه الدولة والطبقة السياسية والمجتمع ووسائل الإعلام من أجل إعادة بناء الصلة بين المواطنين والأحزاب والانتخابات.
وشدد على ضرورة إقناع المواطنين بأهمية الأحزاب السياسية والانتخابات، معتبراً أن الحياة السياسية المغربية لا يمكن أن تُبنى على انتظار طبقة سياسية مستوردة من تجارب دول أخرى، وإنما ستُدار بالأحزاب والطبقة السياسية الموجودتين في المغرب، داعياً المواطنين في المقابل إلى استعمال قوة المشاركة لتغيير المعطيات المرتبطة بالحياة الحزبية والترشيحات ومختلف مكونات العملية السياسية.
وفي السياق ذاته، لم يعف البوز المجتمع من المسؤولية، مؤكداً أنه “لا يجد حرجاً” في مساءلة المواطنين أيضاً، وإن كانت المسؤولية الأكبر تقع على عاتق النخبة والطبقة السياسية، موضحاً أن قبول بعض الناخبين التصويت مقابل “مغريات مادية مباشرة” أو ما وصفه بـ”الرشوة السياسية والانتخابية” يمثل بدوره مشكلة، ويجعل هؤلاء المواطنين “جزءاً من الأزمة وليس حلاً للأزمة”.
وبخصوص العوامل التي ساهمت في تشكيل النتائج، أوضح البوز أن البرامج والاختيارات السياسية حضرت في المشهد الانتخابي، خاصة من خلال التسابق المحموم بين الأحزاب والمرشحين على تقديم الأرقام والوعود، لكنه سجل في المقابل أن هذه الأرقام لم تكن دائماً مرتبطة بالإمكانات الواقعية لتنفيذها وأجرأتها.
وأشار إلى أن ظاهرة توظيف الأرقام والوعود السياسية كانت حاضرة أيضاً خلال انتخابات 2021، معتبراً أن السياسة حضرت بدرجة معينة في النتائج الحالية، سواء من خلال ردود الفعل على أداء مكونات الأغلبية، أو من خلال التراجع الذي سجلته بعض مكوناتها، أو عبر تفسير النتائج التي حققها العدالة والتنمية وأحزاب المعارضة.
غير أنه أكد أن الانتخابات المغربية لا تزال، في جانب كبير منها، محكومة بالمعطيات السوسيولوجية، مستدلاً على ذلك باستمرار الدور البارز للعالم القروي في تحديد مخرجات العملية الانتخابية، وبقاء بعض الدوائر الانتخابية ذات التمثيلية المحدودة، خصوصاً التي تضم مقعدين أو ثلاثة مقاعد، ذات تأثير كبير في ترتيب الأحزاب ونتائجها.
وأوضح أن الأحزاب التي يُنظر إلى تصويتها باعتباره أقرب إلى التصويت السياسي حققت الجزء الأكبر من نتائجها في الدوائر التي تضم أربعة أو خمسة أو ستة مقاعد، بينما كانت نتائجها محدودة جداً في الدوائر التي تضم مقعدين أو ثلاثة مقاعد، معتبراً أن هذه الدوائر، التي توجد في بعض المدن لكنها محاطة أو مرتبطة بمجالات قروية، لعبت دوراً حاسماً في تحديد النتائج.
وخلص البوز إلى أن السياسة لم تغب عن الانتخابات، كما أن البرامج والاختيارات السياسية كانت حاضرة، غير أن المعطيات السوسيولوجية ما تزال تؤثر بشكل كبير في العملية الانتخابية، وهو ما يفسر، في تقديره، استمرار عدد من ملامح المشهد السياسي السابق رغم التغيرات التي أفرزتها نتائج الانتخابات الأخيرة.