دخلت احتياطيات المغرب من العملة الصعبة مجددا دائرة الضغط، مع توالي الزيادات في أسعار المحروقات بمحطات الوقود واشتداد موجة صعود النفط والمنتجات المكررة في الأسواق الدولية؛ بما يهدد برفع الفاتورة الطاقية للمملكة، واستنزاف جزء أكبر من موارد النقد الأجنبي المخصصة لتغطية الواردات.
وعلى الرغم من بلوغ الأصول الاحتياطية الرسمية مستويات تاريخية خلال السنة الجارية، فإن استمرار النفط عند أسعار مرتفعة لفترة طويلة من شأنه أن يختبر متانة هذه الوسادة المالية؛ بالنظر إلى التبعية الكبيرة للمغرب إزاء واردات الطاقة.
وتعزز هذا الضغط مع دخول زيادة جديدة في أسعار المحروقات حيز التطبيق، منتصف شهر شتنبر الجاري، هي الخامسة منذ منتصف يوليوز الماضي. وقد ارتفع سعر لتر الغازوال بنحو 34 سنتيما، مقابل 27 سنتيما للبنزين؛ ليستقر الأول في حدود 15,30 درهما، والثاني قرب 15,20 درهما للتر، مع اختلافات طفيفة بين شبكات التوزيع والمدن.
كشفت وتيرة الزيادات المتلاحقة عن حجم انتقال صدمة السوق الدولية إلى الأسعار الداخلية. فقد راكم الغازوال منذ منتصف يوليوز ارتفاعا بنحو 2,74 درهما للتر، موزعا بين زيادة بـ69 سنتيما منتصف يوليوز، ودرهم كامل مطلع غشت، و65 سنتيما منتصف الشهر ذاته، ثم 6 سنتيمات في فاتح شتنبر، قبل الزيادة الجديدة بـ34 سنتيما.
وأفضى هذا المسار إلى تجاوز الغازوال مجددا سعر البنزين، على الرغم من أنه ظل تاريخيا الوقود الأرخص والأكثر استهلاكا في السوق المغربية، خصوصا بالنظر إلى اعتماده الواسع في النقل الطرقي ونقل السلع والمسافرين. وتستحوذ هذه المادة على ما بين 75 و80 في المائة من استهلاك الوقود؛ ما يجعل ارتفاع سعره أكثر حساسية ليس فقط بالنسبة إلى الأسر والمهنيين، وإنما أيضا بالنسبة إلى الميزان التجاري والطلب الوطني على العملة الصعبة.
وتكمن الحلقة الأكثر حساسية في هذه التطورات خارج محطات الوقود، وتحديدا في فاتورة الاستيراد. فالمغرب، باعتباره مستوردا صافيا للطاقة، يؤدي قيمة مشترياته الخارجية من النفط والغاز والمنتجات المكررة بالعملات الأجنبية. وبالتالي، فإن كل ارتفاع مستدام في الأسعار الدولية يعني، عند ثبات الكميات المستوردة، تعبئة مبالغ أكبر من الدولار والعملات الصعبة لتغطية الحاجيات نفسها.
وتزامنت الزيادة الجديدة مع اشتداد الاضطرابات في سوق النفط الدولية، بعدما تجاوز سعر خام برنت مستوى 107 دولارات للبرميل في 15 شتنبر، وسط مخاوف متزايدة بشأن الإمدادات. وقد جاءت هذه المخاوف عقب أضرار لحقت ببنيات تحتية للطاقة في السعودية، وتوقف أنبوب الشرق-الغرب، إلى جانب استمرار تداعيات التوترات في الشرق الأوسط وتراجع طاقات التكرير الروسية.
ولا يتعلق الضغط بالنفط الخام وحده، إذ أصبحت المنتجات المكررة، التي يستورد المغرب جزءا مهما من حاجياته منها، مصدرا إضافيا لارتفاع الكلفة؛ فقد تراجعت صادرات الديزل من روسيا ومنطقة الخليج بنحو 1,6 ملايين برميل يوميا منذ فبراير الماضي. وفي المقابل، قفزت هوامش تكرير البنزين في أوروبا إلى أكثر من 62 دولارا للبرميل مطلع شتنبر؛ وهي تطورات تزيد كلفة اقتناء المنتجات الجاهزة، وتضاعف حساسية البلدان المستوردة لتحركات السوق.
يأتي هذا الضغط في وقت يمتلك المغرب مستوى غير مسبوق من احتياطيات النقد الأجنبي. فقد بلغت الأصول الاحتياطية الرسمية، وفق المؤشرات الأسبوعية لبنك المغرب، حوالي 502,1 مليار درهم في 4 شتنبر الجاري، بارتفاع نسبته 0,4 في المائة خلال أسبوع، و21,1 في المائة على أساس سنوي، بما يعادل نحو 54 مليار دولار.
ويمنح هذا الرصيد الاقتصاد الوطني هامشا مهما لامتصاص الصدمات الخارجية؛ إلا أن الرهان لا يرتبط بحجم الاحتياطيات في حد ذاته بقدر ارتباطه بوتيرة استهلاكها إذا استقرت أسعار النفط والمنتجات المكررة عند مستويات مرتفعة. فكل اتساع في عجز المبادلات الطاقية يرفع الحاجة إلى النقد الأجنبي، خصوصا إذا لم تواكبه زيادة مماثلة في المداخيل المتأتية من السياحة وتحويلات المغاربة المقيمين بالخارج والصادرات والاستثمارات الأجنبية.
وكانت الاحتياطيات قد بلغت 495,8 مليارات درهم في نهاية يونيو الماضي، بزيادة تناهز 12 في المائة منذ بداية السنة، بعدما أنهت 2025 عند 442,9 مليارات درهم، مسجلة نموا سنويا بنحو 18 في المائة. ويوفر هذا المستوى تغطية تناهز خمسة أشهر و11 يوما من الواردات؛ فيما وصل مؤشر ملاءمة الاحتياطيات إلى حوالي 136 في المائة وفق المعيار المعتمد من صندوق النقد الدولي.
وتبرز أهمية الرصيد الحالي أكثر عند وضعه في سياقه التاريخي. فلم تكن احتياطيات المملكة تتجاوز نحو 22,8 مليارات دولار قبل عشر سنوات، مقابل حوالي 17 مليار دولار في 2006. وقد ارتفعت لاحقا إلى قرابة 49 مليار دولار في مارس من السنة الجارية، قبل أن تتجاوز عتبة 500 مليار درهم خلال الأشهر الأخيرة.
واستفاد هذا التراكم من تدفقات منتظمة للعملة الصعبة عبر مداخيل السياحة وتحويلات المغاربة المقيمين بالخارج والصادرات، إلى جانب ارتفاع قيمة بعض الأصول، خصوصا الذهب. ويضاف إلى ذلك خط الوقاية والسيولة بقيمة 4,5 مليارات دولار لدى صندوق النقد الدولي، الذي يشكل بدوره مظلة احترازية إضافية لمواجهة الصدمات الخارجية الكبيرة.
لكن قوة الاحتياطيات لا تلغي حجم المخاطر التي تحملها صدمة نفطية طويلة الأمد. فقد بلغت فاتورة واردات الطاقة خلال 2025 حوالي 114 مليار درهم، ضمن إجمالي واردات ناهزت 875 مليار درهم؛ ما يعني أن الطاقة استحوذت وحدها على نحو 13 في المائة من المشتريات الخارجية للمملكة.
وتظل هذه الكلفة دون المستوى القياسي المسجل خلال 2022، عندما قفزت الفاتورة الطاقية إلى حوالي 153 مليار درهم على خلفية الصدمة التي أحدثتها الحرب الروسية الأوكرانية في أسواق النفط والغاز؛ غير أن استمرار برنت فوق 100 دولار للبرميل، بالتوازي مع غلاء المنتجات المكررة، يعيد سيناريو الاقتراب من تلك المستويات إلى الواجهة، خصوصا إذا امتدت الاضطرابات الحالية إلى الأشهر المقبلة.
ولا يظهر أثر هذا الوضع في الاحتياطيات بشكل فوري أو آلي، إذ تواصل المملكة في المقابل تحصيل تدفقات مهمة من النقد الأجنبي؛ غير أن الخطر يكمن في اتساع الفجوة بين العملات الصعبة الداخلة وتلك الخارجة لتسديد المشتريات الخارجية. وكلما ارتفعت فاتورة الطاقة بوتيرة أسرع من نمو موارد السياحة والتحويلات والصادرات والاستثمارات، زاد الضغط على الحساب الجاري وعلى قدرة الاحتياطيات على مواصلة النمو بالمعدلات المسجلة أخيرا.
أضافت تحركات سعر صرف الدرهم عاملا آخر إلى معادلة الكلفة، بعدما فقدت العملة الوطنية 1,33 في المائة أمام الأورو، و1,55 في المائة أمام الدولار بين نهاية غشت وبداية شتنبر، قبل تسجيل تراجعات إضافية في الأسبوع الموالي. ويكتسي سعر الدولار أهمية خاصة بالنسبة إلى الفاتورة الطاقية؛ بالنظر إلى تسعير جانب كبير من تجارة النفط والمنتجات البترولية عالميا بالعملة الأمريكية.
وتتكون سلة مرجعية الدرهم من الأورو بنسبة 60 في المائة والدولار بنسبة 40 في المائة؛ ما يجعل تقلبات العملتين حاضرة بدورها في حساب كلفة الواردات. وفي حال تزامن ارتفاع النفط مع قوة الدولار، تصبح الصدمة مزدوجة بالنسبة إلى المستورد، بفعل ارتفاع سعر السلعة نفسها وزيادة كلفتها عند تحويلها إلى العملة المحلية.
وعلى الرغم من هذه الضغوط، فإن المؤشرات الخارجية للمغرب تظل محاطة بهوامش أمان مهمة؛ فقد أكدت وكالة “ستاندرد آند بورز غلوبال ريتينغز”، في نهاية مارس، التصنيف السيادي للمملكة عند الدرجة الاستثمارية “BBB”. وتشير التقديرات إلى بقاء عجز الحساب الجاري عند متوسط يقارب 2,4 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي خلال الفترة الممتدة بين 2026 و2029.
وبذلك، لا تطرح الزيادات الحالية في أسعار البنزين والغازوال إشكالا مرتبطا فقط بكلفة التنقل والقدرة الشرائية أو مصاريف النقل والإنتاج، وإنما تعيد طرح معادلة أوسع تتعلق بحجم العملة الصعبة التي يحتاج إليها المغرب لتأمين حاجياته الطاقية. ويوفر الرصيد القياسي من الاحتياطيات حاليا خط دفاع قويا في مواجهة الصدمة؛ لكن استمرار أسعار النفط والمنتجات المكررة عند مستويات مرتفعة سيحول الفاتورة الطاقية إلى اختبار حقيقي لوتيرة تراكم هذه الاحتياطيات خلال الفترة المقبلة.
وتصبح الزيادة الجديدة المسجلة في المحطات، بهذا المعنى، مؤشرا محليا على ضغط مصدره الأسواق الدولية. فكل درهم إضافي تدفعه السوق مقابل واردات الطاقة يمثل جزءا من تدفقات النقد الأجنبي الخارجة من الاقتصاد. وبين احتياطيات تجاوزت 500 مليار درهم وفاتورة طاقية مرشحة للارتفاع، يبقى طول أمد الصدمة النفطية العامل الحاسم في تحديد مدى قدرة المغرب على الحفاظ على وسادة الصرف الحالية، دون أن تتحول كلفة الطاقة إلى مصدر استنزاف متزايد لها.
المصدر:
هسبريس