آخر الأخبار

سوسيولوجي: الشباب المغربي لم ينسحب من السياسة.. والتسويق الرقمي لن يعيد ثقة الشباب (حوار)

شارك

كشف مولود أمغار، أستاذ علم الاجتماع بجامعة القاضي عياض بمراكش، أن الشباب المغربي لم ينسحب من المجال السياسي، بل ابتعد عن القنوات التقليدية كالأحزاب والانتخابات نتيجة ضعف الاقتناع بجدواها وقدرتها على إحداث التغيير وصناعة الأثر.

وأوضح الباحث في حوار مع جريدة “العمق” أن ضعف المشاركة يشكل اتجاها مستمرا رغم أن الشباب يمثلون نحو خمس الهيئة الناخبة لسنة 2026، مشيرا إلى أن معطيات حديثة أظهرت أن 37 بالمائة فقط يثقون في البرلمان، مما يفسر لجوء هذه الفئة إلى التعبير عبر شبكات التواصل الاجتماعي والمشاركة في الاحتجاجات.

وأكد المتحدث ذاته، أن أدوات التسويق السياسي والتواصل الرقمي لا تكفي لاستعادة الثقة وحل مشكلة غياب الإحساس بالفاعلية السياسية لدى هذا الجيل، مشددا على أن الوعود الانتخابية المبالغ فيها تعمق الفجوة بين الخطاب والتجربة اليومية للمواطن.

وأضاف أمغار أن الهشاشة الاقتصادية ووجود ملايين الشباب خارج منظومة التعليم والشغل لا تنتج العزوف الانتخابي بصورة آلية، مبرزا أن الفقر والبطالة قد يدفعان هذه الفئة نحو المطالبة والضغط السياسي لتتحول المعاناة إلى موقف سياسي صريح يرفض أدوات الوساطة الكلاسيكية.

وفيما يلي نص الحوار كاملا:

ما علاقة الشباب المغربي بالانتخابات التشريعية؟

إذا أردنا فهم علاقة الشباب المغربي بالانتخابات والسياسة، فعلينا أولا أن نتجاوز تفسيرا يبدو بسيطا، لكنه في الحقيقة مضلل، وهو القول إن الشباب أصبحوا «عازفين عن السياسة» أو غير مبالين بالشأن العام. المعطيات المتوفرة لا تسمح لنا بهذا الاستنتاج. ما نراه، في تقديري، هو إعادة تشكيل لعلاقة الشباب بالسياسة: فالشباب لم ينسحبوا بالضرورة من المجال السياسي، وإنما ابتعد جزء منهم عن بعض قنواته التقليدية، وفي مقدمتها الانتخابات والأحزاب، لأنهم أصبحوا أقل اقتناعا بقدرتها على إنتاج التأثير والتغيير.

وهذا فرق مهم جدا. المشكلة ليست بالضرورة في غياب الاهتمام بالسياسة، وإنما في ضعف الاقتناع بجدوى بعض أشكال المشاركة السياسية التقليدية.

وهنا ينبغي أن ننتبه إلى أن ضعف المشاركة الانتخابية لدى الشباب ليس ظاهرة ظرفية مرتبطة بانتخابات واحدة، وإنما هو اتجاه أكثر استمرارية. والمعطيات المقارنة تشير عموما إلى أن الشباب أقل مشاركة من الأجيال الأكبر سنا في التصويت والانخراط الحزبي، لكنهم في المقابل أكثر حضورا في بعض أشكال المشاركة الجديدة، مثل التعبير السياسي عبر شبكات التواصل الاجتماعي والمشاركة في الاحتجاجات. وهذا ما تؤكده أيضا المعطيات الحديثة لـAfrobarometer في المغرب.

لدينا كذلك مؤشر ديموغرافي مهم. فوفق المعطيات الرسمية المنشورة حول اللوائح الانتخابية لسنة 2026، بلغ عدد المسجلين 15,801,162 ناخبا وناخبة. وتمثل الفئة 18–24 سنة حوالي 4%، والفئة 25–34 سنة حوالي 15%، أي إن الشباب بين 18 و34 سنة يمثلون نحو خمس الهيئة الانتخابية المسجلة.

لكن الأهم بالنسبة إلي ليس فقط حجم المشاركة، وإنما نوع العلاقة التي تربط الشباب بالمؤسسات السياسية. فمعطيات Afrobarometer المنشورة في مارس 2026 تقدم لنا مؤشرا بالغ الأهمية: حوالي 37% فقط من الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و35 سنة يقولون إنهم يثقون بالبرلمان كليا أو جزئيا، و34% بالمجالس الجماعية، و33% برئيس الحكومة، والنسبة نفسها تقريبا بالنسبة إلى أحزاب الأغلبية وأحزاب المعارضة. وفي الوقت نفسه، نجد أن الشباب أكثر ميلا من الفئات الأكبر سنا إلى المشاركة في الاحتجاجات والتعبير السياسي عبر شبكات التواصل الاجتماعي.

ومن هنا أعتقد أن السؤال الوجيه الذي ينبغي الانخراط للإجابة عنه من مواقع مختلفة هو لماذا لا يشعر بعض الشباب بأن التصويت، أو الانتماء إلى حزب، أو المشاركة في العملية الانتخابية، قادر فعلا على إحداث فرق في حياتهم وفي المجتمع؟ وهذا يقودنا إلى مفهوم أساسي في علم الاجتماع السياسي، هو الإحساس بالفاعلية السياسية. فالمواطن لا يشارك فقط لأنه يمتلك حق المشاركة، وإنما يشارك أيضا عندما يعتقد أن مشاركته يمكن أن يكون لها أثر.

وهنا ينبغي أيضا أن نتعامل مع الشباب باعتبارهم ليسوا مجرد فئة عمرية، وإنما، في جزء منهم، جيلا اجتماعيا تشكل في سياق مختلف عن السياقات التي شكلت الأجيال السابقة. هذا الجيل نشأ في بيئة تغيرت فيها مصادر المعرفة، ووسائط التواصل، وطرق بناء الرأي العام، ومعايير النجاح، وانتظارات الأفراد من الدولة والمؤسسات. جيل «زد» مثلا لا يتلقى السياسة فقط من الحزب أو من الخطيب في التجمع الانتخابي أو من التلفزيون. إنه يعيش داخل فضاء سياسي متعدد المصادر، يتابع فيه السياسي والصحفي والناشط والمؤثر والمواطن العادي في الوقت نفسه. لذلك فإن الفضاء السياسي نفسه تغير، بينما لم تتغير بالسرعة نفسها أدوات الوساطة السياسية التقليدية.

هل عدم الإحساس بالفاعلية السياسية يمكن أن يكون عاملا أساسيا في خفض معدل مشاركة الشباب في صناعة المشهد الحكومي؟

نعم، وأعتقد أنه عامل أساسي، لكن ينبغي ألا ننظر إليه بمعزل عن التحولات الاجتماعية والقيمية التي يعرفها الشباب. هناك، في تقديري، فجوة بين تطور انتظارات الشباب من الديمقراطية والمشاركة، وبين قدرة المؤسسات والأحزاب على الاستجابة لهذه الانتظارات. الشباب أصبحوا أكثر حساسية لقضايا مثل الشفافية، والمساءلة، والعدالة، والمساواة في الفرص، وربط المسؤولية بالمحاسبة.

ولذلك لا أعتقد أن مجرد انتقال الأحزاب إلى الفضاء الرقمي، أو استخدام لغة شبابية، أو إنتاج فيديوهات أكثر جاذبية، سيكون كافيا لإعادة الشباب إلى المشاركة السياسية. المشكلة أعمق من التواصل. لا يمكن حل أزمة الثقة في السياسة بأدوات التسويق السياسي وحدها. إذا كان الشاب يشعر بأن الوجوه نفسها تتكرر، وأن البرامج الانتخابية لا تتحول دائما إلى سياسات ملموسة، وأن نتائج الانتخابات لا تنعكس بصورة واضحة على شروط حياته، فإن الحملة الانتخابية مهما كانت متطورة من الناحية الرقمية ستواجه مشكلة في الإقناع. بل إن الوعود الانتخابية المبالغ فيها، أو البرامج التي لا تبدو قابلة للتحقق، قد تؤدي إلى نتيجة عكسية: فهي لا تستقطب الشباب، وإنما تعمق المسافة بينهم وبين السياسة لأنها توسع الفجوة بين الخطاب السياسي والتجربة اليومية للمواطن.

هل الهشاشة الاقتصادية تنتج العزوف الانتخابي بصورة آلية؟

صحيح أن فئات عريضة من الشباب المغربي تواجه صعوبات حقيقية في الولوج إلى سوق الشغل، وتؤكد تقارير المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي أن البطالة وعدم استقرار الاندماج المهني من أبرز التحديات التي تواجه هذه الفئة. كما تشير المعطيات المشتركة للمندوبية السامية للتخطيط ومنظمة العمل الدولية لسنة 2025 إلى أن حوالي 2.9 مليون شاب بين 15 و29 سنة يوجدون خارج العمل والتعليم والتكوين، أي ما يعادل 33.6% من هذه الفئة.

لكنني لا أعتقد أن الهشاشة الاقتصادية تنتج العزوف الانتخابي بصورة آلية. فالفقر والبطالة قد يدفعان بعض الشباب إلى الابتعاد عن السياسة، لكنهما قد يدفعان آخرين، في المقابل، إلى الاحتجاج والمطالبة والضغط السياسي. لذلك لا ينبغي أن نقول إن الشاب لا يشارك لأنه فقير أو عاطل، وإنما ينبغي أن نسأل: كيف تتحول تجربة الفقر أو البطالة أو التهميش إلى موقف سياسي؟

وهنا تظهر أهمية النظر إلى الشباب أيضا باعتبارهم جيلا اجتماعيا له تجاربه وقيمه وانتظاراته الخاصة. فقد نجد، رغم اختلاف الوضعيات الاقتصادية والمجالية بين الشباب، تشابها في بعض مواقفهم من المؤسسات السياسية، خصوصا عندما يتعلق الأمر بالثقة والفاعلية والقدرة على التأثير. وبالتالي، فإن العزوف لا ينبغي أن يفهم فقط باعتباره نتيجة لوضع اقتصادي هش، وإنما أيضا باعتباره موقفا يتشكل من الطريقة التي ينظر بها هذا الجيل إلى السياسة وإلى جدوى المشاركة فيها.

العمق المصدر: العمق
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا