آخر الأخبار

"الجرار" يحرث و"المصباح" يتّقد .. المغاربة يعيدون ترتيب موازين القوى

شارك

رسمت النتائج المؤقتة للاستحقاقات التشريعية بالمملكة، التي أعلن عنها وزير الداخلية في وقت مبكر من اليوم الخميس، خريطة جديدة للمشهد السياسي في المغرب؛ عكست التحولات الكبيرة في أوزان الكتل البرلمانية مقارنة بالنتائج النهائية التي أفرزتها تشريعيات 2021، وسط إعادة تشكل واضح في موازين القوى السياسية وتفاعلات الكتلة الناخبة مع الأداء السياسي والاقتصادي للأحزاب المغربية.

وتجسد التحول الأبرز في تصدر حزب الأصالة والمعاصرة للنتائج المؤقتة لاقتراع يوم أمس، رافعا بذلك عدد المقاعد التي تحصل عليها ما بين الاستحقاقين الماضيين بعشرة مقاعد إضافية مقارنة بـ87 مقعدا التي حصل عليها في اقتراع 8 شتنبر 2021، ليبرز كاستثناء في هذا الشأن من ضمن أحزاب التحالف الحكومي.

ويرجح أن تكون هذه النتيجة التي حققها حزب “الجرار” راجعة بالأساس إلى نجاحه وقدرته التنظيمية على تسويق مشاركته الحكومية دون الاصطدام المباشر بالحرج السياسي للقرارات والتوجهات التي أثارت نقاشا كبيرا لدى الرأي العام المغربي، إضافة إلى استقطابه لعدد من الأسماء الوازنة داخل المشهد السياسي الوطني والجهوي والإقليمي، فضلا عن امتلاكه لشبكة واسعة من الأعيان والمنتخبين القادرين على تحصين معاقلهم المحلية بل واختراق دوائر المنافسين أيضا.

في المقابل، شهد حزب التجمع الوطني للأحرار تراجعا بـ36 مقعدا، لينتقل من المركز الأول بـ102 مقعد في 2021 إلى المركز الثاني بـ66 مقعدا فقط، أخذا بعين الاعتبار جزئية النتائج المُعلن عنها وفارق مقعد واحد الذي يفصله عن صاحب المركز الثالث؛ إذ تربط بعض القراءات هذا التراجع بما يسمى بـ”ضريبة التدبير الحكومي”.

واتسمت فترة قيادة حزب “الحمامة” للحكومة بتوالي الأزمات الدولية، من تبعات أزمة كورونا إلى حرب أوكرانيا وصولا إلى الحرب في الشرق الأوسط مرورا بأزمات وطنية كالزلزال والفيضانات؛ الشيء الذي وضع الحزب في مواجهة مباشرة أمام الرأي العام وأمام عدد من الفئات الاجتماعية التي دفعت بمحدودية أثر المبادرات والبرامج الحكومية في تحقيق تحول ملموس وسريع في حياتها اليومية، إلى جانب النجاح التكتيكي لبعض أحزاب المعارضة في تعبئة القواعد واستغلال ملفات الغلاء والأوضاع المعيشية لإبراز فشل الاختيارات السياسية والاقتصادية للحكومة.

وعلى نحو متصل، انخفضت حصة مقاعد حزب الاستقلال بمجلس النواب، وفق النتائج ذاتها، من 81 مقعدا سنة 2021 إلى 65 مقعدا في هذه الانتخابات. من أبرز العوامل المُفسَّرة لهذا التراجع الكلفة السياسية للمشاركة الحكومية، إذ إن وجود حزب “الميزان” داخل الائتلاف المكون للحكومة جعله يتحمل جزءا من التقييم العام لأداء السلطة التنفيذية في ظل ظروف اقتصادية غير مستقرة، فضلا عن تحول سلوك الناخبين في عدد من الدوائر التي كان يحصد فيها المقاعد وفقدانه لجزء مهم من خزانه الانتخابي الذي انتقل إلى أطراف سياسية أخرى استطاعت إعادة تنظيم قواعدها الميدانية بشكل أكثر نجاعة.

وكما كان متوقعا، سجل حزب العدالة والتنمية تحولا كبيرا إثر تمكنه من رفع عدد المقاعد البرلمانية التي حصل بأكثر من أربعة أضعاف ليحصد 54 مقعدا مقابل 13 مقعدا فقط في اقتراع 8 شتنبر؛ الشيء الذي بوأه المركز الرابع في ترتيب النتائج المؤقتة، مستفيدا من الدور الذي لعبته مجموعته البرلمانية من داخل موقع المعارضة خلال الولاية المنصرمة، مما أتاح له إعادة تعبئة قواعده التنظيمية واستقطاب جزء كبير من الشريحة الناخبة المعترضة على السياسات الاجتماعية والاقتصادية للحكومة، فضلا عن استغلال خطابه في إعادة ترسيخ حضوره في مجموعة من المراكز الحضرية التي حسمها بأريحية كدوائر فاس الجنوبية وفاس الشمالية وسلا الجديدة وسلا المدينة وإنزكان آيت ملول.

أمّا القوى السياسية الأخرى فقد أظهرت تباينا في التكيف مع دينامية الاقتراع، حيث تراجع الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية من 34 مقعدا إلى 26 مقعدا فقط، ثم حزب التقدم الاشتراكية الذي فقد خمسة مقاعد؛ وهو ما اعتبره محمد نبيل بن عبد الله، الأمين العام لهذا الأخير، في تصريح صحافي، “نتيجة مخيبة لانتظارات الحزب ولآماله”. وخلق “تحالف اليسار” الاستثناء داخل البيت اليساري المغربي، إثر رفع حصته البرلمانية بفضل نجاحه في استقطاب فئات شبابية على وجه الخصوص تبحث عن خطابات جديدة خارج إطار الأحزاب التقليدية.

ونجح حزب الحركة الشعبية في زيادة مقعد برلماني واحد إلى رصيده ما بين اقتراعي 8 شتنبر سنة 2021 و23 شتنبر 2026، مستفيدا من ثبات قواعده في المناطق القروية، ومن تموقعه في المعارضة الذي منحه أريحية كبيرة تجنب معها تبعات الوجود في الصف الحكومي، إلى جانب توفره على قواعد قارة في بعض المناطق ضمنت له تجنب أن لا يُمنى بخسارة كبيرة في هذه الانتخابات على الرغم من رفعه لسقف الطموحات والتوقعات خلال حملته الانتخابية.

في سياق ذي صلة، فقد حزب الاتحاد الدستوري وحزب جبهة القوى الديمقراطية مقعدا واحدا لكل منهما؛ فيما رفع حزب الحركة الديمقراطية الاجتماعي رصيده إلى 8 مقاعد، في وقت يحضر فيه اسم أحزاب جديدة داخل البرلمان على غرار حزب الإنصاف (رمزه التفاحة) الذي تمكن من حصد مقعدين، ثم حزب الديمقراطيين الجدد (البصمة) وحزب الوحدة والديمقراطية (الصنبور) اللذين حصدا مقعدا واحدا لكل منهما.

وفي انتظار صدور النتائج النهائية لاقتراع 23 شتنبر 2026 وما يمكن أن تفرزه بعد استيفاء أجل الطعون الانتخابية (إن وجدت) والبت فيها من لدن المحكمة الدستورية، يبدو أن المقارنة بين نتائج مختلف المحطات الانتخابية التي شهدتها البلاد منذ إقرار دستور 2011 تكشف عن مرونة المشهد السياسي المغربي وقابليته المتجددة لإعادة التوازن وتوزيع الثقل النيابي بين الأحزاب السياسية؛ وهو ما يضع هندسة التحالف الحكومي المقبل أمام تحدي صياغة التوافقات وتقديم التنازلات لتشكيل أغلبية مريحة داخل مجلس النواب.

هسبريس المصدر: هسبريس
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا