مع عودة المغرب إلى الساعة القانونية تعود مسألة التوقيت اليومي إلى الواجهة، ليس فقط من زاوية تنظيم الحياة اليومية، وإنما أيضًا من حيث انعكاسه على التوازن النفسي للأفراد، من خلال بحث تأثير الساعة القانونية على الحالة النفسية للمغاربة، وما قد يرافق هذا التوقيت من آثار على النوم والاستيقاظ والإيقاع اليومي.
ويكتسي الأمر أهمية خاصة بالنسبة إلى التلاميذ، الذين يرتبط يومهم الدراسي بشكل مباشر بتوقيت النوم والاستيقاظ، ما يجعل انتظام التوقيت عنصرًا حاضرًا في حياتهم اليومية، ويفتح النقاش حول أثر الساعة القانونية على توازنهم النفسي، ومدى انعكاسها على بداية يومهم الدراسي.
إبراهيم الحسناوي، أخصائي نفسي إكلينيكي، قال إن “الزمن في حياة المغاربة أكثر من مجرد عقارب تدور، بل يمثل النبض الخفي الذي يضبط إيقاع الأسرة، الشارع، والمدرسة، وبيئة العمل”، موضحا أن “الإبقاء على الساعة القانونية، أي توقيت غرينتش، أو العودة إليها من زاوية سيكولوجية وإكلينيكية يتجاوز كونه قرارا إداريا، ليلامس صميم الصحة النفسية العامة والسلامة المهنية”.
وأضاف الحسناوي، في تصريح لهسبريس، أن “العودة إلى التوقيت الطبيعي تمثل، من هذه الزاوية، مصالحة حتمية مع الإيقاع البيولوجي الطبيعي، وإنهاء لـ’الاغتراب الزمني’ الذي يرهق المنظومة العصبية”، مشيرا إلى أن “التوقيت الطبيعي بالنسبة إلى المغاربة يمكن أن يخفف من ضغط البدايات الصباحية القاسية، خاصة أن الاستيقاظ في الظلام يفرض على الدماغ العمل في وقت تكون مستويات هرمون الميلاتونين مرتفعة”.
وأشار الأخصائي النفسي الإكلينيكي إلى أن “هذا التناقض بين الاستيقاظ المبكر ومتطلبات اليقظة قد يولد ما يعرف إكلينيكيا بـ’القصور الذاتي للنوم’، الذي يترجم نفسيا إلى تعكر في المزاج وسرعة في الاستثارة وشعور بإنهاك مسبق يرفع مستويات التوتر قبل الوصول إلى مقرات العمل”، معتبرا أن “التزامن مع شروق الشمس يساعد على إعادة ضبط الساعة البيولوجية، بما يساهم في خفض إفراز هرمونات التوتر وتعزيز الهدوء”.
وأبرز المتحدث ذاته أن “هذا الأمر ينعكس على جودة التفاعلات المهنية، كما يمكن أن يقلل من حوادث الشغل المرتبطة بضعف التركيز الصباحي”، قبل أن ينتقل إلى أثر التوقيت على التلاميذ، ويعتبر أن “المكاسب المحتملة تكون نمائية ومعرفية بامتياز، لأن الطفل والمراهق لا يمتلكان الآليات الدفاعية أو النضج العصبي ذاته الذي يمتلكه البالغ للتعامل مع الحرمان المزمن من النوم”.
وأوضح الحسناوي أن “الاستيقاظ مع ضوء الصباح يجنب الأطفال صدمة الانفصال العنيف عن الفراش، ويمكن أن يحول فترة الصباح داخل البيوت من مساحة مشحونة بالصراخ والمقاومة إلى انطلاق أكثر هدوءا وأمانا نحو المدرسة”، مضيفا أن “حصول التلميذ على دورات نومه بشكل طبيعي يساعد على ترسيخ التعلمات، ويدعم الوظائف التنفيذية المرتبطة بالتركيز والذاكرة العاملة، ويحد من الاندفاعية والعدوانية داخل الأقسام، التي قد تكون، في بعض الحالات، انعكاسا لإرهاق عصبي مزمن”.
وخلص الأخصائي النفسي الإكلينيكي إلى أن “التوقيت المريح يغير، وفق هذه المقاربة، علاقة التلميذ بالمدرسة، من فضاء للإلزام المرهق إلى بيئة أكثر أمانا وقابلية للاستيعاب”، معتبرا أن “الساعة القانونية في السياق المغربي أشبه بعودة النبض إلى طبيعته”، ومبرزا أن “التوازن النفسي يبدأ من احترام إيقاع الجسد”، وأن “الصباحات التي تبدأ بهدوء ودون استنزاف عصبي مبكر تشكل لبنة أولى لمجتمع أكثر توازنا ومناعة ضد الضغوط”.
محمد شفيق الوزاني، أخصائي نفسي إكلينيكي، قال إن “الحديث عن التوازن النفسي يقتضي أولا التطرق إلى التوازن البيولوجي”، معتبرا أن “العودة إلى الساعة القانونية تمثل، من الناحية البيولوجية، انسجاما أكبر مع الساعة البيولوجية للإنسان”، وموضحا أن “الأثر النفسي المحتمل لا يرتبط برقم الساعة في حد ذاته، وإنما بمدى انسجام التوقيت الرسمي مع الإيقاعات البيولوجية الطبيعية للإنسان”.
وأوضح الوزاني، في تصريح لهسبريس، أن “العودة إلى التوقيت الطبيعي يمكن أن تحقق صباحا أكثر ملاءمة، باعتبار أن التوقيت الرسمي سيصبح أقرب إلى موقع الشمس، ما يعني أن الفرد سيستيقظ ويبدأ يومه في ضوء أكثر ملاءمة”، مضيفا أن “من الفوائد المحتملة لذلك تحسين الانتقال بين النوم واليقظة، بالنظر إلى أهمية الضوء الصباحي في ضبط الساعة البيولوجية”.
وأشار الأخصائي النفسي الإكلينيكي إلى أن “انتظام التعرض للضوء الصباحي يمكن أن يساعد على تنظيم دورة النوم والاستيقاظ، وربما التخفيف من مشكلات النوم التي أصبحت منتشرة بشكل كبير بين المغاربة”، موردًا أن “العودة إلى التوقيت الطبيعي قد تساهم في إيقاع يومي أكثر استقرارا، لأن الساعة ليست مجرد رمز على الحائط، وإنما تعكس توقيتا صباحيا ومسائيا يرتبط، في هذا السياق، بالتوقيت الشمسي”.
وأكد المتحدث ذاته أن “الحديث عن أثر العودة إلى الساعة القانونية على الصحة النفسية أو التوازن النفسي للأفراد يحتاج إلى دراسات أكثر فاعلية وجدية، خاصة إذا كان الهدف هو إثبات تحسن مؤشرات الصحة النفسية”، واقترح، في هذا الإطار، “إجراء دراسة مقارنة بين الوضع قبل قرار العودة إلى الساعة الطبيعية والوضع بعده، للوصول إلى معطيات أكثر دقة حول العلاقة بين التوقيت والصحة النفسية”.
وبخصوص التلاميذ اعتبر الوزاني أن “الأمر يصبح أكثر أهمية، لأن الأطفال والمراهقين يعرفون تغيرا بيولوجيا طبيعيا يجعلهم يميلون إلى النوم والاستيقاظ في وقت متأخر، في حين يفرض عليهم التوقيت المدرسي الاستيقاظ في وقت مبكر”، مبرزا أن “الاستيقاظ المبكر جدا، مع النوم في وقت متأخر، يمكن أن يؤدي إلى تراجع جودة النوم أو انخفاض عدد ساعاته، وهو ما قد تكون له انعكاسات خلال هذه المرحلة النمائية”.
وتابع الخبير ذاته بأن “بعض الدراسات بينت وجود علاقة بين توقيت النوم والدراسة وبعض المؤشرات النفسية لدى المراهقين”، مشيرا إلى أن “تأخير بداية الدراسة ارتبط بزيادة مدة النوم وتحسن بعض المؤشرات المرتبطة بالمزاج”، وموردا أن “ذلك يساعد على فهم الفائدة المحتملة من العودة إلى الساعة الطبيعية، لأن توقيت الشروق سيصبح أقرب إلى الساعة الرسمية، وبالتالي سيصبح الاستيقاظ والذهاب إلى المدرسة أكثر انسجاما مع الضوء الطبيعي”.
وخلص الأخصائي النفسي الإكلينيكي إلى أن “هذا الانسجام المحتمل مع الضوء الطبيعي قد ينعكس على النوم والطاقة الصباحية والتركيز والمزاج والقدرة على التعلم، بما يمكن أن يساهم في تحقيق توازن نفسي أفضل”، مشددا، في المقابل، على أن “إثبات أثر مباشر للعودة إلى الساعة القانونية على الصحة النفسية يظل بحاجة إلى دراسات علمية مقارنة وأكثر جدية”.
المصدر:
هسبريس