تتجه الأنظار، يوم 23 شتنبر الجاري، إلى انتخابات مجلس النواب، التي يجري خلالها انتخاب 395 عضوا بالاقتراع العام المباشر عن طريق الاقتراع باللائحة، موزعين بين 305 مقاعد على مستوى الدوائر المحلية و90 مقعدا على مستوى الدوائر الجهوية؛ ما يفتح النقاش من جديد حول كيفية احتساب الأصوات وتوزيع المقاعد البرلمانية، وإيجابيات وسلبيات ما يُعرف بـ”القاسم الانتخابي”.
يقوم نظام الاقتراع على التمثيل النسبي وفق قاعدة أكبر بقية، حيث يجري توزيع المقاعد المخصصة لكل دائرة انتخابية بين لوائح الترشيح على أساس القاسم الانتخابي الذي يُحدّد بقسمة عدد الناخبين المقيدين في الدائرة الانتخابية المعنية على عدد المقاعد المخصصة لها.
وبعد تحديد القاسم الانتخابي بالدائرة المعنية، يُمنح لكل لائحة عدد من المقاعد يساوي عدد المرات التي يتضمن فيها مجموع الأصوات التي حصلت عليها ذلك القاسم؛ فيما تحتفظ كل لائحة بما تبقى من أصواتها بعد احتساب المقاعد التي حصلت عليها بهذه الطريقة.
أما المقاعد التي تظل شاغرة بعد هذه العملية، فتُوزع وفق قاعدة أكبر البقايا، إذ تؤول تباعا إلى اللوائح التي تتوفر على أكبر عدد من الأصوات المتبقية. وبذلك، لا يتحدد عدد المقاعد التي تحصل عليها كل لائحة بمجرد ترتيبها من حيث مجموع الأصوات، وإنما أيضا بناء على حجم الباقي الذي تحتفظ به بعد المرحلة الأولى.
قال رضوان جخا، محلل سياسي ومهتم بالسياسات العمومية، إن “القاسم الانتخابي يمثل آلية تقنية تم اعتمادها في المحطات الانتخابية التشريعية، وله إيجابيات وتحديات”، مشيرا إلى أن “إحدى نقاط قوته تكمن في كونه إجراءً يشجع ويحفز التعددية السياسية بين مختلف الأقطاب والتيارات السياسية”.
وأضاف جخا، في تصريح لهسبريس، أن “القاسم الانتخابي يساهم في توسيع المشاركة السياسية، سواء من خلال الحضور المكثف للوائح الانتخابية بالدوائر الإقليمية، وما يعنيه ذلك من مشاركة أوسع للناخبين، أو عبر فتح المجال أمام الأحزاب السياسية الصغيرة والمتوسطة للتنافس على مقاعد البرلمان”.
وأوضح المحلل السياسي أن “هذه الآلية ترتبط بنظام اللائحة والاقتراع النسبي المبني على أكبر بقية؛ وهو ما يفسر بروز حضور الأحزاب الصغيرة والمتوسطة بشكل أكبر، خصوصًا خلال انتخابات مجالس الجماعات الترابية”، مشيرًا إلى أن “هذا الجانب يمثل إحدى نقاط القوة المرتبطة بالقاسم الانتخابي”.
وفي المقابل، أشار المتحدث ذاته إلى أن “من تحديات هذه التقنية ما يمكن أن ينتج عنها من ضعف في الانسجام السياسي، بسبب كثرة التيارات السياسية التي تحصل على مقاعد، بما قد يؤدي إلى هشاشة التحالفات القادرة على صياغة برامج تنموية مشتركة”.
وأبرز المهتم بالسياسات العمومية إلى أن “هذا التحدي ظهر بشكل أوضح في تحالفات مجالس الجماعات الترابية المحلية والإقليمية، حيث يمكن لحزب حاصل على مقعد أو مقعدين أن يؤثر بشكل بارز في تشكيل التحالفات”.
وختم جخا تصريحه بالقول إن “القاسم الانتخابي، من وجهة نظري، إجراء تقني مشجع ومحفز للمشاركة السياسية، وتطغى إيجابياته على سلبياته”، مذكّرا بأن “الجدل الذي رافق تعديل المادة الرابعة والثمانين من القانون التنظيمي لمجلس النواب لم ينعكس على تشكيل الأغلبية الحكومية التي كانت مكونة من ثلاثة أحزاب فقط”.
قالت إيجة بومزيل، فاعلة سياسية وباحثة في السياسات العمومية، إن “الطريقة الحالية في المغرب تجمع بين إيجابيات مهمة وسلبيات بنيوية”، موضحة أن أبرز ما يميزها هو “تمثيل الأحزاب بحسب انتشارها الانتخابي أكثر من إعطاء مكافأة كبيرة للحزب الأول”؛ غير أن ذلك يأتي، وفقها، “على حساب وضوح الإرادة الانتخابية وسهولة تكوين أغلبية حكومية”.
وأوضحت بومزيل، في تصريح لهسبريس، أن “النقاش حول النظام الانتخابي المغربي يستدعي التمييز بين مرحلتين؛ تتمثل الأولى في احتساب الأصوات داخل الدائرة، والثانية في تحويلها إلى مقاعد”، مشيرة إلى أن “انتخابات مجلس النواب تعتمد التمثيل النسبي باللائحة، مع توزيع المقاعد وفق القاسم الانتخابي؛ وهو نظام عُدّل بشكل جوهري قبل انتخابات 2021”.
وأبرزت الباحثة في السياسات العمومية أن من “إيجابيات النظام الحالي تمثيل أفضل للتعددية السياسية، إذ لا يجعل الحزب المتصدر يستحوذ على عدد كبير من المقاعد يفوق كثيرا نسبة الأصوات التي حصل عليها، كما يمنح الأحزاب المتوسطة والصغيرة فرصة للحصول على مقاعد إذا امتلكت رصيدا انتخابيا كافيا، ويساهم في الحد نسبيا من الأصوات ‘الضائعة’، بما يجعل نسبة الأصوات أقرب إلى نسبة المقاعد”.
وفي المقابل، اعتبرت المتحدثة عينها أن “القاسم الانتخابي على أساس المسجلين أكبر نقطة خلاف في النظام الحالي، لأن المواطن الذي لم يصوت يدخل بطريقة غير مباشرة في حساب توزيع المقاعد”، متسائلة: “لماذا ينبغي لصوت شخص لم يشارك في الانتخابات أن يؤثر في قيمة صوت شخص شارك؟”، موردة أن “الأمر أصبح أقل ارتباطا بفكرة الحزب الفائز، إذ قد تتقارب نتائج أحزاب عديدة ثم تبدأ مفاوضات التحالفات، بما يجعل الفوز الانتخابي لا يعني بالضرورة القدرة على الحكم”.
وخلصت بومزيل إلى أن “النظام الحالي يعطي أولوية للتمثيلية والتعددية على حساب وضوح الفائز والاستقرار السياسي”، معتبرة أن “ذلك قد يؤدي إلى تجزئة حزبية وصعوبة في تشكيل الأغلبية والحاجة إلى تحالفات واسعة وتفاوض طويل بعد الانتخابات؛ فضلا عن صعوبة تحديد المسؤول السياسي المباشر عن نجاح أو فشل الحكومة”، لتطرح في النهاية سؤالا حول ما إذا كانت الانتخابات ينبغي أن تكون أولا وسيلة لتمثيل مختلف التيارات أم لإنتاج أغلبية حكومية واضحة وقابلة للمحاسبة.
المصدر:
هسبريس